|
ابو عمار وصديق
شبابه ابو جهاد، كانا عضوين في تنظيم "الاخوان
المسلمين". وفي اوائل الستينات عندما
شرعا في تأسيس حركة "فتح" والكفاح المسلح، ناقشا مع
مناضلين آخرين "الفكرة" أو
"الايديولوجيا"
التي سوف تقوم عليها حركتهم. فاختار الجميع ان يكونوا
"علمانيين"،
"تقدميين"
"عالمثالثيين"، وحتى "ناصريين"... كان ذائعا عصر ذاك
عزوف "الاخوان
المسلمين" عن القضية الفلسطينية بعدما "خطفها" عبد
الناصر؛ وادرك مؤسسو "فتح" بانه
لن يكون دورهم ولا جماهيريتهم على ما يصبون اليه اذا
بقوا على ايديولوجيتهم
الاسلامية.
اواسط الخمسينات وكل الستينات وبعض السبعينات كانوا
ذروة العنفوان
الناصري والتحرر من الاستعمار وبناء الدولة الحديثة
"غير الرأسمالية" ومحورية
القضية الفلسطينية والكتلة السوفياتية المؤازرة لهذا
البناء والتضامن مع العالم
الثالث.
الهيمنة اليسارية كانت قوية وقتذاك. كان التاريخ
الاسلامي مقسما بين
يمين ويسار: بين حكام يمينيين مستبدين وثوار يساريين
احرار: القرامطة، ابو ذر
الغفاري، الفرق الكلامية "اليمينية" و"اليسارية". بل
مؤسس "الاخوان المسلمين"
السوريين نفسه، مصطفى السباعي، كان يعتزّ بكتاب
عنْونَه "الاسلام والاشتراكية". (هل
يمكن تصور كتاب كهذا اليوم؟).
كانت
تلك ايام "المدّ" الناصري التقدمي
اليساري.
ثم حصل الذي حصل وانقلبت الآية. هيمنة جديدة سميت
"صحوة اسلامية".
استلمت شعلة محاربة اميركا واسرائيل، بعدما كانت في
عصر الهيمنة السابقة ترفض
المشاركة بها، بسبب سيطرة الهيمنة النقيض عليها. واخذت
شيئا فشيئاً تحتل الفضاء
العام؛ وتفعِّل فضاءات قديمة (المسجد)، وتخترع فضاءات
جديدة ويرزقها الحظ
بالفضائيات التلفزيونية (هل تتخيل كيف كانت ستكون عليه
الهيمنة السابقة لو صادفت مع
هذا العصر الفضائي؟).
هكذا صارت الاتجاهات الدينية صاحبة هيمنة هائلة،
ثقافية
خصوصاً. اقوى من تلك التي سبقتها. المرجعية الاسلامية،
الشريعة، الاسلام هو الحل.
محورية الرد على الاساءة للرسول، على ما عداها من
مسائل "ثقافية" او مصيرية؛
والقدرتها التعبوية الهائلة لهذا "الردّ" المتفوّق على
بؤس اليوميات.
هيمنة
لم
تعد تقتصر على تنظيمات اسلامية بعينها، بل تجاوزتها
الى المجتمع بمختلف طبقاته
وطالت اذرع السلطات الرسمية المستشيخة رغم انعدام
قناعات بعضها: اللائحة الطويلة من
الرؤساء والنواب والزعماء "المؤمنين"... على غرار
"الرئيس المؤمن" الاول، الرئيس
المصري انور السادات.
في هذا المشهد المقلوب، ما هي احوال "التيارات"
او"المجموعات" غير الدينية؟ ماذا يفعلون في هذا العصر
الطاحن بأصولياته الدينية؟
وذلك بصرف النظر عن اختلافاتهم "النظرية" بين قومي
ويساري وعلماني وحتى ليبرالي...
-
اولوية محاربة اميركا واسرائيل، ذاك الجزء الفاشل من
الاجندة
اليسارية-القومية السابقة؛ ما زال حتى اللحظة يتسبّب
بانضواء الكثير من هؤلاء "غير
الدينيين" تحت مظلة الجهادية الاسلامية، السنية منها
والشيعية. وحجتهم معروفة:
أولوية محاربة...
والامثال لا تحصى، ولكنني أودّ التوقف عند واحد منها:
مقال
نشرته باحثة قومية-يسارية مصرية في احدى الشهريات
العربية. تقول فيه انها قابلت حسن
نصر الله لأول مرة وهي مصرّة على عدم تغطية شعرها
بالحجاب. وتتابع، بعد المقابلة
بانه لو استطاع نصر الله ان يخيف اسرائيل ويوجه لها
ضربات قوية كما يقول، فهي سوف
تتحجّب لو قابلته مرة اخرى...
-
اولوية معركة خاسرة اخرى دخل تحت عباءتها بعض
اصحاب الاتجاهات غير الدينية: الدولة المدنية المزعومة
الاستنارة، ولو كانت آخذة
بناصيتها سلطة او حزب استبداديَان. "مستنيرون"
و"نهضويون"، يساريون قوميون وتقدميون
"سابقون"...
هم الاحتياط الفكري للسلطة المستبدة في حربها الامنية
ضد الاسلام
السياسي. كلما ضاقت الاخيرة ذرعاً بتنامي جماهيرية
الاسلام السياسي، نصَّبت هؤلاء
دفاعا عن "مدنيتها" المزعومة وعن "وزرائها
المستنيرين". ادوار غير منتجة، وربما
خطيرة. وتواطؤ مع الاستبدادين، الرسمي وغير الرسمي.
-
التسليم بنموذجية الجماعات
الدينية، آخر الانضواءات: مثل الدعوة المتصاعدة الآن
داخل بعض مجموعات اليسار
المصري التي تطالب بمراجعات للفكر اليساري على غرار
مراجعات الجهاد الاسلامي
الاخيرة.
خارج هذه الديناميكيات فان الجماعات غير الدينية
مبعثرة، موزعة بين
"شخصيات
تاريخية"؛ ومجموعات صغيرة قليلة الانسجام في ما بينها؛
وانعدام دورها، او
تواضعه، او قلّة شأنه، يقوّي الحساسيات والنرجسيات بين
افرادها...
من الصعب
توقّع دور عام جماهيري للمجموعات غير الدينية. وقياسا
الى ما تذهب اليه الامور
الآن، فمن الاصعب توقع ان تزدهر ان تتطور او تتبيأ
الفكرة اليسارية او القومية او
التقدمية... او اية فكرة لا تتلحّف بالدين او
الطائفة... لا فرق الآن.
ما يجيز
الإنكفاء. وبداية الإنكباب على تصوّر ما ستكون عليه
الايديولوجيا والهيمنات
الايديولوجية في القرن المقبل.
(باحثة) |