|
حين تتأمل في أحداث الواقع الراهن لبنانياً، تستوقفك
تساؤلات عدة عن مآل هذا الوطن، في أية خانة يُصنّف؟ هل
هو مجتمع: متجانس ام تعددي ام فسيفسائي؟ كيف يمكن ان
ننظر الى ابناء هذا المجتمع؟ هل هم متنافرون،
متعايشون، على حالة من التقارب او النفور والابتعاد؟
تدور التصورات السوسيولوجية عن العمليات الاجتماعية
التي تتضمنها التفرقة الاثنية في صور عدة ابرزها:
التمركز الاثني وانغلاق الجماعة. تشير الصورة الاولى
الى التوجس والشك تجاه الاجانب مقروناً بالميل الى
تقويم ثقافة الآخر بمعايير ترتكز على ثقافة الجماعة
الاولى نفسها، يشوبها في احيان كثيرة "التفكير
التنميطي" والنظر الى الآخرين المختلفين باعتبارهم
غرباء / منحطين اخلاقياً / متخلفين... (ومثل هذا
التصور ادى مصادمات اثنية لا حصر لها عبر التاريخ).
اما عن الصورة الثانية فيه تشير الى محافظة الجماعة
الاثنية على الحدود الفاصلة بينها وبين الآخرين. ويجري
تشكيل هذه الحدود من طريق وسائل اقصائية تحدد وترسخ
حواجز الفصل بين مجموعة اثنية واخرى (كحظر التزاوج بين
الجماعات المختلفة ديناً ومذهباً مثلا).
وهكذا تأخذ كل جماعة اثنية بالحفاظ على "مسافة" دون ان
تقوم احداهما بمحاولة فرض سيطرتها على الاخرى. "وقد
تراوح العلاقة القائمة – في مواضع معينة – بين
الانصهار والانفصال من خلال درجة ما تطمح اليه في
علاقتها بالجماعات الاثنية الاخرى التي تعيش واياها في
نفس المجتمع السياسي. وفي التاريخ الحديث توجد امثلة
عديدة للحركات الاندماجية بين الجماعات الاثنية بحيث
تؤدي الى انبثاق وحدة متجانسة (ويعتبر) لبنان من
الامثلة لتلك المحاولات"(1).
واذا ما اردنا ان نصف العلاقات القائمة بين الجماعات
التي يتكون منها المجتمع فإننا يمكن ان نصنفها من حيث
درجة انصهارها بحسب مجموعة من السياقات الاجتماعية.
وهي: النزاع، التعايش والانصهار، "ويمكن اعتبار لبنان
مؤلفاً من عدة جماعات طائفية تشدد على هوياتها الخاصة
على حساب الهوية اللبنانية وتتمتع فيه بعض الجماعات
بامتيازات سياسية واقتصادية واجتماعية دون الجماعات
الاخرى، او على حسابها، وقد انبثق عن هذا الحال تمسك
الجماعات المختلفة بهوياتها الخاصة بدل ان تتحرر منها،
وبسبب هذا الوضع ظل المجتمع اللبناني مجتمعاً
فسيفسائياً يراوح بين التعايش والنزاع"(2).
ازاء هذه الافتراضات اين الجماعات اللبنانية على كل
تلاوينها الطائفية اليوم؟ هل هي على شيء من التجانس ام
على شيء من المراوحة بين التعايش والنزاع؟ هل عوامل
التنافر هي السائدة ام عوامل الانسجام؟ اين مكامن
الالتقاء واين مواطن النفور؟ متى يقترب فعلياً
اللبناني من الآخر الذي يختلف عنه ديناً ومتى يبتعد؟
للاجابة عن هذه التساؤلات كان لا بد من مقاربتها
واقعياً وفق تقنيات استطلاع وبحث، فوجدنا انسبها "سلم
المسافة الاجتماعية" لبوغارديس (Bogardus) الذي وضعه
لقياس المواقف (باعتبار ان الموقف يختلف عن الرأي لانه
يعكس مستوى اعمق للشخصية ويمثل حضوراً ذهنياً افعل في
غالب الاحيان) في هذا القياس تطرح الاسئلة بشكل يتناسب
وحياة الاشخاص المستجوبين، عندما نضعهم امام جملة
خيارات وعليهم تحديد موقع يناسبهم على سلم مُعد
سابقاً.
