Beirut Letter/news/bkerke

 

النهار 07-12-2006

"لأن اللبنانيين يعيشون فترة حرجة في تاريخهم ويسألون عن المصير"
الكنيسة المارونية تؤكد ثوابتها وتحدد سبل العلاج
الحوار والمحكمة وحكومة وفاق وقانون انتخاب ورئيس جديد

جدّدت الكنيسة المارونية أمس تأكيد "ثوابتها" وهي الحرية والعيش المشترك والديموقراطية التوافقية ونهائية الكيان اللبناني والتمسك بقرارات الشرعية الدولية والحفاظ على الدولة اللبنانية والالحاح على تطبيق اتفاق الطائف بكل بنوده.
وجاء هذا التأكيد في وقت "يعيش اللبنانيون ، وبخاصة الموارنة فترة حرجة من تاريخهم". ورأت الكنيسة لمعالجة ذلك "بت ميثاق شرف بين اللبنانيين يؤكدون فيه تمسكهم بمبادئ الحوار ورفضهم الاحتكام الى أي شكل من اشكال العنف، والعمل على اقرار المحكمة الدولية وعدم الانجرار الى صراع المحاور الاقليمية أو الدولية ولملمة الوضع المتفجر بتأليف حكومة وفاق أو حكومة من المستقلين تعمل على اقرار قانون جديد للانتخاب وايجاد حل لواقع رئاسة الجمهورية الذي لا يمكن ان يستمر فيما هو يواجه مقاطعة دولية واقليمية، والعمل على استكمال تطبيق اتفاق الطائف".
وقد تلا النائب البطريركي المطران سمير مظلوم في بكركي، لدى انتهاء الاجتماع الشهري لمجلس المطارنة الموارنة أمس ورقة اعدها السينودس الاسقفي وعنوانها "اعلان ثوابت الكنيسة المارونية"، وهنا نصها:
"
يعيش اللبنانيون اليوم، ولا سيما منهم الموارنة فترة حرجة من تاريخهم، تكثر فيها الاسئلة حول مصيرهم ومصير وطنهم، ويتعاظم الخوف على مستقبلهم والخشية من عودة الاقتتال الداخلي، بسبب الصراعات الدائرة وما يرافقها من شحن للنفوس واثارة للغرائز.
فالوطن صار في مأزق يهدد وجوده وكينونته، وينذر بارتدادات بالغة الخطورة على المنطقة بأسرها؛
والشعب راحت تتجاذبه تيارات متناقضة ومحاور اقليمية متناحرة، فأخذ بعضه بالاصطفاف وراء هذا المحور او ذاك، ووقفت الاكثرية الصامتة حائرة ضائعة عاجزة عن الصمود في وجه التيارات وعن اختيار موقع لها؛
والدولة اضحت مهددة بتقطيع اوصالها ، تطغى عليها الانتماءات الطائفية وصراعات القوى والمصالح الفئوية، وبات دور المسيحيين فيها مهمشا ولم تعد تقوى على القيام بدورها في توحيد المجتمع اللبناني والحفاظ على امنه وكرامة الانسان فيه ونيله حقوقه الاساسية.
امام هذا الواقع المأسوي لا يسع الكنيسة المارونية ان تتنكر للدور الاساسي الذي اضطلعت به عبر التاريخ في بناء هذا الوطن والذود عنه في وجه كل الاجتياحات والاحتلالات، وفي قيام دولة الاستقلال وارساء النظام البرلماني الديموقراطي الحر، كما لا يمكنها ان تتوانى عن التصدي للاخطار التي تهدد وجود الوطن ومستقبل الشعب واستمرار الدولة.
لذا انطلاقا من تعليم الارشاد الرسولي "رجاء جديد للبنان" والمجمع البطريركي الماروني، يهمنا اولا، ان نذكر ببعض المبادئ الاساسية التي تشكل ثوابت وطنية يجب التقيد بها، والانطلاق منها لمعالجة الامور الملحة التي من شأنها ان تساهم في اخراج البلد من المازق الحالي وتؤسس لمعالجة طويلة الامد للشؤون الجوهرية المتعلقة بمستقبل الوطن وديمومته.
