|
يوم اختار الرئيس الراحل اللواء
فؤاد شهاب إقرار قانون جديد للانتخاب عام 1960، لم يكن
فخامة الأمير يدري، ربّما، أن مفاعيل ذلك القانون
ستمتدّ حتى سنة 2008! لكنّ الأكيد أنه ذهب في اتجاهه،
يومها، في محاولة منه – ناجحة - لتأمين استقرار سياسي
بالحدّ الأدنى، بعد "ثورة" 1958 واصطفاف اللبنانيين
خلف متاريس متقابلة. يومها، ساهم قانون الانتخاب في
تشكيل طبقة سياسية نقلت نقاشاتها وصراعاتها وخلافاتها،
على حدّتها، إلى أروقة ساحة النجمة، وصولا إلى القاعة
الكبرى التي استمرّت تردّد صدى كلام ميشال شيحا في 5
آب 1953 عندما قال: "إن لبنان، وهو بلاد الأقليات
المتشاركة، لا يسعه التمتّع بخطّ مقبول من الصمود من
غير مجلس يكون محلّ لقاء واتحاد للطوائف تتوصل فيه إلى
ضبط الحياة السياسية للأمة سوية. فإذا أنت ألغيت هذا
المجلس أو أفسدت الثقة به، نقلت الجدال، حتما، إلى
المحراب أو إلى ظلّه".
أربع دورات انتخابية عامة بين 1960 و1972 خاضها
المرشحون على أساس القانون نفسه، في استقرار تشريعي
لافت لم يعرفه لبنان، لا قبل ولا بعد. أمّا القوانين
اللاحقة المتعاقبة، فحدّث ولا حرج، في انعدام المعيار
الواحد وذهولها الكامل عن القواعد الدنيا لحسن
التمثيل، وهو ما حمل رئيس مجلس النوّاب الأستاذ نبيه
برّي في أيلول 2000، بعد أسابيع قليلة من الانتخابات،
على القول، عن حقّ، إن أولى مهمات المجلس المنتخب
ينبغي أن تكون وضع قانون جديد للانتخاب. لكنّ الرياح
ذهبت بغير ما يرغب دولته، فتعذّر القانون وتعذّر
الإصلاح وقيل للبنانيين عام 2005 إن الانتخاب (بل
الاقتراع، على ما كان عليه الأمر) هو أهم من القانون.
وكان ما كان...
اللافت في كل هذه المشاهد المتلاحقة، أن اللبنانيين
اعتادوا مقاربة قانون الانتخاب من زاوية تقسيم الدوائر
ليس إلاّ، وهو ما بات يعرف بالتفصيل على المقصّ (أو
بالإنكليزية Gerrymandering، نسبةً الى المرشّح الذي
"اخترعه"). منذ قوانين الانتداب الانتخابية، مرورا
بقوانين جمهورية الاستقلال، وصولا إلى أشباه قوانين
انتخابات 1990-2005، بقي القاسم المشترك بينها غياب
الإصلاح واكتفاء المشترع بأداء دور الخيّاط، حتى يأتي
ما يلبسه المشترع نفسه على قياسه هو. حلقة مفرغة، تشاء
فيها تقنيات التشريع أن يكون "صانع القانون" هو نفسه
مستهلكه!
في 8/8/2005، وفي خطوة غير مسبوقة في تاريخ التشريع في
لبنان، قرّر مجلس الوزراء (وكان لا يزال مكتمل العقد
والأعضاء) أن يشكّل هيئة وطنية من 12 عضوا برئاسة
الوزير السابق فؤاد بطرس، مهمّتها "اقتراح سبل إصلاح
النظام الانتخابي في لبنان وفقا لما ورد في البيان
الوزاري للحكومة"، على ما جاء في قرار التشكيل الذي
ورد في حيثياته أيضا تعهّد الحكومة بدورها "إحالة
المشروع المناسب خلال شهر واحد بعد ذلك إلى مجلس
النوّاب ليأخذ مجراه القانوني عبر لجانه ولدى الهيئة
العامة". عملت الهيئة طوال تسعة أشهر لم تخلُ من
المطبّات، وأودعت مشروعها وتقريرا تفصيليا مرافقا له
مقام رئاسة الحكومة في 1/6/2006. ومنذ ذلك الحين، وحتى
إشعار آخر لا يبدو قريبا، غاب المشروع عن التداول في
أروقة مراكز القرار، فدخل دهاليز "لبننة" الاستحقاقات،
وبات يوصف، في نوادر ذكره، بأنه مشروع طموح وبأنه يصلح
لسويسرا! واقتصر الكلام الانتخابي، مرّة أخرى، على
تقسيم الدوائر فقط، وغابت عنه سلّة البنود الإصلاحية
التي اقترحها مشروع هيئة بطرس (كما يسمّونها الإفرنج).