ويرى بعض الباحثين في دراسات علم النفس الاجتماعي
اهمية هذه التقنية في قياس المواقف المتعصبة والوطنية
ولقياس المسافات القائمة بين الافراد او الجماعات،
بحيث يُظهر الخيار المشار اليه على السلم، موقف الفرد
الفعلي تجاه شخص آخر يختلف عنه بالعقيدة او اللون او
العرق او البلد. وقد افترض بوغارديس في ذلك سبع
استجابات متدرجة على مقياس من سبعة اختيارات، تمثل
العبارة الاولى (الزواج) اقصى درجات التقارب الاجتماعي
والعبارة السابعة (الاستبعاد) تمثل اقصى درجات التباعد
الاجتماعي، وبينها خيارات تشير الى مواقف ممكنة مثل
الصداقة / الزمالة/ المصلحة/ المواطنة.
المقاربة الميدانية
تمت المقاربة كاختبار ميداني لمقرر دراسي على مرحلتين
زمنيتين (2002/2007)، بحيث استطلعت مجموعة من طالبات
قسم الاشراف – الصحي الاجتماعي (الجامعة اللبنانية)
رأي ابناء الطوائف اللبنانية المختلفة، وقد اختيرت
محافظة البقاع كواحدة من المناطق اللبنانية الغنية
بالتنوع الطائفي / المذهبي (موارنة، سنة، دروز، شيعة،
ارثوذكس، كاثوليك). وضمن كل مذهب استُجوبت فئات مختلفة
عمراً وجنساً وتخصصاً وعلماً ومهنة ومنطقة (البقاع
الغربي، راشيا، الهرمل، بعلبك، زحلة، البقاع الاوسط).
وكان على المستجوبين ان يحددوا خياراً واحداً على
المقياس الاجتماعي المقدم عبر سؤال رئيسي يشتمل على
قائمة محددة تدرّجت خياراتها على سبعة مواقف، يمثل
الرقم (1) اكثرها "قرباً" من الآخر والرقم (7) اكثرها
"بعداً" وفق التالي:
اولا: حدد موقفك تجاه الآخر الطائفي بخيار واحد فقط من
الخيارات المدرجة:
1) اقبل الزواج منه،
2) اقبل صداقته،
3) اقبله جاراً لي.
4) اقبل ان اتشارك واياه زمالة او العمل،
5) اقبل ان اتعاون واياه،
6) اقبله واحداً من المواطنين في محيطي،
7) أقبل استبعاده من المحيط / الوسط الذي اعيش فيه.
8) في معطيات الاستطلاع الاول (2002)
أظهر الواقع الميداني اختلافاً في الاختيارات تمثلت
اكثرها ايجابية مع مواقف المرونة الاجتماعية واقلها
سلبية في مواقف التصلب الاجتماعي، فالمرونة (التقارب
او التماثل) بدت واضحة في اكثر من مكان بمؤشرات عديدة
مع عبارات: الزواج، الصداقة الحميمة، الزمالة القوية
في العمل، الصحبة في الجامعة، الخ...) اما درجات
التصلب الاجتماعي فقد بدت الاخرى في مواضع: التجنب
والابتعاد لعدم الانسجام، رفض وجوده في المحيط
المجاور، عدم التعاون... كما هو مبين في الجدول (1):
وفي قراءة أولية لنتائج هذه المعطيات يتبين ان الذين
اختاروا من 1 الى 3 (ونسبتهم 78% عند المسلمين 54% عند
المسيحيين) يرجع ما اختاروه الى ما يتمتعون به من
عوامل مثل: القدرة على الاندماج، التفهم، تقدير مشاعر
وافكار الآخرين، التي تعتبر بدورها من الشروط اللازمة
لاقامة علاقة اجتماعية ناجحة تتسم بالمودة والتدعيم
المتبادل نتيجة الادراك الصحيح لرغبات الآخر من خلال
مجالات لاحظها فريق العمل. وهي تتجلى في مواقف ابرزها:
معدل مرتفع للاتصال اليومي بين الآنا والآخر، الحفاظ
على مسافة مناسبة من الاحترام لابقاء العلاقات في
مسارها الودود والرغبة في معرفة كل منهما عن الآخر
معلومات تتعلق به (كرقم تلفونه، عنوانه، يوم ميلاده،
افراد عائلته، وتقاليده، مناسباته، او معرفة هواياته
وتفضيلاته وخصاله الخاصة (الاشياء التي تسعده او
تضايقه كي تكون محطة تقرّب واهداء).
