Beirut Letter/news/march14

 

المستقبل  14-03-2006

14 آذار 2005: حين أنجزنا وطناً في يوم واحد

يوسف بزي

ما من سجن "باستيل" لنهدمه في ذاك اليوم، هناك في قلب العاصمة. ما من طاغية لنسقطه، ولا قلعة لنقتحمها، كان لدينا حلم ضئيل ببساطة الصواب، وكان يكفي ان نرفع العلم، الذي كأننا اخترعناه للتو، كان يكفي ان نقول بابتهاج "استقلال"، وان نغني "حرية".
وهذا وحده كان كفيلاً بإنجاز وطن في يوم واحد.
ضريح بجوار مسجد، منصة من قلوب وحناجر. خيمة من شابات وشبان، شال من فكرة، مواطن من حقيقة، ساحة من وضوح.. والكثير من الأبيض والأحمر تحت أزرق سماوي، وكان يكفي هذا لنبتكر لبناناً ناصعاً كأنه شقيق الحلم.
14 آذار 2005، لحظة تأسيس، ستظل أمامنا هناك في المستقبل الذي مرّ أمام أعيننا، وسط بيروت، قبل عام من الآن. فكيف يكون المستقبل، إذاً، في الماضي، في ذاكرة عابرة بيوم واحد.. ولا تنتسى. هذه هي معجزة 14 اذار.
لا نتكلم عن الحشود، التي بدت آتية إلى عيد، وكأنها خارجة من سجن خرافي. لا نتكلم عن السياسة التي انتهت يوم 14 شباط 2005 في حفرة الجريمة، ولا عن بلد مثقل بالجراح، محاصر بالخوف. فالمعجزة هي في كلمة السر التي اضاءت عقول اللبنانيين. كلمة اندلع معها ربيع بيروت متفتحاً على أعظم تظاهرة في تاريخ لبنان.
كانت الكلمة هي "الاستقلال". وتحت "عنوان "الولاء للبنان والوفاء لرفيق الحريري"، كان اللبنانيون ينسربون من سهولهم ويهبطون من جبالهم، ويغادرون قراهم ويخلون مدنهم.. نحو جهة المستحيل، الذي بات في متناول أيديهم. خطوة واحدة خارج الطائفية والطوائف، خطوة واحدة خارج الأحزاب والعصبيات، خطوة واحدة بلا سياسات.. ليكونوا بغتة في لبنان، وليكون لبنان فيهم.
كان العام 2005 يغير العالم، ووعد الديموقراطية يتجول كنسيم هائل حول القارات: الثورة الوردية في جورجيا، الثورة البرتقالية في اوكرانيا، الثورة الارجوانية في العراق، الثورة الزنبقية في قيرغيزستان.. لكن المشهد كان هنا، مع ثورة الأرز في لبنان. وكان على العالم ان يتفرج على أعجوبة هذه الصورة، وعلى بلد صغير يصنع ربيعاً لدنيا العرب.
مليونا مواطن بكامل براءتهم، كيف لهم كل هذه القوة الطالعة من حادثة اجتماعهم؟ وكيف لهم سوية كل هذا الأمل؟ وما ان حضروا حتى أنجزوا غايتهم. انتصروا على انفسهم فهزموا الطغيان ووهمه. انتصروا بسلميتهم الضعيفة على تفاهة القوة العمياء.
قليل من الحب، قليل من الغضب وراية واحدة.. لينفتح الأفق، بعد 15 سنة من حروب و15 سنة من وصاية، فكان 14 آذار المبتدأ المستمر حتى اليوم رغم التباسات التواريخ اللاحقة.
أفق الديموقراطية والحرية كان يرتسم على حدود مرفأ بيروت، وهُوية لبنان كانت تتشكل من السعي الى الحقيقة، على كامل ساحة الشهداء بجانب ضريح رفيق الحريري، الذي تحول من ضحية الى ارادة منتصرة على موتها، وكانت "المواطنية" الجديدة تنبثق من الحشد، فرداً فرداً، ووجهاً وجهاً ولوناً لوناً.. وكانت بيروت مرة جديدة تمزج الفرح مع الثورة، الاغواء مع الاحتجاج، الحلم مع السياسة في صورة خيالية لا مفر من تصديقها، ومن الايمان بها.
سنة واحدة مرّت. وقت قليل انصرم. وهذا لا يبرر قوة الحنين الى ذلك اليوم، لا يبرر شعورنا بالشوق والفقد لما عشناه في ذاك النهار. كأنما لم نرد ان نغادره.

العالم العربي

عودة الى مراجعات الصحف