النهار 21-02-2008

نهاية أفكار المحافظين ؟

فريد زكريا

المحافظون [الأميركيون] زمرة كئيبة الآن. يعتبر كثر أن حزبهم – الحزب الجمهوري – ضل سبيله وذلك بسبب تخليه عن مبادئه. ما عدا السياسة الخارجية والتعيينات في المحكمة العليا، لا يجد المحافظون الكثير ليحبوه في جورج دبليو بوش. تشمل السياسات الداخلية التي تحمل توقيعه مجموعة واسعة من الرعاية الصحية المموّلة من الحكومة (الدعم للأدوية التي تعطى بوصفة طبية)، والتمويل المتزايد للتعليم في حين أنه روّج بفتور للمستندات المالية المدرسية وبرامج اختيار المدرسة. ووقّع بوش أيضاً إصلاح تمويل الحملات وحوّله قانوناً، ودعم اقتراح قانون حول الهجرة كان من شأنه أن يتيح أمام المهاجرين غير الشرعيين فرصة الحصول على الجنسية. والكونغرس الجمهوري أسوأ، فقد انغمس في إنفاق غير مسؤول. والآن يتجه الحزب نحو تعيين جون مكاين مرشحه للرئاسة، هذا الرجل الذي خرج عن التقليد الجمهوري في مسائل عدة وصوّت مع الديموقراطيين. بالنسبة إلى المحافظين، العودة إلى المبادئ هي السبيل الوحيد للعودة إلى السلطة.
لدى ديفيد فروم، كاتب خطب بوش السابق، وجهة نظر مختلفة. فهو يكتب في كتابه الجديد الذكي Comeback (العودة) "على العكس، تشير الأدلة إلى أن الرأي العام كان ليرفض إدارة أكثر محافظة وثباتاً وتمسّكاً بالمبادئ بقوة أكبر من رفضه لإدارة بوش غير الشعبية". وكما يرد في المعلومات التي يوثّقها فروم، فإن كل سياسة من سياسات بوش يشجبها المحافظون تحظى في الواقع بشعبية كبيرة. فالتأييد العام للدعم الحكومي للأدوية التي تعطى بوصفة طبية يتراوح بين 80 و90 في المئة. وكل سياسة من سياسات بوش يؤيّدها المحافظون، ينظر إليها الرأي العام بشك كبير. تعتبر غالبية الأميركيين أن الخفوضات الضريبية التي أقرها بوش "لا تستحق العناء"، وتفضّل بدلاً من ذلك زيادة الإنفاق أو جعل الموازنة أكثر توازناً. وفي المجال الوحيد الذي لا يزال بوش يتمتع فيه بدعم راسخ من المحافظين – السياسة الخارجية – انهار التأييد العام أيضاً. بحسب "مركز بيو للأبحاث"، سجّل عدد الأميركيين الذين يعتبرون بأن القوة العسكرية تحد من خطر الإرهاب انفخاضاً كبيراً بين 2002 و2006، من 48 إلى 32 في المئة.
اكتسبت الأفكار المحافظة نفوذاً في السبعينات والثمانينات لأنها اقترحت حلولاً مناسبة لمشكلات ذلك العصر – عندما كانت الاشتراكية لا تزال فكرة اقتصادية جدية، وكانت معدلات الضرائب الحدية تسجّل 70 في المئة، وعندما كانت الحكومة تنظّم أسعار النفط والغاز الطبيعي ومعدلات الفوائد لحسابات الشيكات وعدد القنوات التلفزيونية. بدا أن الثقافة تتعرض لهجوم من مجموعة راديكالية. كانت مرحلة من الركود التضخمي والإجرام في الداخل، ومن الهزيمة والتراجع في الخارج. وقد دخلت مارغريت تاتشر ورونالد ريغان إلى هذا المشهد، مع مجموعة من الأفكار حول سبل تصحيح العالم. وفي العقود الثلاثة اللاحقة، خضعت معظم سياساتهما للتجربة. وقد نجح عدد كبير منها. وفشل عدد