هذه المجالات/ الدلالات من شأنها ان تحدد مهارات
اجتماعية متنوعة: كالمشاركة Social Participation،
التعاون Cooperation، المساندة Validation، واظهار
الاهتمام متى حضر والسؤال عنه متى افتقد. اما عن الذين
اختاروا من 4 الى 6 (ونسبتهم 22% عند المسلمين و46%
عند المسيحيين) فيمكن تبرير اختياراتهم انطلاقاً من
مسألة "التماثل" عملاً بمبدأ: المثيل يجذب المثيل، اي
ان من المستجوبين من يفضّل اصدقائه/علاقاته من جماعته
القريبة (المثيلة) فكراً ومعتقداً ومنطقة، ويحدد
تواصله مع الآخرين بناءً على الرموز الطقسية الخاصة
بكليهما عبر اكثر من اشارة يعمد اليها بعضهم في ما لو
دخل وسطا متنوعا من الناس كيف يحاول ان يبين هويته
الطائفية. هذا ما تحاول ان تفسره "نظرية العلاقات
الاساسية بين الاشخاص (شويتز/1955) التي تقول بأن
الناس يتجهون بأنفسهم نحو الآخرين من خلال دوافع تعتبر
بمثابة المحددات الاساسية للسلوك بينهم، ويمكن تحديد
هذه الدوافع في ثلاث مفاهيم هي:(3)
1- الاحتواء: الحاجة للارتباط بالآخر والتواجد معه،
وتتضح هذه الحاجة غالبا عند قيام الشخص باهتمامات
محببة للآخر كي يجذب انتباهه ويستحوذ على تقديره. لهذا
نلاحظ ان كل من اراد اقامة علاقة مع آخر مختلف يعرف
كيف يكون ودودا، منفتحا، لطيفا، صديقا، يحترم ما لديه
كي يحوز مكانة اكبر في جمهوره.
2- التوجيه: اي عندما تكون لدى طرف رغبة في توجيه
الآخر وضبطه وفق ما يريد، تكون لدى الطرف الآخر رغبة
في توجيه وضبط من يقابلهم ايضا، والشخص الذي تكون لديه
حاجة عالية للتواصل مع الآخر عليه ان يكون منضبطا في
تصرفاته، كلامه، كي لا يواجه بالاعتراض والرفض.
3- التعاطف: ويقصد به مشاعر الحب والكراهية، مدى
الانسجام والتجاذب، عوامل التقرب والنفور، اذ في ضوئها
يمكن التنبؤ بوتيرة العلاقات القائمة بين القرناء
والافرقاء، على اختلاف سماتهم. فالشخص الذي تكون لديه
حاجة قوية للآخر يصادقه، ويحاول ان يقيم معه روابط
انفعالية قوية، اما من تكون لديه حاجة منخفضة فإنه
يتجنب اقامة علاقة قوية.
في معطيات الاستطلاع الثاني (2007)
خلال السنوات الثلاث الاخيرة شهد لبنان احداثاُ سياسية
وامنية خطيرة، كانت مفصلية في مسار حياة ابنائه انعكست
على بُناهم الذهنية والاجتماعية، حتى برزت في ضوئها
نتوءات حادة في مسار العلاقات القائمة بين ابناء هذا
البلد الواحد. الواردة في الجدول (2) الجميع في كتل
وتيارات سواء ضمن الطائفة الواحدة تجاه الطائفة
الاخرى، او في خليط مذاهب عدة في توجه سياسي واحد ازاء
خليط آخر له اهتماماته وتوجهاته المختلفة. بازاء هذا
الواقع المستجد كان افتراضنا حول المسافة الاجتماعية
الموجودة في ظل هذا التغير الحياتي المتوتر بعد مرحلة
استقرار: هل لا زالت العلاقات ثابتة على انسجام ام
حدثت تبدلات؟ الى اي مدى اختلفت المسافات بين ذوي
المذاهب المتعددة؟ هل ما زالت هي هي ام انها تغيرت؟
وفي ما لو تغيرت في اي سياق حصل هذا التغير؟ هذا ما
دفعنا الى اعادة اجراء الاستطلاع في المكان ذاته ومع
عينة متشابهة لنرصد مدى التغير الذي حصل على مقياس
العلاقة السابقة. وباستخدام التقنية ذاتها تحصلت لدينا
المعطيات الاحصائية الواردة في الجدول (2).
