النهار 01-03-2008


منطق نسبي يوسع دائرة التمثيل
فاديا كيوان

جاء في اتفاق الطائف وفي إطار الإصلاحات التي التزم أهل الوفاق الوطني تنفيذها أن يجري وضع قانون انتخابي جديد يضمن التمثيل العادل لمختلف فئات الشعب اللبناني وذلك بعد إعادة النظر في التنظيم الإداري الحالي. جاءت هذه الصيغة لتتوج المفاوضات التي أجراها النواب اللبنانيون لإنهاء الحرب وإعادة تأسيس أكثر صلابة للحياة الوطنية. ومعلوم أن مآخذ عديدة كانت متداولة حول قانون الانتخاب المعتمد حتى ذلك التاريخ، ومن هذه المآخذ أن قانون الانتخاب غير عادل ولا يضمن صحة التمثيل لمختلف الفئات اللبنانية ولمختلف المناطق اللبنانية.
تجدر الإشارة كذلك إلى أن اجتماعات الطائف تركزت أيضاً على معالجة أسباب الفتنة وقرّ الرأي على ضرورة توحيد كتابي التنشئة الوطنية والتربية المدنية والتاريخ بهدف تعزيز الوحدة الوطنية.
وتضمن اتفاق الطائف فقرات عدة تعكس هاجس الوحدة الوطنية و" الانصهار " بين اللبنانيين. كذلك فتح نافذة على موضوع إلغاء الطائفية عبر تشكيل هيئة وطنية للبحث في الوسائل والآليات الآيلة إلى ذلك.
ماذا تعني إمكانية عقد صفقة بين الفريقين المتخاصمين اليوم أي الموالاة والمعارضة، حول اعتماد القضاء دائرة انتخابية؟ وما هو بدءاً وضع القضاء اليوم؟ يجب أن نبدأ بالإجابة على هذا السؤال.
ينقسم لبنان اليوم بحسب قانون التنظيم الإداري للعام 1960 إلى 26 قضاء موزعة على 5 محافظات في الأصل، لكن عدد المحافظات ارتفع لاحقاً بعد فصل بعض الجنوب عن محافظة الجنوب وإنشاء محافظة النبطية، وفي ما بعد فصل بعض البقاع وإنشاء محافظة البقاع الشمالي وفصل عكار وإنشاء محافظة عكار.
الاقضية الحالية تتوزع بين أقضية صغيرة فيها مقعدان نيابيان وأقضية متوسطة فيها 4 إلى 5 مقاعد واقضية كبيرة فيها بين 8 و10 مقاعد، أما مدينة بيروت فاعتبرت محافظة واحدة من دون تقسيم إلى أقضية (نشكر الله على ذلك على أية حال). تصاعدت الشكاوى من هذا التنظيم الإداري بالارتكاز الى خمس حجج رئيسية:
1)
غياب العدالة بين المواطنين: فهناك مواطن ينتخب نائب وآخر ينتخب 19 نائباً أو عشرة أو ثمانية نواب.
2)
غياب العدالة بين المرشحين: فهناك مرشحون يواجهون كتلة ناخبة من خمسين ألفاً وآخرون يواجهون كتلة ناخبة تزيد عن المئتي ألف ناخب مع ما يرتب ذلك من أعباء عملية ومالية على وجه الخصوص.
3)
بعض الاقضية مقفل مذهبياً أي انه يشمل كتلة ناخبة ومقاعد نيابية من مذهب ديني واحد.
4)
بعض الاقضية مختلط لكن الاختلاط فيه غير متوازن وبالنظر إلى الاتجاهات الطائفية بل المذهبية السائدة فإن الكتلة الناخبة التي تنتمي إلى الطائفة أو المذهب الأكثر عدداً في القضاء هي التي تختار كل نواب الدائرة بمن فيهم هؤلاء الذين ينتمون إلى مذاهب أو طوائف أخرى في حين قد يكون الناخبون من طوائفهم أو مذاهبهم في مقلب سياسي آخر وهو ما يعرف بطغيان الأكثرية العددية.
5)
أما النظام الاكثري المعتمد فيساهم بدوره، في حجم كهذا متفاوت للدوائر، في تراجع التمثيل الصحيح للمواطنين. فمن المعلوم أن النظام الاكثري العادي يعطي الفوز للذي يحصل على اكبر عدد من الأصوات لكن هذا العدد الأكبر هو نسبي وقد يكون ضئيلاً فيبقى القسم الأكبر للرأي العام في الدائرة غير ممثل (قد ينال مرشحان متنافسان 20% و18% في الأصوات و10% و9% من أصوات الناخبين في الأصل، مع نسبة اقتراع متوسطة هي 50%. فيكون النائب محمولاً من قبل عشرة في المئة من الناخبين لتمثيل كل المواطنين ويرسب آخر حصل على 9%...).
من البديهي القول إن الخلل يزيد تدريجاً مع اتساع حجم الدائرة التي كما قلنا تراوح بين المقعدين و50 ألف ناخب و19 مقعداً ومئات الألوف من الناخبين.
من باب الصدق مع المواطنين، علينا أن نضيف حجتين اثنتين في معرض تعداد المآخذ على هذا التقسيم الإداري وبخاصة على هذا النظام الانتخابي أي النظام الاكثري وهما:
1)
أن هذا التقسيم الإداري المعتمد لتوزيع الدوائر الانتخابية استنسابي وغير عادل وهو مبني أصلاً على اعتبارات سياسية ضيقة مثل ترسيم حدود قضاء بحسب زعامة معينة أو للنيل من زعامة أخرى أو لضمان فوز فلان وإقصاء علاّن الخ...
2)
أن النظام الانتخابي الاكثري يعزز عادة سيئة عند اللبنانيين وهي تلك القائمة على الاتجاه للطغيان وإلغاء الرأي الآخر.
يقابل هذا المنطق منطق التمثيل النسبي الذي يعطي كل فريق حقه وفي الوقت نفسه يوسع دائرة التمثيل لتشمل عدداً اكبر من اتجاهات الرأي.
من شأن هذا المنطق النسبي الجديد في تقاليدنا السياسية اللبنانية أن يعزز فرص المعارضة المحلية في كل دائرة للدخول إلى الندوة النيابية وكذلك يعزز من فرص تشكيل تحالف معارض على المستوى الوطني.
نحن نفهم ألا يقبل كل فريق سياسي بأن يكون هناك فسحة ولو صغيرة لتجسيد الرأي الآخر في قضائه بل في طائفته بل في مذهبه. لكن أين نحن من أساس الديموقراطية وهو القبول بالتعددية السياسية وبالرأي الآخر وبقاعدة تداول السلطة؟!
اللهم إلا إذا كنا نفهم الديموقراطية في لبنان على أنها تجسد فقط التعددية الطائفية والمذهبية على أن تكون كل طائفة أو مذهب " قطيعاً " متجانساً مصطفاً وراء راعٍ...
في الواقع، تجاوز المجتمع المدني اللبناني وحتى المجتمع السياسي اللبناني واقع الاصطفاف الطائفي أو المذهبي الأعمى. وهنا انحني أمام ذكرى ثلاثة من كبار قومنا حاولوا اختراق مبدأ التجانس المذهبي وهم الإمام موسى الصدر والأستاذ كمال جنبلاط والعميد ريمون اده، وكانت شعبية كل منهم تخترق فعلاً حدود طائفته.
هل نريد مجتمعاً سياسياً متعدد مذهبياً وطائفياً فقط أم نريد تعزيز واقع المجتمع المتعدد سياسياً؟
 
