الولاء الجوهري والأهم
للمواطن في الدولة - الوطنية الحديثة يكون تجاه بلده
اساساً، وهو الولاء السياسي بالدرجة الاولى. وفي مجتمع
متعدد يمكن هذا الولاء السياسي ان يتعايش مع انواع
أخرى من الولاءات، ولنفرقها عن الولاء للوطـن سوف نطلق
عليها كلمة انتماء كما سبق واشرنا.
اذاً يمكن ان ينتمي
المواطن الى عائلة، مسجد او كنيسة او مذهب أو مجموعات
خاصة وتنظيمات سواء أكانت دينية أو سياسية واجتماعية
وحتى الانتماء لمؤسسات سياسية أو تنظيمات عالمية او
بديلة أخرى. وقد تقود كل واحدة من هذه الانتماءات الى
النزاع مع الولاء الوطني، ولكن ذلك لن يحصل بالضرورة
عندما تعطى الاولوية للولاء للوطن حصرياً. وعندما يفضل
أي ولاء آخر فهذا يعني خيانة للوطنن والخياة العظمى
الآن ليست سوى خيانة الوطن بالمعنى المعاصر المعطى له
كدولة - أمة أو دولة - وطنية.
لكن لا يزال مفهوم
الولاء في العالم العربي يختلط في الأذهان بأنواع
الولاءات الاقطاعية والدينية القديمة ولم يكتسب الولاء
للدولة - الوطنية كامل شرعيته أو لم يتم الاعتراف
الواعي به حتى الآن. هناك امبراطورية متوهّمة وخيالية
لا تزال تعيش في مخيلة القومي العربي والأصولي
الإسلامي تجعله لا يعترف بحدود الدولة – الوطنية التي
يعيش في كنفها ويحمل جواز سفرها فيستطيع ان يترك بلده
(الأردن، السعودية، مصر، الجزائر...) ويأتي الى العراق
أو لبنان لمقاتلة أبناء تلك البلدان من «الكفرة أو
الخونة» للدولة البان - عربية أو بان - إسلامية
الخيالية.
وليس أدل على ذلك من
الاشارة الدائمة الى قصور «النظام العربي» عن القيام
بدوره عند كل أزمة تعصف بدولة عربية ما، فيتحسر
المحللون عند اجتياح العراق لعدم تماسك هذا النظام
العربي الرسمي ولعجز الجامعة العربية التي تشكل الذراع
الاستراتيجية لهذا النظام. كذلك الامر عند اجتياح
إسرائيل للبنان في صيف 2006، وقف هذا النظام مرتبكا
حائراً وفشل في مساعدة أحد الدول الأعضاء.
وأن تعجز الجامعة
العربية عن معالجة موقف أوعقد قمة طارئة لمناقشة مسألة
الحرب. يعني أنّ النظام المخصّص لحماية أعضائه من
التهديدات الخارجية لم يعد فاعلاً. من الواضح أن قدرات
النظام العربي قد تدنت كثيرا عن توقّعاته. لا بل يمكن
القول إن التوقعات المنتظرة منه تعيق تأدية النظام
لعمله بشكل فعال طالما أن المطلوب موقف موحد جامع لكل
الدول المنتمية إليه دون التخلي عن فكرة «الإجماع»
العتيدة.
ومن هنا القصور الكلي
لعدم إمكانية حصول إجماع بين دول - وطنية متعددة وذات
مصالح متناقضة أحياناً؟! وهنا يجب الاعتراف بأنّ
التمنيات وحدها لا تكفي، ولا تـستـطيع، بناء نظام
إقليمي فاعل. ولا يمكن أن تحلّ الرّغبات في الإتحاد
والتمنى محل الواقعية التي تشكّل الجزء الأساسي لعمل
أي نظام إقليمي.
والمفارقة تتعلق
بالمعضلة التاريخية المرتبطة بإدراك العالم العربي
لذاته، وبالتصرف ضمناً وسراً على اساس مصالح الدول
الوطنية الضيقة، لكن في العلن تتم المطالبة باحترام
الموقف القومي والاجماع وخاصة عندما يتعلق الأمر بدول
ضعيفة أو أقل حجماً أو تعاني من انقسامات داخلية يتم
استغلالها.
لقد تبدل الكثير من
مفاهيم النظام العربي واهدافه منذ أن أنشئت الجامعة
العربية في العام 1945، ولم تعد الأحلام الامبراطورية
ممكنة في ظل الدول الوطنية القائمة وذات المصالح غير
المتجانسة على الاقل. والمثال على ذلك اتخاذ بعض الدول
العربية الكبيرة خلال الحرب على لبنان، مواقف أحدثت
صدمة للوهلة الأولى.
ولكن تلك المواقف
بالذات، مهما بدت غريبة، قد تشكّل نموذجاً لنظام عربي
جديد بحيث يحلّ العمل الفعلي والبراغماتي أخيرًا مكان
الزعامة الهائلة والقيادة الشمولية التي ميّزت النظام
العربي خلال الستين سنة الماضية والتي شكلت إعاقته في
نفس الوقت خاصة عند غياب قائد أو زعيم يتمتع بكاريزما
تجعله اقرب الى الديكتاتور منه إلى رئيس دولة.
من المفيد أن نرى ان
الواقعية العربية التي لا تغفل القوميات الصغرى
(مصرية، اردنية، مغربية، لبنانية، سورية، سعودية...)
ربما بدأت تحل محل التفاخر الجماعي. وإن مطلب الوحدة
العربية، الضروري حتى من الناحية البراغماتية، لا يمكن
تحقيقه إلا إذا أخذت مصالح الشعوب المنضوية في دول -
وطنية مستقلة بعين الاعتبـار في تطلعات الأنظمة. ولا
يمكن أن ينجح النظام العربي كعمل جماعي إلا إذا كان
يناسب تطلعات كل شعب، وليس رغبات القادة في التظاهر
والمزايدات من أجل بلوغ السلطة.
لذا التغيير المطلوب
لن يحصل سوى عبر الاعتراف بالدولة – الوطنية كإطار
نهائي وشرعي لجميع مكونات المجتمع. من هنا أهمية
معالجة أزمة الدولة - الوطنية اللبنانية من قبل النظام
العربي ومساعدتها على الاستقرار وحماية استقلالها
كخطوة أولى وكتمرين على إيجاد نظام عربي عصري وفاعل
يكون الخطوة الاولى نحو اتحاد - عربي حقيقي يحقق مصالح
الدول المنتمية إليه دون إجحاف أو غلبة أو انتهازية.