-
أولاً، الثوابت المارونية:
1 -
الحرية: لقد تمسك الموارنة عبر تاريخهم بالحرية الايمانية، وعاشوها منذ البدء وسط نزاعات دينية متنوعة، وقد لازمتها سائر الابعاد التي تعرفها الحرية، من فكرية واجتماعية وسياسية واعتصم الموارنة في جبال لنبان حفاظا على حرياتهم هذه التي صارت عندهم كنز الكنوز.
2 -
العيش المشترك: لم يمنع الموارنة تمسكهم بالحرية من الانفتاح على الآخرين ومشاركتهم في السراء والضراء اذ ناضلوا على ارض لبنان مع اخوان لهم من سائر الاديان والطوائف، واسسوا معا كيانا واحدا في جو من المساواة بين الجميع ومن الكرامة المحفوظة للجميع، فكانوا على الدوام مندرجين في العيش المشترك مع اخوانهم ومواطنيهم في لبنان اولا، ثم في كل بلد حلوا فيه واستوطنوه. وهذا العيش قائم على الاعتراف المتبادل وعلى وحدة المصير والتكامل بين العائلات الروحية التي تؤلف النسيج الوطني الواحد. وقد كرس الدستور اللبناني هذا المبدأ اذ نزع صفة الشرعية عن كل سلطة تناقض العيش المشترك.
3-
الديموقراطية التوافقية: لقد ارتضى اللبنانيون نظام الديموقراطية التوافقية وكرسها الدستور حفاظا على جميع مكونات المجتمع اللبناني التعددي، وافساحا في المجال لها جميعا ان تشارك مشاركة متوازنة في الحياة الوطنية والقرارات المصيرية، وفي ادارة شؤون الوطن، وفي بناء مشروع الدولة وتنميته وتطويره.
4 -
نهائية الكيان اللبناني: لقد اكد الدستور اللبناني في مقدمته الاعتراف بلبنان وطنا نهائيا لجميع ابنائه، الى جانب قاعدة العيش المشترك في ما بينهم، وانتمائه الكامل الى العالم العربي. وهذا يستتبع حتما الدفاع عن استقلال هذا الوطن وسيادة دولته الكاملة على كل اراضيه، وحرية ابنائه في اتخاذ قراراتهم المصيرية كما يحتم الوقوف في وجه اية محاولة للمس بهذا الاستقلال من اية جهة اتت، او احتلال أراضيه وانتقاص سيادته، او تدخل خارجي في شؤونه واخضاع مصلحته العليا لمصالح اي دولة اخرى.
5 -
التمسك بقرارات الشرعية الدولية، والمطالبة بتطبيقها كاملة، اذ انها الوسيلة الأنجع للحفاظ على هذا الوطن الصغير وحمايته من مطامع جيرانه، ومن استخدامه وسيلة لحل بعض مشكلاتهم على حسابه، كأن يُجعل منه وطنا بديلا لمن اضاعوا وطنهم، او تعويضا لمن فقدوا جزءا من اراضيهم.
6 -
الحفاظ على الدولة اللبنانية، وتحاشي ما من شأنه ان يفكك اوصالها ويضعف دورها، اذ في ضرب الدولة خطر على الوطن، بل المطلوب اعادة بناء هذه الدولة على اسس الحق والعدالة والمساواة والمشاركة وترميم كل مؤسساتها على اسس الكفاية والنظافة والاخلاق السوية، ومحاربة الفساد المعشش في زواياها.
7 -
الالحاح على تطبيق اتفاق الطائف بكل بنوده، مع توضيح ما لا يزال غامضا فيه وتصحيح الشوائب التي ظهرت في ضوء الممارسة بغية تحسين اداء الدولة، وتحصين الوطن ضد الاخطار.
-
ثانياً، معالجة الامور الملحة:
