Beirut Letter/news/samir frangieh

 

السفير  27-03-2006

سمير فرنجية لـ"السفير": يجب توسيع أفق التحاور
حول الدولة المدنية انطلاقاً من "الطائف" وليس من الطوائف

سعد ك. كيوان

<<يضج>> البلد هذه الأيام بالحوار. هذه الكلمة <<السحرية>> التي اشاعت مناخا صحيا بعد جو الاحتقان السياسي والمذهبي الذي ساد في الأشهر الماضية. هذه الكلمة، التي تم استبدالها في زمن الوصاية السورية بعبارة <<فرق تسد>>، أدخلت شيئا من الانفراج وبعضا من الأمل وساهمت في استعادة لغة العقل. كما ساهمت الطاولة المستديرة التي <<صنعها>> رئيس المجلس النيابي في جلوس القيادات وجها الى وجه بعد ان كانوا يتراشقون عن بعد. تصارحوا وتساووا في <<القدر والقيمة>>.

بعد <<الانجازات التفاهمات>> التي تحققت على الطاولة، هل تتحول خلوات ساحة النجمة الى <<مسلسل حوارات>> على طريقة المسلسلات المكسيكية، أم أن <<معجزة ما>> ستحصل؟ حول كل هذه التساؤلات حاورت <<السفير>> النائب سمير فرنجيه الغائب الحاضر.

ما هو تقييمك أولا لهذه الجولات الحوارية؟

شهد الواقع السياسي صراعا وتجاذبات حادة على اثر التغيير المفاجئ الذي ادى الى خروج القوات السورية من لبنان، على خلفية انهاء مرحلة انتقالية هي بلا شك مفصلية من تاريخ لبنان الحديث. وضمن هذا السياق شكلت عملية الحوار محطة هامة تبدو صورتها لغاية الآن ايجابية بدءا من:

الاتفاق الذي حصل حول انشاء محكمة دولية ووضع حدا للسجال الذي كان قائما حول جدية أو عدم جدية التحقيق وما رافقه من كلام عن تسييس التحقيق.

الاتفاق حول مسألة السلاح الفلسطيني.

الاتفاق حول العلاقات اللبنانية السورية عبر ترسيم الحدود والتبادل الدبلوماسي، وهذا انجاز لا يستهان به خاصة وانها مسألة خلافية تعود الى عقود بين البلدين.

ربط سلاح المقاومة بتحرير مزارع شبعا وحل اشكالية اللبننة بالاتفاق مع الأمم المتحدة.

استحالة استمرار اميل لحود في قصر بعبدا.

وكل هذه البنود التي بلورها اللبنانيون انتقلت عمليا الى السياق العربي والمبادرات بدأت تتحرك بشأنها.

في أي سياق بات الحوار بعد هذه الايجابيات؟

الحوار مبني الآن على ثلاثة استحالات:

بقاء الوضع على ما هو عليه.

بقاء لبنان على تناقض مع المجتمع الدولي.

الخروج من الأزمة بدون توافق بين القوى الرئيسية.

لذلك، مطلوب استكماله في اتجاهين عبر تسمية الأمور باسمائها:

أولا، استقالة رئيس الجمهورية واعادة تشكيل السلطة التي كونتها سوريا وانهاء سلطة انتقالية قائمة على الازدواجية.

ثانيا، دور لبنان في المنطقة الذي تندرج تحته مسألة سلاح المقاومة وعلاقته بما يجري على الصعيد الاقليمي.

وفي ما يخص تكوين السلطة هناك منطقان، منطق <<الثنائيات الطائفية>> اي توافق طائفتين أو ثلاث في وجه الآخرين وهذا يؤدي حتما الى مأزق، وكذلك التوافق بين الطوائف كطوائف ما يجعل الدولة رهينة في كل لحظة. أما المنطق الآخر فهو منطق <<اتفاق الطائف>> الذي يبني شرعية الدولة على ارادة العيش المشترك وليس على التوافق الطوائفي. والفرق بين الاثنين واضح وشاسع، فدولة الطوائف يعني تقاسمها بين الطوائف أما دولة العيش المشترك فهي لا تلغي الطوائف ولكنها تتعاطى مباشرة مع كل اللبنانيين بصفتهم مواطنين. فلا يعود اللبناني عضوا في طائفة بل مواطنا، ويبقى للطوائف حرية ممارسة معتقداتها وحريتها كما هو وارد في الدستور. باختصار دولة العيش المشترك تؤمن ضمانات للطوائف وليس حقوق، أما دولة الطوائف فهي تعني حقوق الطوائف...

ألا يحتاج هذا المفهوم الأولي الى بلورة؟

ان تحالف الطوائف وقياداتها كممثلين شرعيين لطوائفهم هو لا شك خطير على تركيبة الدولة، ويقود عمليا الى منطق الكونفدرالية. أما منطق <<الطائف>> ينقلنا الى نظام ديموقراطي يربط بين الحقوق والواجبات من جهة، والى احترام التنوع الطائفي من جهة أخرى. انه منطق يقوم على البند الأساس أي المساواة.

أما البند الثاني للخروج من الأزمة...

ان دور لبنان في المنطقة يعني كيف نترجم مفهوم العيش المشترك على صعيد المنطقة التي أحدث سقوط نظام بغداد فيها ما أحدثه سقوط جدار برلين في اوروبا. نحن نعيش اليوم مخاضا نتيجة سعي اميركا لاعادة رسم الخارطة السياسية للمنطقة وسعي أطراف آخرى لابقاء الوضع كما كان عليه. المطلوب الخروج من هذه الازدواجية وابتكار طريق عربية نحو الحداثة والديموقراطية، أي الخروج من معادلة <<التخاطب الأميركي>> و<<التخاطب الأصولي>>.

