|
في وقت يزداد فيه قلق
اللبنانيّين على مصيرهم في ضوء الأزمة القائمة، عاد
الكلام السياسيّ والأكاديميّ
على ضرورة البحث عن صيغة جديدة للبنان، أو عن طائف
جديد، بغية الخروج من الأزمة.
وما هذا الكلام إلاّ دلالة على عدم كفاية اتّفاق
الطائف في التأسيس لدولة لبنان
الجديد. ولكن ما هي مداخل تلك الصيغة المبتغاة؟ لا شكّ
في أنّ اعتبار مواضع الضعف
في اتّفاق الطائف نفسه يمثّل مدخلا للإجابة عن هذا
السؤال.
يشدّد الاتّفاق في
مبادئه العامّة على سيادة لبنان وحريّته واستقلاله
ووحدته. ففضلا عن كونه بلد
"العيش
المشترك"، فأرضه "أرض واحدة لكلّ اللبنانيّين، فلكلّ
لبنانيّ الحقّ في
الإقامة على أيّ جزء منها والتمتع به في ظلّ سيادة
القانون، فلا فرز للشعب على أساس
أيّ انتماء كان، ولا تجزئة ولا تقسيم ولا توطين". وهذا
يعني رفضا لكلّ شكل من أشكال
الفيديراليّة أو الكونفيديراليّة أو الكانتونات.
ومن
ثمّ يأتي التأكيد على
هويّة لبنان العربيّة وانتماءه العربيّ، ضمن حدوده
التي ينصّ عليها الدستور
والمعترف بها دوليّا. وبالتالي، لن يُضمّ لبنان ولا
أيّ قسم منه إلى أيّ كيان آخر.
غير أنّ الفصل الرابع من الاتّفاق، وعنوانه "العلاقات
اللبنانيّة السوريّة"، يربط
على نحو غير مباشر بين عروبة لبنان وعلاقته الوطيدة
بسوريا. فقد نصّ الاتّفاق على
أنّ "لبنان الذي هو عربيّ الانتماء والهويّة، تربطه
علاقات أخويّة صادقة بجميع
الدول العربيّة، وتقوم بينه وبين سوريا علاقات مميّزة
تستمدّ قوّتها من جذور القربى
والتاريخ والمصالح الأخويّة المشتركة". وبالتالي، تبدو
عروبة لبنان مرتبطة
بالعلاقات المميّزة مع سوريا، وهي علاقات تجسّدها،
وفقا للاتفاق، اتّفاقات ثنائيّة
"في
شتّى المجالات"، وهذا ما بدأ تطبيقه فعلا مع معاهدة
الأخوّة والتعاون بين
البلدين الموقّعة في 22 أيّار 1991، والتي ذهبت إلى
حدّ تأسيس لجنة تضمّ السلطات
العليا في البلدين، كما تمّ توقيع اتّفاق دفاعيّ
وأمنيّ في 1 أيلول من العام
نفسه.
ولا
حاجة إلى القول بأنّه على الرغم من خروج القوّات
السوريّة من لبنان
وأزمة العلاقات بين البلدين منذ اغتيال الرئيس
الحريريّ، فإنّ مسألة العلاقات
الخاصّة كما برزت في الطائف ستطرح عاجلا أم آجلا. فإنّ
سوريا، كما يقول جوزيف مايلا
(Les Cahiers de l’Orient, 16 -17 n°s , pp.135 -
217)،
أصبحت، بحسب الاتّفاق، أحد
موضوعات التفاهم التي يجب أن يُبنى عليها لبنان الغد.
وبكلام
آخر، أصبحت
العلاقات مع سوريا في صميم اتّفاق الطائف الذي أصبح
جزءا لا يتجزّأ من الدستور
اللبنانيّ، وهذه مسألة لا تعني لبنان وسوريا بصفتهما
دولتين مستقلّتين فحسب، بل
تنعكس على الساحة اللبنانيّة أيضا، ذلك بأنّ
اللبنانيّين لم يتوصّلوا بعد إلى تفاهم
مشترك حول علاقتهم بسوريا.