في هذا الجدول نلاحظ الاختيارات السبعة عند مختلف
الفئات بنسب متقاربة الى حد ما، حيث احتل مؤشر الصداقة
أعلى نسبة لكلتا الطائفتين، يليها عامل الزمالة
فالزواج... اما المصلحة والمواطنة والاستبعاد فجاءت في
الجهة المقابلة عند شريحة من الناس في كلتا الطائفتين.
وقد لاحظ فريق العمل خلال الاستجواب ملاحظات مهمة
ابرزها:
- اشارة البعض الى اهمية التنوع الطائفي كميزة عريقة
في لبنان شرط ان تبقى في اطار المسالمة والاحترام
المتبادل.
- رغبة بعض البنات المسلمات منهن والمسيحيات الزواج
خارج اطار الطائفة والمذهب تمردا على الحواجز
التقليدية القائمة (فالحب يجب ان يتغلب على التفرقة
كما علقت احدى المستجوبات).
- اهمية ان يتعرف كل صاحب مذهب على ما لدى الآخر من
مقومات روحية سامية، فهذا بدوره يهيىء لمناخ الانفتاح
والتقبل.
- ردد كثيرون عبارة: تعامل مع الآخر كما تحب ان
تُعامل، كقاعدة سليمة للتواصل الامثل بين الطوائف.
- اعتبر البعض أن "الطائفية" وباء يصيب افراد المجتمع
اللبناني بين الحين والآخر وخاصة في الوسط الجامعي بين
الشباب، لذا يجب العمل على الحد منه.
يتبين هنا وجهة التفاعل القائمة بين الطائفتين، حيث
التباين الاثني – وان بدا متماثلاً في نسب بعض
الخيارات – بين الجماعتين. فكل جماعة تضفي على هذا
التباين اهمية قصوى وترتب عليه مواقف وانماطاً من
المعتقدات والسلوك المتبادل عبر ما يسمى بالتشريط
الحضاري (Culture Conditioning) اي الضغوط النفسية
والاجتماعية والثقافية الممارسة على افراد الجماعة
الاثنية، كما في مسألتي التزاوج والاستبعاد (طرفي
المقياس). فالزواج مفضل اكثر داخل الجماعة الاثنية
المصغرة (المذهب) او ضمن الطائفة الواحدة. واذا ساور
الفرد فكرة التزواج من خارجها فإن علامات التعجب تأخذ
بالظهور عبر الاستهجان والاستغراب وصولا الى العزل من
الجماعة الاصل. اما الاستبعاد فمرده الى شيوع مواقف
"الحيّز" التي تتمثل في تغليب ثقافة معينة او منظومة
من القيم مع النظر بأزدراء الى ثقافة او قيم تتبناها
شرائح اخرى.
المقارنة بين الاستطلاعين:
بمقارنة المعطيات المتوافرة زمنياً (والواردة في
الجدولين) يتبين لنا فارق ملحوظ في بعض الاتجاهات
والمواقف نختصرها بالآتي:
1) تراجع نسبة المفضلين للزواج عند المسلمين من
المذاهب الاخرى وتقدمها بشكل بسيط عند المسيحيين.
2) ثبات مؤشر الصداقة عند كلتا الطائفتين وان زادت
نسبته انما بقي على مساره.
3) تقدم ملحوظ في اختيار عامل الجيرة من كلتا
الطائفتين على حد سواء.
4) ثبات في مسألة الزمالة عند كلا الطرفين.
5) تقدم بيّن على صعيد علاقات المصلحة.
6) ثبات في مؤشر المواطنة.
7) تغير ملحوظ في مسألة الاستبعاد، ففي الوقت الذي لم
يختره أحد في استطلاع 2002 لوحظ بروزه في استطلاع 2007
لدى كلا الطرفين بنسب متقاربة.
وعليه يبدو أن هناك ثلاثة اتجاهات ومواقف قدمتها نتائج
الاستطلاعين هي:
- ارتفاع مؤشر الصداقة ومبرر هذه الزيادة في نسبته
يمكن ارجاعه الى اعتبار هذا الموقف أخف الخيارات جدلاً
مما لو اختار المرء مؤشرات أخرى. لهذا كان يلجأ أكثر
المستجوبين اليه باعتباره أكثر اعفاء من الحرج. بل ان
بعضهم اعتبر انه من خلال الصداقة يمكن أن ينتقل المرء
إما الى الزواج (بحيث تتطور العلاقة بعد التواصل
الحميمي) أو يمكن ان تستدعي تقرباً في السكن وجيرة،
لذا لتكن هي البداية!