وكيف يمكن الخروج من <<كماشة>> تحكم فكيها على كل مفاصل المنطقة؟

ان اساس الخروج من هذه <<الكماشة>> هو اطلاق البحث في عقد اجتماعي جديد، انطلاقا من <<الطائف>> الذي هو نص جيد ولكنه تعرض في الخمس عشرة سنة الى عملية خطف وتم التعامل معه وكأنه <<اتفاق ثلاثي>> بمنطق طائفي كأن لبنان يحتاج الى وصاية. اطلاق الحوار حول العقد الاجتماعي يعني اذا انطلاق الحوار حول الدولة المدنية على قاعدة التمييز بين حقوق المواطن والضمانات للجماعات. ويجب بالتالي استكمال البحث بالعمق لبلورة الحوار حول تأسيس للدولة على قواعد جديدة، حوار يفتح الباب أمام مشاركة شرائح المجتمع المدني كما هو حاصل اليوم في <<الهيئة الوطنية لقانون الانتخاب>> التي تضم فعاليات ورجال قانون ومثقفين. وعلى هذا الطراز تصبح مسالة استقالة رئيس الجمهورية هي استبدال نهج بنهج آخر...

هذا في الرؤية المستقبلية لبناء الدولة وفي الآني من الحوار...

لا شك ان أمورا رمزية مهمة تجسدت في لقاء سعد الحريري وحسن نصرالله في لحظة تشنج على المستويين الداخلي والخارجي. وثانيا، جرى نقل السجال الى حوار داخلي ومباشر بدون راع خارجي. وثالثا، الاختلافات الكثيرة لم تؤد الى افتراق وكان دور رئيس المجلس مهما في هذا المجال.

أما في نقاط الضعف فتكمن في وجود <<محاور>> غائب حاضر هو سوريا، التي تحاول من خلال البحث في انهاء المرحلة الانتقالية ردنا الى مرحلة ما قبل 26 نيسان 2005 ولا تزال تراهن على عامل الوقت وعلى الخلاف. ولذلك، يصبح ربما مطلوبا الأخذ بعين الاعتبار الجهود العربية...

واذا تعقدت الأمور وفشل الحوار؟

لا بد عندها من الأخذ بعين الاعتبار مسألة إنهاء ازدواجية السلطة، اي ان تتخلى <<قوى 14 آذار>> عن مسؤولية سلطة لا تملكها لأنها ستصبح عرضة لكم من الانتقادات هي غير مسؤولة عمليا عنها، وهي لم تعط امكانية ان تحكم. اذا فشل الحوار ستجبر على التخلي عن السلطة وهي لا تزال تدير وضعا انتقاليا، ولا شك ان ما يبذله رئيس الحكومة فؤاد السنيورة مهم ولكن ليس بامكانه حل المشاكل اذا لم تكن لديه سلطة فعلية.

يعني انك لست مرتاحا لاداء <<قوى 14 آذار>>؟

انها محاولة لتوسيع أفق الحوار واستشراف المستقبل عبر قراءة موضوعية لظروف هذه المرحلة الانتقالية، الا انني لست متشائما واعتقد انه ما زال هناك متسع من الوقت أمام الحوار.

كونك أحد اقطاب <<قوى 14 آذار>> كيف تقيم <<أخصامك>> في 8 آذار؟

انهم اليوم أمام واقع مختلف عما كان عليه في السابق. فدور بري مختلف وأساسي ومبادرة الحوار التي طرحها مهمة. أما <<حزب الله>> فهو اليوم أمام خيار من اثنين:

الأول، البقاء كما كان عليه قبل الانسحاب السوري. والثاني، اعادة تحديد اهدافه واستراتجيته على ضوء المستجدات. أن ما جرى على طاولة الحوار يشير ان <<حزب الله>> بدأ يتكيف مع المعطيات واذا استمر في ذلك فانه يصبح قادرا على لعب دور على الصعيدين اللبناني والعربي، في اطار ما بدأ يتشكل ويظهر بشكل أولي على الساحة العربية من <<تيار اصلاحي اسلامي>>.
ويشبه فرنجيه هذه الظاهرة بما حصل في اوروبا بعد الحرب العالمية الثانية: نشوء أحزاب ديموقراطية مسيحية شكلت سدا منيعا في وجه الفاشية. ففي لبنان هناك <<الجماعة الاسلامية>> التي تسعى لتشكيل رادع فعلي للتطرف في الساحة، وبروز هذا التيار لا يتعارض مع نمو تيار ليبرالي وتطور المنطقة مرتبط بنمو هذين التيارين...

وماذا عن <<التيار الوطني الحر>>؟

موقفه اليوم أسير مسألة الرئاسة، ولا بد ل<<التيار>> من العودة الى ما كان يطرحه قبل سبعة أشهر، أي الى الطرح الاصلاحي والخروج من الزاوية الطائفية بعد الانتخابات النيابية. و<<ورقة التفاهم>> تندرج في اطار التحالفات الثنائية الغاية منها تبرير تحالف قائم منذ فترة، وهي تعني فقط الطرفين.

ولكنها ليست بعيدة عما تم التوافق عليه على طاولة الحوار...

ان الخلاف الأساسي معها هو انها لم تستند ولم تأت على ذكر <<اتفاق الطائف>>، وهذا أمر مفصلي. في ما بعد قال أمين عام <<حزب الله>> ان <<الطائف>> سقط سهوا من الورقة. ولكن أحد معاوني العماد ميشال عون أكد علنا معارضته ل<<الطائف>>...

العالم العربي

عودة الى مراجعات الصحف