المستقبل 03-02-2008

لبنان أكثر عروبة أقل... عروبة أكثر لبنان أقلّ؟!

مسعود ضاهر

إنطلق رغيد الصلح في معالجة موضوع هوية لبنان العربية وأثرها في ولادة وتطور الدولة اللبنانية من مخزون ثقافي وسياسي مهم.فهو سليل أسرة عرف عنها محبة لبنان والعالم العربي والإهتمام بقضاياهما.كما أن الوثائق الوفيرة،المحلية والخارجية التي إستند إليها، والتجربة السياسية لوالده كاظم الصلح ومواقفه المهمة في الدفاع عن إستقلال لبنان أعطته المزيد من الأفكار المعمقة التي أغنت كتابه.وقد أفرغ فيه الكثير مما في جعبته الثقافية من مفاهيم شائعة ، والتي تحتاج إلى تحديد واضح. وبعد أن أوغل في رصد الخلفيات الثقافية والإجتماعية لمواقف القوى والأحزاب اللبنانية من الكيان اللبناني خرج بإستنتاجات مهمة.
كانت مواقف الغالبية الساحقة من القوى اللبنانية،الكيانية منها والعروبية، متقلبة إلى أبعد الحدود. لذلك جاءت المواقف تجاه إستقلال لبنان "ضبابية" حسب تعبيره، ليس من جانب السوريين تجاه إستقلال لبنان فحسب بل أيضا من جانب الأحزاب والقوى العروبية نفسها. فهي قوى هلامية غير محددة المعالم ، وتستعصي على التحديد العلمي من حيث النشأة، وتقلب المواقف.
فسر القوميون اللبنانيون صيغة "الوجه العربي" للبنان بأن يتخلى القوميون العرب فيه عن قضية الوحدة العربية وأن يقبلوا بلبنان دولة مستقلة ووطنا نهائيا.وتناقضت مواقف المتشددين مع الجهود الهادفة إلى توطيد النظام الديموقراطي في لبنان.
كما أن الإقصاء المتعمد للقوميين العرب عن البرلمان أضعف الحياة البرلمانية فيه.
فلم ينجح تحالف القوميين اللبنانيين مع القوميين العرب في ترسيخ مقولة العروبة النفعية، أي الحد الأدنى من العروبة والحد الأقصى من المكاسب الإقتصادية الناجمة عن إنفتاح لبنان الإقتصادي التام على الأسواق العربية وفتح أسواقه وخدماته أمام الرساميل العربية. كما أن الصراع المستمر بين القومية العربية والقومية الصهيونية في فلسطين أجبر لبنان بعد الإستقلال، خاصة في الربع الأخير من القرن العشرين، على الإنحياز إلى جانب عروبة الإنتماء والمصير وليس العروبة النفعية فحسب.
إن قراءة متأنية لهذا الكتاب المتميز تفضي إلى طرح أسئلة منهجية تحتاج إلى مزيد من التعمق.فمن يمثل عروبة لبنان ؟ وما هي صيغة العروبة التي على اللبنانيين الإيمان بها أو الدفاع عنها؟ هل هي عروبة الدين، أو العرق، أو الثقافة أم هي العروبة النفعية، ووجه لبنان العربي، وعروبة الميثاق الوطني، و"لبنان غير المشًرق وغير المغًرب"؟ أسئلة كثيرة توسع المؤلف في الإجابة عن بعضها، ولامس البعض الآخر. وغابت عنه معالجة العروبة الثقافية أو الحضارية التي يحتاجها لبنان وينتسب إليها طوعا جميع اللبنانيين،على إختلاف طوائفهم،ويدافعون عنها بصلابة كما أثبت تاريخهم الطويل.
شدد الكتاب على علاقة الهوية الوطنية بتكوين الدولة اللبنانية، وعلاقة الكيان اللبناني بمحيطه العربي، ونشوء الأحزاب السياسية القومية اللبنانية، والقومية العربية، وأفكارها، ومدى إعتناقها هوية لبنان العربية أو تنصلها منها، ومدى صحة الإدعاء بضم لبنان إلى ما يسمى "سوريا الكبرى"، وتفاعل الأحزاب اللبنانية مع هذا الطرح بين مؤيد ومعارض. كما يتحدث عن المفاوضات والمعاهدات بين فرنسا وكل من سوريا ولبنان التي سبقت إستقلال البلدين و"ضبابية" الموقف السوري من الإعتراف بإستقلال الكيان اللبناني".
أفرغ المؤلف الكثير مما في جعبته الثقافية الغنية بالمفاهيم الشائعة دون أن يجهد نفسه بتحديد أي منها. وبعد أن أوغل في رصد الخلفيات الثقافية والإجتماعية لمواقف القوى والأحزاب اللبنانية من الكيان اللبناني خرج بإستنتاجات سجالية. فقد كانت مواقف الغالبية الساحقة من القوى اللبنانية، الكيانية منها والعروبية، متقلبة إلى أبعد الحدود.لذلك جاءت المواقف تجاه إستقلال لبنان "ضبابية" حسب تعبيره، ليس من جانب السوريين تجاه إستقلال لبنان فحسب بل أيضا من جانب الأحزاب والقوى العروبية نفسها. فهي قوى هلامية غير محددة المعالم، وتستعصي على التحديد العلمي من حيث النشأة، وتقلب المواقف.