إضافة إلى هذا التفسير، فإنّ عروبة لبنان تتّصل في
نهاية الأمر بالمعنى الذي يضفيه عليها كلّ مكوّن من
مكوّنات المجتمع اللبنانيّ،
وبالتالي نجد أنفسنا مرّة أخرى أمام إشكاليّة ليست
بالجديدة. فتاريخ لبنان الحديث
يبيّن صعوبة انتهاج سياسة لبنانيّة واضحة إزاء المحيط
العربيّ وظروفه المتغيّرة
سياسيّا واقتصاديّا وثقافيّا، فهل هي سياسة حياد أم
تضامن أم تحالف؟ وما مسألة
تحرير الجنوب اللبنانيّ، التي ينصّ عليها الاتّفاق،
إلاّ مثل عن هذه الإشكاليّة.
فالطائف يقول بضرورة "العمل على تنفيذ القرار 425
وسائر قرارات مجلس الأمن الدوليّ
القاضية بإزالة الاحتلال الإسرائيليّ إزالة شاملة"،
و"بالتمسك باتفاقيّة الهدنة
الموقعة في 23 آذار 1949"، وهذا تحقّق عمليّا، تبعا
للأمم المتّحدة، مع انسحاب
الجيش الإسرائيليّ في أيّار 2000. غير أنّ حالة الحرب
مستمرّة مع إسرائيل، علامة
على ارتباط لبنان بمحاور إقليميّة. وأخيرا، يبقى عامل
الدين أساسيّا في البُعد
العروبيّ، الأمر الذي أثار ويثير حفيظة الطوائف غير
الإسلاميّة.
أمّا في ما يخصّ
الإصلاحات في الاتّفاق، فجوهرها يدور حول مسألتين
رئيسيّتين: توزيع السلطات وإلغاء
الطائفيّة السياسيّة. بالنسبة إلى المسألة الأولى،
اتّصل الأمر أساسا بتقليل
الصلاحيّات الاستثنائيّة الهائلة التي كان يتمتّع بها
رئيس الجمهوريّة، وإسناد
بعضها إلى رئيس مجلس الوزراء، ومجلس الوزراء مجتمعا،
ورئيس مجلس النوّاب. غير أنّ
هذه التعديلات لم يكن الهدف منها تسهيل آليّة الحكم
وتأمينها انطلاقا من المبدأ
القائل بأنّ عمل المؤسّسات عملا جيّدا يفترض ألاّ
تتجمّع السلطات بمرجعيّة واحدة،
بل توزيع السلطات على أساس طائفيّ.
لذا،
فالإصلاحات أدّت إلى تكريس المنطق
الطائفيّ في الحكم وما يعنيه من محاصصة وإضعاف لعمل
المؤسّسات، ومن هنا بروز ظاهرة
"الترويكا".
ولا شكّ في أنّ تفاهم الرؤساء الثلاثة بصفتهم أفرادا
قد أفقد المؤسّسات
أهميّتها، وهذه نتيجة معاكسة لما قُصد به في الطائف:
أن يحلّ حكم المؤسّسات محل حكم
الفرد. لقد أصبح عمل مجلس الوزراء وعمل مجلس النواب أو
شللهما متوّقفين على تفاهم
الرؤساء الثلاثة أو اختلافهم، وبالتالي تصبح البلاد
عرضة للفوضى السياسيّة
والاقتصاديّة، بل ولاستفحال الأزمات الطائفيّة، وتصبح
الحاجة إلى "تحكيم خارجيّ"
شبه إلزاميّة لتسوية الأزمات.
أمّا عن إلغاء الطائفيّة السياسيّة، فالكلام عليها
يصبح عقيما في ضوء التعديلات الدستوريّة وتكريس المنطق
الطائفيّ في المؤسّسات. وفي
الواقع، يمثّل هذا الموضوع، كما يقول جوزيف مايلا،
أوتوبيا خاصّة بالمجتمع
اللبنانيّ، وهي أوتوبيا تعكس، في العمق، حاجة إلى
الانصهار في مجتمع واحد، تبقى
الطريق إليه مفقودة. وفضلا عن ذلك، فإنّ الوهن الذي
أصاب عمل المؤسّسات للأسباب
التي ذكرت أعلاه ساهم في تعزيز الانتماء الطائفيّ، إذ
برزت الطائفة لا مرجعا وملجأ
فحسب، بل مقولبة نهائيّة لهويّة الفرد.
يشير غسّان سلامة
(The Beirut Review, n°2, 1991,pp. 54-59)
عن حقّ إلى أنّ اتّفاق الطائف يؤلّف صيغة للخروج من
حالة
الحرب، ولكنّه لا يوفّر الأساس الكافي لبنيان السلام.