انطلاقا من هذه الثوابت المسلَّمات ندعو القادة الموارنة اولا، ومن ثم سائر القادة الوطنيين، الى:
1 -
بت ميثاق شرف في ما بينهم وامام الوطن، يؤكدون فيه تمسكهم بمبادئ الحوار وحل الخلافات في اطار الديموقراطية والقانون، ويرفضون الاحتكام الى اي شكل من اشكال العنف والصدامات المسلحة لأي ذريعة او سبب، كما يمتنعون بموجبه عن استخدام عبارات التحقير والاذلال في المخاطبة، وعن اثارة الاحقاد والنعرات الطائفية او الحزبية او الفئوية او الشخصية، وعن الإسفاف في لغة التخاطب الى حد استعمال الكلمات البذيئة التي لا تليق بهم ولا بالاشخاص الموجهة اليهم.
2 -
العمل على اقرار المحكمة ذات الطابع الدولي، انطلاقا من ايمانهم بمبادئ العدالة والحق ورفضهم الارهاب وادانتهم الجريمة، سياسية كانت ام غير سياسية، وذلك لاحقاق الحق، ووقف مسلسل القتل والاغتيالات الذي يضع لبنان في خانة بلدان تسودها شريعة الغاب.
3 -
عدم الانجرار الى صراع المحاور الاقليمية او الدولية، او التمحور في اي أحلاف خارجية تخوض صراع مصالح ونفوذ على ارض لبنان وعلى حسابه، مع حرصهم على الانفتاح على محيطهم والعالم.
4 -
لملمة الوضع المتفجر بتأليف حكومة وفاق تؤمّن مشاركة واسعة على المستوى الوطني، وتجد حلولا لما يعانيه المواطن، ولاسيما على الصعيدين الامني والاقتصادي.
5 -
واذا تعذر ذلك، السعي الى تأليف حكومة من مستقلين تعمل على اقرار قانون جديد للانتخاب على اساس الدوائر الصغيرة، بغية تأمين تمثيل صحيح لكل فئات الشعب، وعلى افساح المجال لمشاركة المغتربين في الانتخاب بغية اعطائهم جزءا من حقوقهم، وترسيخ علاقتهم بوطنهم الأم، وتقوية مساهمتهم في اعادة بنائه كما تسهر على اجراء انتخابات مبكرة.
6 -
ايجاد حل لواقع رئاسة الجمهورية الذي لا يعقل ان يستمر مع المقاطعة الحاصلة لها دوليا وداخليا، فمن شأن ذلك ان يزيد تفاقم الازمة والخلل فلذا يجب تقريب موعد الانتخاب لاختيار شخص يتم الاتفاق عليه ويمكنه ان يعمل على توحيد الشعب في ظل الدولة العادلة واطلاق مسيرة الاصلاح واعادة بناء الدولة بكل مؤسساتها.
7 -
العمل معا على استكمال تطبيق اتفاق الطائف ولا سيما منه بند اللامركزية الادارية والانمائية الموسعة وتأكيد حق الفلسطينيين في العودة الى بلادهم ورفض توطينهم في لبنان والعمل على حل مسالة السلاح الفلسطيني في اطار تأمين حقوقهم الانسانية وعلى حصر السلاح اللبناني في يد القوى الامنية الشرعية.
وفي الختام نتوجه بالدعوة الى جميع المسيحيين لرص صفوفهم وتوحيد كلمتهم، لا ليشكلوا قوة في وجه الطوائف الاخرى، بل ليتمكنوا من الاضطلاع بدورهم التاريخي الذي هو دور توحيد ووحدة بين الطوائف والشرائح اللبنانية المختلفة وصمام امان في وجه التوترات والمواجهات بين الطوائف الاخرى، للحؤول دون انفجار الصراعات الطائفية او المذهبية، وهكذا يحافظون على لبنان الذي هو "اكثر من وطن"، الذي هو رسالة انفتاح وحوار وتوافق وعيش مشترك بين الاديان والحضارات".

 

عودة الى مراجعات الصحف

الأرشـيـف