|
نظمت
حركة اليسار الديمقراطي
والتجمع من أجل الديمقراطية في لبنان وجمعية
أصدقاء سمير قصير في فرنسا الأول من أمس ندوة في
مجلس الشيوخ في باريس في الذكرى الأولى لاستشهاد
سمير قصير
تناولت قضايا النهضة العربية وإشكالية العلاقات
اللبنانية السورية.
حضر الندوة حشد من اللبنانيين والسوريين
والفلسطينيين المقيمين في باريس وعدد من الفرنسيين
المتابعين للشأنين اللبناني والعربي. كما حضرها
سفيرة لبنان في فرنسا السيدة سيلفي فضل الله.
استهلت الندوة بكلمة ترحيبية ألقتها عضو مجلس
الشيوخ السيدة بريزا خياري محيية سمير قصير وفكره
ونضاله في سبيل الحرية والديمقراطية والعلمنة في
لبنان وسوريا وفلسطين. ثم جرى عرض فيلم "يوم
الاثنين" لطلال خوري عن انتفاضة الاستقلال المهدى
الى قصير.
بعدها تحدث الكاتب والمهندس جاد تابت مقدماً
الندوة، فأشار الى أن محوريها مرتبطان بما طرحه
سمير قصير في العديد من كتاباته. فقراءة الواقع
العربي تماماً كما البحث في العلاقات السورية
اللبنانية والتأكيد على تلازم المعركة في سبيل
التحرر والديمقراطية في لبنان وسوريا والتفكير في
شروط نهضة جديدة كانت من المواضيع التي حاجج فيها
قصير، ودفع حياته ثمناً لإصراره على الغوص فيها.
المداخلة الأولى كانت للمؤرخ والكاتب السوري فاروق
مردم بيك، الذي قدم قراءة في تجربة النهضة ومآلها،
مستعرضاً أبرز العوامل التي أدت الى قيامها منذ
منتصف القرن التاسع عشر بدءاً بالاصلاح الإداري
وافتتاح المدارس الحديثة في السلطنة العثمانية كرد
فعل على الهزائم العسكرية، مروراً بدور البعثات
التعليمية الغربية، وقيام الصحافة وتطور الترجمات
وإحياء اللغة العربية على يد ناصيف اليازجي وأحمد
فارس الشدياق وبطرس البستاني صاحب "دائرة المعارف"
التي تعتبر بالمقاييس العلمية من أبرز الأعمال
التوثيقية والموسوعية. وتحدث مردم بيك عن كتابات
الطهطاوي حول أسباب تقدم الغرب وحول مسألتي
الانتماء والهوية والوطنية المصرية، ومن ثم مواقف
الأفغاني وعبده الإصلاحية التي عبرت عن حيوية
فكرية وعن انفتاح على ما يأتي من الخارج دون عقد
ثقافية أو دينية. وقال مردم بيك إن النهضة لم تجهض
مع انقلاب رشيد رضا على معلمه عبده في أوائل القرن
العشرين، فأعمال علي عبد الرازق وطه حسين والكثير
من الكتاب والباحثين من بعدهم استمرت في نفس
نهضوي، وهذا النفس ما زال الى اليوم موجوداً في
مؤلفات العديد من المفكرين والسياسيين. إنما ما
أجهض حركة النهضة عامة ومناخها، هو عمق التحولات
السياسية التي جرت بعد هزيمة العام 1967، وقيام
مثلث يجمع إسرائيل والسياسات الأميركية في المنطقة
من جهة، وأنظمة الاستبداد العربي من جهة ثانية،
وحركات التطرف الإسلامي الظلامية من جهة ثالثة،
معتبراً إن استعادة النهضة وروحها تتطلب الخروج من
هذا المثلث وبناء دول حديثة وديمقراطية لا تتناقض
وطنيتها ومصالحها مع الفكرة العروبية.
وخلص مردم بيك الى أن ثمة مفارقة اليوم مفادها أنه
رغم حال التردي السياسي والاقتصادي والاجتماعي في
العالم العربي، إلا أن الانتاج الابداعي والثقافي
في مستوى مقبول، وأن المشرق والمغرب العربيين أقرب
الى بعضهما من أي وقت مضى.
المداخلة الثانية كانت لنائب رئيس حركة اليسار
الديمقراطي
زياد ماجد الذي
تطرق الى ثلاث مراحل في العلاقات اللبنانية
السورية:
- مرحلة أولى بدأت مع قيام لبنان الكبير عام 1920،
وكانت مرحلة تأسيسية للتوترات اعتبرت فيها النخب
السورية أن جزءاً اقتطع من سوريا لتكوين كيان
مصطنع، وشاركها في ذلك بعض أهل المناطق والمدن
اللبنانية. وبعد الاستقلال عام 1943 والاتفاق في
الميثاق الوطني على الكيانية اللبنانية ذات الوجه
العربي، تواصلت الاحتقانات اللبنانية السورية،
وكان الانفصالين الجمركي والمالي ونكبة فلسطين
وتحول نشاط مرفأ حيفا الى بيروت ولعبها الدور
الرئيسي في حركة التصدير والاستيراد مفاصل أساسية
اصطدمت خلالها بورجوازيّتا البلدين.