وفي الواقع، إذا كانت العوامل
التي أدّت إلى انفجار لبنان في العام 1975 تعود إلى
عدم كفاية ميثاق 1943 في مواجهة
التغييرات الاجتماعيّة والديموغرافيّة والاقتصاديّة
والسياسيّة المحليّة
والمستجدّات الإقليميّة، فما الجديد الذي يقدّمه
اتّفاق الطائف في هذا الخصوص؟ إنّ
فلسفة هذا الاتّفاق في ما يخصّ التمثيل الطائفيّ
والمصالحة والتفاهم بين الطوائف
مماثلة لفلسفة ميثاق 1943، وما جديدها إلاّ تعزيز
متطرّف للجماعات الطائفيّة، ونظام
حكم أكثر وهنا، وعلاقة مميّزة مع سوريا تطرح أكثر من
سؤال حول سيادة لبنان
الفعليّة، وخضوع متزايد للمشاكل الإقليميّة.
وفضلا عن ذلك، فإنّ اتّفاق الطائف،
شأنه شأن ميثاق 1943، لم يلقَ إجماع كلّ الفاعلين على
الساحة الداخليّة، وما كانت
الموافقة عليه إلاّ بدافع الضرورة، لا نتيجة خيار حرّ.
فإنّه، في النهاية، تسوية
الحدّ الأدنى للخروج من الأزمة وتحاشي الأسوأ. لذا،
فهو، كما كان حال الميثاق، عرضة
لتفسيرات متناقضة من قبل الفرقاء، وما نعيشه الآن من
جدل حول شرعيّة وميثاقيّة
حكومة الرئيس فؤاد السنيورة أو عدمها خير برهان عن
ذلك. غير أنّ بعد الاتّفاق
الإيجابيّ يكمن
في التعبير عن الرغبة الحقيقيّة في التعايش، وهي رغبة
تبقى في حاجة
إلى وسيلة تؤمّن عبورها من حالة تعايش طوائف إلى حالة
انصهار وطنيّ. ولكنّ هذا
العبور يبدو مشروطا بالقدرة على صياغة مفهوم واضح
وجامع لهويّة وطنيّة يتجاوز
الهويّات الطائفيّة التي لا تتنتج إلاّ ما سمّاه مايلا
(Perspectives et réalités du Liban, 1991, pp. 9-58)
"وطنيّة
توافقيّة" تنتهي بالبحث عن مصالح خاصّة وطائفيّة
مفتوحة على الاستغلال الداخليّ والخارجيّ على السواء.
ما الحلّ؟ ثمّة إجماع
لبنانيّ ازداد ويزداد ترسّخا على خصوصيّة لبنان بصفته
بلدا تعدديّا، وعلى نظامه
الديموقراطيّ البرلمانيّ، وعلى تواصله مع محيطه
العربيّ وقضاياه، وانفتاحه على
العالم. غير أنّ المشكلة هي في تحديد المقاييس التي
على أساسها يمكن تحديد خصوصيّة
لبنان من حيث نظامه وثقافته من جهة، وهويّته العربيّة
وتضامنه مع قضايا العالم
العربيّ من جهة ثانية. وفي ظلّ غياب تلك المقاييس،
سيبقى الصراع على السلطة، الذي
يسخّر في الغالب لمصالح شخصيّة وفئويّة ضيّقة، لا
طائفيّة فقط، سبب توتّر داخليّ
وعاملا يطبع كلّ اتّفاق وطنيّ بالضعف. وفي الواقع،
فإنّ الحلول التي اقتُرحت منذ
اتّفاق 17 أيّار 1983 وحتّى اتّفاق الطائف في العام
1989، لم تولِ اهتماما لتلك
المقاييس التي ترتبط ارتباطا وثيقا بالانقسامات
الداخليّة التي، كما يقول سمير
خلف(Civil
and Uncivil Violence in Lebanon,2002)،
ناتجة من هوّة ثقافيّة عميقة
متأصّلة في الولاءات الطائفيّة وغيرها من الولاءات
البدائيّة. ولا عجب إذ ذاك أن
تصبح السلطة في نظر كلّ فريق بمثابة ضمانة مصيريّة لا
يمكن التهاون في شأنها. فهل
سيسمح السياسيّون لأهل الاختصاص بأن يضطلعوا بدورهم
الوطنيّ، ويحدّدوا المقاييس
الوطنيّة من أجل لبنان الغد؟
|