- ثبات النسب في مؤشري الزمالة والمصلحة عند شريحة
معينة من الناس التي تعتبر ان ما يربطها بالآخر هو
مجرد زمالتهم إما في دراسة أو عمل أو نشاط تجاري أو
خدمي. لا أكثر ولا أقل. أي هناك نوع من القبول الظاهري
الذي يبدو في المجاملات وحكم الضرورة.
- بروز ملحوظ لمؤشر الاستبعاد، فبعدما كان هناك انعدام
لاختياره في الاستطلاع الاول (حيث لم يحدده أحد من
المستجوبين) استحوذ نسبة معينة لدى شريحة من
المستجوبين. وهذا إن دل على شيء انما على التبدل
الحاصل في وقائع الحياة اليومية التي أخذت تتشكل
معالمها رويداً رويداً، نتيجة الاحداث السياسية
الحاصلة بعد الاستطلاع الاول، من احداث أمنية عصيبة
(اغتيالات سياسية، خطاب سياسي متشنج، اعلام متحيز) كل
ذلك ألقى بظلاله على ذهنية الناس وتصوراتهم ومواقفهم،
الى درجة بات استبعاد الآخر مطلوباً، أو أمنية لو
تتحقق. وكأن هناك انغلاقاً على الأنا الجماعية وتوجسها
من الآخر الطائفي. والسعي نحو منافذ الخروج من هذا
التوجس أما بالرحيل التلقائي (السفر والاغتراب) أو
التحصّن داخل قوقعة الانتماء المناطقي/ الديني
(الاحتماء بزعيم منها/ تغيير مكان السكن/ ترك عمل بين
أناس ليسوا من ملته الى آخر)، وأما رفض الآخر والنفور
منه وعدم التعامل معه وتجنبه الى درجة استبعاده من
الوسط الذي يعيش فيه كي لا يتواجه وإياه. وهنا الكارثة
لأنه عندما تأخذ كل طائفة بالتكتل على خوف، متوجسة من
الآخر شراً تدخل عندها في مآسي توازن الرعب الطائفي
ويحاول كل منهما أن يصارع الآخر في مد الالغاء وجزره
فتكون النتيجة تغيراً ديموغرافياً ونفسياً وثقافياً
خطيراً، لأن "ايديولوجيا التخاصم التي تميز الحروب هي
منظومة فكرية تقوم على صورة جوهرية هي صورة النحن لا
على صورة الكل. النحن تعني جماعة دينية أو اتنية محددة
أو عصبية قبلية. النحن تعني جماعتنا، كتلتنا. وفي
النحن لا مجال للآخر وطالما لا مجال للآخر فكيف تالياً
يكون مجال للكل. فالكل هو مجال الدولة، جميع المواطنين
أما النحن فهي مجال القبيلة/ الجماعة/ الحزب المغلق/
الطائفة والاتنية..."(4).
في الاستنتاجات
اذا كانت العلاقات الاجتماعية الموزونة تقوم على تماثل
الاتجاهات بصفة خاصة، وتحمل دلالات بالغة الاهمية تمس
توافق الفرد واستقرار الجماعة لما تتسم به من تجانس في
الاهتمامات والتفضيلات والقيم والظروف الاجتماعية فإن
هذه الدراسة قدمت دلالة اجتماعية على استقرار العلاقات
بين الأنا والآخر على مستوى الصداقة لدى غالبية
المستجوبين، الا ان ذلك لا يمنعنا من التغاضي عن
الاستنتاج بأنه في مكان ما يلاحظ درجات تصلب مختلفة
كانت تتجلى أما بشكل سلبي واضح عبر صور: التصادم،
السباب، الاحتقار، الاستهزاء، اللااعتبار (كأشد درجات
التصلب) وأما بشكل غير ودي عبر: الابتعاد، التجنب، عدم
التعامل (كأخف درجات التصلب) وكأن هناك صورتين تتمثل:
أولاهما في "Social Mobility" أي برغبة الالتقاء
والارتقاء على نوازع العنف والشر وقد عبر عنها
المستجوبون في أكثر مجال عنها بقولهم ووصفهم للآخر
الطائفي: بأنه انسان مثلي مثله/ نحن أبناء بلد واحد/
احترمه وأحبه كأخ لي/ كلنا مثل بعض/ لا يوجد هناك آخر
- برأي احدى المستجوبات - لأننا في النهاية نحن ننتمي
لوطن واحد ولا تفرقة بيننا/ هناك تشابه في كثير من
الامور.