فإذا كان تقسيم الدوائر سياسيا بامتياز ويعبّر عن حالة
اصطفافية باتت عضوية في الجسم اللبناني، فمن المؤسف
فعلا تغييب البنود الإصلاحية التي تضمّنها مشروع
الهيئة. هذه البنود ليست مطلبا فئويا جرت مراعاته، ولا
آليات انتقامية من فريق ضد آخر، بل إنها، بكل بساطة،
من أجل الناخب - المواطن بالدرجة الأولى، ولا بأس إذا
استفاد منها المرشّح، بالدرجة الثانية.
فلقد ضمّنت هيئة قانون الانتخاب مشروعها مجموعة من
الأفكار المعاصرة (ولا أقول العصرية) التي تدفع
العملية الانتخابية إلى شفافية أكبر وثقة أوسع وحرية
أفسح. أهمّ هذه الإصلاحات هي:
- اقتراح إضافة أحكام خاصة بالانتخابات إلى الدستور
اللبناني، كشرعة حقوق الناخب والمرشّح، وكذلك اقتراح
منع تعديل قانون الانتخاب خلال السنة التي تسبق
الانتخابات.
- إنشاء هيئة مستقلّة للانتخابات، تكون هيئة دائمة،
تحلّ محلّ وزارة الداخلية والبلديات وتريحها من عبء
الإعداد للانتخابات والإشراف عليها، وتعطي حيّزا أوسع
لحياد العملية الانتخابية.
- تنظيم المنافسة الانتخابية، بحيث تمّت ترجمة
المطالبة المزمنة بتنظيم الإعلام والإعلان الانتخابيين
وضبط النفقات، أحكاما واضحة وفعّالة، أخذت الهيئة في
وضعها أفضل المعايير الدولية وأنجح التجارب عبر
العالم، وكيّفتها مع السرية المصرفية في لبنان ومع
حرية الإعلام ومع ضرورات الثقافة المحلية.
- اقتراع غير المقيمين، وهو حقّ دستوري محتجز، لم تفعل
الهيئة سوى الإفراج عنه تشريعيا، بحيث جعلت في إمكان
اللبناني الذي لا يزال يحتفظ بجنسيته اللبنانية أن
ينتخب في محلّ إقامته وفقا لآليات واضحة لحظها
المشروع.
- فرض الكوتا النسائية على مستوى الترشيح وليس على
مستوى المقاعد.
- خفض سن الاقتراع إلى 18 سنة (وهو يتطلّب تعديلا
دستوريا).
- مكننة العملية الانتخابية برمّتها، وفرض إجراء
الانتخابات في يوم واحد على جميع الأراضي اللبنانية،
وغيرها من الإصلاحات التي لا مجال للتوسّع في ذكرها
هنا.
المهمّ أن كل هذه العناوين تبدو غائبة كليا عن الكلام
الانتخابي، بل التقاذف الانتخابي. والخشية في ذلك، في
حال حصول التوافق السياسي (وليته يحصل البارحة قبل
الغد)، أن تسقط سلّة الإصلاحات في مهبّ اللحظة
السياسية، فيسقط معها حق المواطن - الناخب في قانون
انتخابات لا يشبه تعاسة أيامنا أو محدودية خطابنا، ما
لم تأخذ القوى السياسية التغييرية على عاتقها دعم سلّة
البنود الإصلاحية التي لا يقلّ تأثيرها في نتائج
الانتخابات عن 50 في المئة!
للمرّة الأولى في تاريخ مشروع جمهوريتنا، تتم مقاربة
قانون الانتخاب من زاوية الناخب لا المرشّح،
بالأولوية. وللمرّة الأولى في تاريخ مشروع دولتنا،
يتناول التشريع الانتخابي إصلاحا متكاملا. وللمرّة
الأولى في تاريخ مشروع حلمنا، ينظر المواطن إلى قانون
الانتخاب، فيرى جديداً، ربّما أنبأ بتجديد وتجدّد.
وللمرّة المليون في تعاسة جمهوريتنا ودولتنا وكابوسنا،
يسقط الأمل على أبواب تغيير موعود، يحرم منه
اللبنانيون على وقع أنشودة "لا صوت يعلو فوق صوت
المعركة"... هكذا يسقط قانون الانتخاب، بل هكذا يتمّ
إسقاطه!
(عضو الهيئة الوطنية لقانون الانتخاب) |