آخر، لكن في مختلف الأحوال، مر الوقت وتغيّر العالم إلى حد كبير. اليوم، كما يكتب فروم "بعد ثلاثة عقود من خفض الضرائب، ضريبة الدخل التي يدفعها معظم الأميركيين لم تعد تستحق الذكر". جرى كبح التضخم، وفي نظر الغالبية لم يعد الاقتصاد يخضع للتنظيم المفرط من الدولة، ولم يعد الإجرام يسيطر على وعي الناس. تبين أنها ثقافة قوية، وقد أغناها تنوعها وزادها توسعاً. في الخارج، تحقق الانتصار في الحرب الباردة، وتربعت أميركا على عرش عالم يزداد رأسمالية. أياً كانت مشكلاتنا، لم تكن زيادة عديد الجيش واللجوء إلى مزيد من الأحادية يُعتبران الحل المناسب لها.
لعالم اليوم مجموعة مختلفة من المشكلات. لم يؤدِّ الاقتصاد القوي إلى ارتفاع كبير في متوسط أجور الأميركيين. ولا يشعر معظم العمال بالأمان في مجال الرعاية الصحية، وتثير تكاليفها المتزايدة غضب معظم الشركات. تُعتبَر العولمة تهديداً يسبّب منافسة حادة من عشرات البلدان. ويبقى خطر الجهادية الإسلامية حقيقياً ومستمراً، لكن قلة من الأميركيين تعتبر أنها تفهم الظاهرة أو تعرف ما هو السبيل الأفضل لمحاربتها. ويرى الأميركيون أن إدماننا على النفط وتدهور البيئة يشكلان خطراً حقيقياً يهدد بناء مستقبل مستقر وناجح. والأهم من ذلك تتغير الطريقة التي ينظرون بها إلى الدولة. لا يريدون حكومة أكبر – أظهر استطلاع آراء العام الماضي أن غالبية الأميركيين (57 في المئة) لا تزال تعتبر أن الحكومة تصعّب على الناس مواصلة حياتهم – لكنهم يريدون حكومة أكثر ذكاء تساعدهم ليبقوا سالمين وآمنين ويستعدوا كما يجب للتحديات السياسية والاقتصادية. في هذا السياق، تبدو الشعارات المحافظة قديمة بطريقة غريبة، مثل مشاهدة برنامج تلفزيوني من... حسناً، من السبعينات.
يعتبر كتاب The Emerging Democratic Majority (الغالبية الديموقراطية الناشئة) الصادر عام 2002، أن هذه الأسباب الواسعة هي التي تقف على الأرجح وراء الانحسار السريع في الاتجاه المحافظ في السياسة الأميركية. استعاد هذا الاتجاه زخمه لفترة وجيزة بعد 11 أيلول عندما صب اشتداد المخاوف وازدياد القومية حدة، في مصلحة الجمهوريين. لكن النزعات واضحة. يلفت الكاتبان جون ب. جوديس وروي تيكسيرا إلى أن مجموعات كبيرة عدّة – نساء، مهنيين جامعيين، شباب وأقليات - بدأت تصوّت للديموقراطيين باستمرار. ومع الغضب الذي أثارته مسألة الهجرة في الآونة الأخيرة، على الأرجح أن الجمهوريين خسروا المعركة للفوز بتأييد اللاتين والأميركيين الآسيويين. صوّتت المجموعتان بقوة للديموقراطيين عام 2006.
لا تتواجد الايديولوجيات السياسية في فراغ. يتعيّن عليها أن تتعاطى مع مشكلات العالم. يفهم المحافظون العاديون ذلك، وربما كان هذا السبب الذي دفعهم – على الرغم من تحفيزات مرشديهم الإيديولوجيين – إلى التصويت لمكاين. يبدو أنه يدرك أن العالم الجديد يقتضي تفكيراً جديداً.

عن "نيوزويك إنترناشونال"
ترجمة نسرين ناضر   
(
رئيس تحرير "نيوزويك إنترناشونال")      

       قـضـايـا