وثانيتهما في Social Rigidity اي رغبة البعد والتجنب
وتحاشي التواصل مع ابناء المذاهب الاخرى بل ذهب بعضهم
ابعد من ذلك عندما شطح في توصيف من يختلف عنه مذهبا
وديناً بأنه "لئيم/ متعصب/ ارهابي...
مما يؤكد لنا كيف ان اللبناني ينمو ضمن نماذج اجتماعية
تتسم بوجهين متكاملين: توجه نحو الانسجام مع المقاييس
السائدة بحكم التطور والانفتاح والحداثة، وتوجه آخر
نحو التمايز بخاصة الاثنية ethnic تدمغه بطابعها الخاص
فيحدد لنفسه معنى من خلالها قوامه مناخ نفسي وذهني
وتراثي خاص. وهذا ما يعرف بالسمات الارثية ascriptive
traits التي تنميها الجماعة الاثنية في افرادها مبكرا
كجزء من عمليات التنشئة وكضرورة للحفاظ على الكيان
الجمعي، ولتكريس مصالح وميزات مكتسبة، كما ان الآخرين
يفعلون بدورهم الشيء ذاته للاعتبارات نفسها لأن وجود
الآخر المختلف اهم عامل في تنمية وعي ادراكي للاثنية.
وبذاك تنطوي العلاقة الاثنية صراحة او ضمنا على آليات
نفسية واجتماعية وذهنية للاندماج والاستبعاد قوامها
شروط يكون فيها المرء اما من جماعة "النحن" واما من
جماعة "الهم".
لأجل ذلك لا بد من ايجاد خصائص علاقات الانا والآخر في
السياقات الاجتماعية عبر تعزيز مهارات التفاعل
الاجتماعي والارتقاء المعرفي والانفتاح الحضاري وابراز
مجالات التقارب وصولا نحو التماثل في درجات المرونة
الاجتماعية كي لا نبقى اسرى ذهنية التصلب والافكار
المنمطة، لتحل عبارة "اننا" بدل عبارة نحن او الانا
المغلقة، لأن مفتاح السياقات الايديولوجية في تشكيلة
اجتماعية ترغب في التغير نحو الافضل موجود في "العلاقة
مع الغير"، في تغيير الصورة القائمة: اتجاه من الوطن
الى الطائفة (حيث التفسخ) نحو الأخرى الاكثر تطلباً:
اتجاه من الجماعات نحو المجتمع (حيث التوحد)، قبل ان
يصبح لبنان – والذي يعتبر اجتماعيا بلدة واحدة – رسم
المسافات بين مناطقه وطوائفه سهلا للغاية.
1- الدكتور سعد الدين ابرهيم، الملل والنحل والاعراق
في الوطن العربي، مركز ابن خلدون للدراسات الانمائية،
القاهرة 1993.
2- الدكتور حليم بركات، المجتمع العربي المعاصر، مركز
دراسات الوحدة العربية، بيروت، 1984.
3- محمود السيد او ابو النبل، علم النفس الاجتماعي،
دار النهضة العربية، بيروت.
4- الدكتور فردريك معتوق، جذور الحرب الاهلية، دار
الطليعة، بيروت 1994.
(•) الطالبات المسيحيات في الوسط الجامعي مثلا يرتدين
سلسالا ذهبيا يحمل صليبا او ايقونة معينة (وفي فترة
الصوم يرسمن صليبا على جبينهن) والفتيات الشيعيات
يميزهن حجابهن وخمارهن الطويل، ولكن حتى في شكل الحجاب
الذي يرتدينه هناك اكثر من دلالة وفقا للمرجع المقلد
(واثناء ايام عاشوراء الجميع في لباس اسود موحد)،
وبالمثل يلاحظ عند الفتيات السنيات في طريقة ارتدائهن
للحجحاب والزي الشرعي كيف يختلف تبعا للاتجاه (سلفي/
حبشي/ عصري/ خليجي) اما بالنسبة للشباب فلهم في الرموز
الطائفية لغة تواصل وتعريف ايضا، فالمسيحيون منهم
يلبسون على معصمهن سوارا جلديا فيه صليب خشبي،
والشيعيون يوشمون على ساعدهم السيف ذي الرأسين
(باعتباره ذو الفقار – سيف الامام علي).
( استاذ جامعي) |