هل نريد مجتمعاً سياسياً يطغى فيه الرابح أياً كانت نسبة ربحه ويأخذ كل شيء ويقصى الرأي الآخر ويلغي وجوده على الخريطة السياسية؟
هل نريد مجتمعاً سياسياً ائتلافياً يجتمع فيه القادة على أن كلاً منهم وراءه طائفته أو مذهبه أم نريد مجتمعاً سياسياً متنوعاً بالفعل أي انه يحتضن آراء مختلفة فتتشكل التحالفات السياسية مخترقةً الطوائف والمذاهب على قاعدة برامج سياسية وطنية؟!
خلاصة القول إن قانون الانتخاب هو موضوع مفصلي بالتأكيد في أي حلٍ سياسي في لبنان لكنه أيضاً مدخل لتطوير حياتنا السياسية فيكون بالفعل لبنان رائداً عبر تاريخه السياسي المعاصر من حيث يكون قد حوّل التعددية الطائفية إلى تعددية سياسية. بهذه الطريقة، وبهذه الطريقة وحدها يترجم لبنان الكيان رسالته في هذا الشرق وفي العالم.
فهل نقفز فوق اتفاق الطائف ونقفز فوق فرصة تطوير حياتنا السياسية انسجاماً مع تطلعات المجتمع المدني في لبنان ومع انتظارات شبابنا وأجيالنا الطالعة ونعقد صفقة سياسية ضيقة تضمن لكل منا بعض المقاعد اليوم ونخسر فيها جميعاً فرصة لتعزيز الديموقراطية في أداء نظامنا السياسي؟    
(
مديرة معهد العلوم السياسية في الجامعة اليسوعية)

       قـضـايـا