وفي العام 1958 تحول التصادم في الخيارات
الاقليمية بين حلف بغداد الذي انضم إليه لبنان
الرسمي والجمهورية العربية المتحدة الى تصادم
داخلي لبناني نتيجة رفض قسم كبير من اللبنانيين
لحلف بغداد. وبعد العام 1963، تاريخ وصول البعث
الى الحكم في سوريا، تناقضت الخيارات الاقتصادية
في البلدين والتجأت رؤوس مال سورية الى المصارف
اللبنانية، كما تحولت بيروت ولغاية منتصف
السبعينات الى عاصمة للمثقفين العرب وللمعارضات
العربية وللفارين من أنظمة العسكر والتأميم.
- مرحلة ثانية بدأت مع الغزو السوري للبنان بضوء
أخضر أميركي عام 1976 (وهو الغزو الذي رفضه كثر من
المثقفين والمناضلين السوريين في بيان أصدروه
يومها) واستمرت في مد وجزر لغاية الاجتياح
الاسرائيلي عام 1982. وبعد العام 1984، ونتيجة
التحالف السوري الايراني والصعود السياسي للقوى
الشيعية المسلحة، دارت حرب المخيمات ضد منظمة
التحرير وتحوّلت الميليشيات الشيعية حليف سوريا
الأول وصارت مقاومة إسرائيل حكراً على حزب الله.
وبعد اتفاق الطائف وتحديداً منذ العام 1991،
فُوّضت سوريا دولياً بإدارة لبنان، فأعمل نظامها
فيه بالتعاون مع قسم من الطبقة السياسية اللبنانية
فتكاً ونهباً وتدميراً للحريات والمؤسسات ونشراً
لثقافة المخابرات والقمع. واستمر ذلك رغم
المقاومات المعزولة لغاية تحرير الجنوب من
الاحتلال الاسرائيلي عام 2000 ووفاة الرئيس حافظ
الأسد وتفتّح ربيع دمشق وتشكل ديناميات معارضة في
لبنان واسعة الانتشار حفّزها انتهاك السوريين
الدستور اللبناني وتمديدهم لإميل لحود عام 2004
وفجّر انتفاضتها الاستقلالية اغتيال الرئيس رفيق
الحريري.
وقد شهدت هذه المرحلة أكثر من مبادرة مشتركة بين
مثقفين لبنانيين وسوريين، كما شهدت كتابات سورية
ولبنانية رصينة وشجاعة احتضنتها جريدة النهار
وملحقها الثقافي.
- مرحلة ثالثة مستمرة الى يومنا، استُهلّت بتحرير
لبنان من التسلط البعثي في 14 آذار 2005، وشهدت
هجوماً سورياً مضاداً بدأ مع اغتيال سمير قصير ثم
اغتيال المناضل جورج حاوي والنائب والصحفي جبران
تويني. وتجسّدت هذه المرحلة في محاولات نشر الفوضى
والتعدي على الحدود واللجوء الى حزب الله المرتبط
سلاحه بالمحور الايراني السوري لعرقلة بناء
الدولة.
وقال زياد ماجد إن "كماًَ من الاخطاء قد ارتكب في
إدارة الوضع الناشئ عن الانسحاب السوري، وفي تقدير
حجم المشاكل الداخلية". وقد قصّر الإصلاحيون
والعلمانيون اللبنانيون في عملهم للبدء بمعركة
التغيير الداخلية وفي طرح خطاب متكامل حول
العلاقات اللبنانية السورية.
ورأى أن التفكير بمستقبل العلاقات اللبنانية
السورية ينبغي أن يتأسس على مصالحة الشعبين بعد
الشحن الديماغوجي الذي دبّره نظام البعث وساهمت
بعض الخطابات الشعبوية اللبنانية في تغذيته،
والتفكير بالتكامل الاقتصادي والتنموي وبناء
الدولة الحديثة في البلدين ودعم الشعب الفلسطيني
وفقاً لإمكانيات مجتمعين ديمقراطيين.
واعتبر ماجد أن دون ذلك صعوبات عديدة نتيجة رفض
الحكم السوري الاعتراف باستقلال لبنان، وصعوبة
تجاور نظام استبدادي توسّعي مع نظام ديمقراطي
نسبياً، واحتمال ملاحقة التحقيق الدولي في اغتيال
الرئيس الحريري سادة دمشق، وإصرار الأخيرين على
اعتماد لبنان ساحة للتفاوض على مستقبلهم في الحكم.
وفي ختام مداخلته، دعا ماجد المثقفين في البلدين
الى المزيد من التعاون والتضامن دفاعاً عن الحرية
واقتداء بسمير قصير.
وفي
نهاية الندوة، دار نقاش وحوار وأعرب الحاضرون عن
تضامنهم مع معتقلي الرأي في سوريا وعن وفاءهم
لذكرى قصير وسائر شهداء الحرية والاستقلال. |