حملت فصول الكتاب العناوين التالية: "المعاهدات مع فرنسا وإنعكاساتها على سوريا ولبنان، سنوات نظام المعاهدات، إندلاع الحرب العالمية الثانية وتعطيل نظام المعاهدات، الحكم البريطاني ـ الفرنسي المشترك، لبنان المستقل والمحادثات الثنائية بشأن الوحدة العربية، لبنان الكبير وجامعة الدول العربية. وتمحورت موضوعاته ضمن فترة زمنية تمتد ما بين 1936 و1943. وهي الفترة التي طرحت فيها مسألة إتحاد لبنان مع سوريا أو إستقلاله نهائيا عنها وفق صيغة توافقية بين القوميين اللبنانيين والقوميين العرب تم إعتمادها لاحقا في الميثاق الوطني لعام 1943.
ساعدت تلك الصيغة على إلتزام فرنسا بإستقلال لبنان ليتحول لاعبا فاعلا في تأسيس النظام الإقليمي العربي عبر جامعة الدول العربية، وفي كثير من المنظمات الدولية.
إلا أن الدولة السورية المستقلة إعترفت بإستقلال لبنان من دون أن تبادر إلى إقامة علاقات دبلوماسية معه على غرار ما قامت به مع باقي الدول العربية، المجاورة لها أو البعيدة عنها. كما أن "القوميين العرب" من اللبنانيين الذين حكموا لبنان إلى جانب من "القوميين اللبنانيين" لم يبادروا إلى طرح هذا الموضوع بجدية. وهنا مكمن الخلل في معالجة مسألة هوية لبنان كدولة مستقلة. مرد ذلك إلى رؤية إيديولوجية خلافية ناجمة عن نشأة كل من "القوميين اللبنانيين" و"القوميين العرب". حيث يقول: "تنبع العلاقة بين القومية العربية والقومية اللبنانية من إختلاف جذري من حيث النشأة والتطور. فالساحة اللبنانية هي مهد القومية اللبنانية، وتحديدا في المناطق ذات الغالبية المارونية في جبل لبنان. في حين كان مهد القومية العربية في المدن التي كانت تابعة لولايات سوريا وبيروت وحلب".
فبعد أن تعاون القوميون اللبنانيون والقوميون العرب ضد السلطنة العثمانية في أواخر حكمها، تفجرت الخلافات بينهما عند إعلان الفرنسيين لدولة لبنان الكبير والبدء بإنشاء مؤسسات الدولة العصرية فيه كالبرلمان،والدستور، والجمهورية، وإدارات الدولة.
وأبرز نقاط الخلاف أن القوميين العرب في لبنان ناضلوا ضد فرنسا بصفتها دولة أجنبية محتلة. فتعاونوا ضدها مع إخوانهم في سوريا وباقي الأقطار العربية لتحريرها من الإحتلال الأجنبي، وبشكل خاص الفرنسي والإنكليزي. وإعتبروا أن إحتلال فرنسا لسوريا وإحتلال بريطانيا للعراق وفلسطين والأردن شكل صفعة قوية لكل عربي.
فقد إحتلت فرنسا دمشق عاصمة الأمويين في أوج مجد الخلافة العربية، كما إحتلت بريطانيا بغداد عاصمة العباسيين الذين أوصلوا العرب إلى قمة عصرهم الذهبي.
كانت المعركة شرسة جدا في لبنان إذ إعتبره الفرنسيون المعقل الأساسي لنفوذهم في المشرق العربي، فتعرض القوميون العرب فيه للنفي، والتشريد، والسجن. وشنوا على الإنتداب الفرنسي حملات عنيفة من الخارج،ونعتوا الدولة اللبنانية بأنها مصطنعة، لأنها أنشئت من قبل الفرنسيين لضرب الوحدة السورية والوحدة العربية.
بالمقابل، تمسك القوميون اللبنانيون بدولة لبنان الكبير التي جسدت بعض أحلامهم في دولة عصرية تمت ولادتها بمساندة فرنسا التي كانت تعتبر بمثابة "الأم الحنون" لدى كثير من الموارنة وبعض مسيحيي الشرق. وبفضل تعاونهم الكامل مع إدارة الإنتداب الفرنسي تأسست ركائز الدولة العصرية في لبنان، وتمتع فيها الموارنة بشكل خاص، وأصدقاء فرنسا من باقي المسيحيين وفي الطوائف الأخرى بشكل عام، بموقع متقدم في مراكزها العليا. فغاب عنها القوميون العرب الذين رفضوا التعاون مع إدارة الإنتداب أو رفض الفرنسيون التعاون معهم. لكن تطور الأحداث خلال فترة ما بين الحربين العالميتين أحدث تبدلات جذرية في بنية النظام السياسي اللبناني وما إستتبع ذلك من مواقف محلية جديدة أسست لرفض الإنتداب والإجماع على المطالبة بإستقلال لبنان عن فرنسا بحدوده المعلنة عام 1920.وبعد ان إنطلقت عجلة بناء الدولة اللبنانية.
نال المتعاونون مع إدارة إلإنتداب مكاسب إقتصادية وثقافية وإدارية كبيرة.فترسخ شعار المطالبة بضمان دولة لبنان الكبيرة ضمن حدود المعلنة.
وسرعان ما إتسعت دائرة اللبننة لتشمل جميع الطوائف بدرجات متفاوتة. وذلك وفق صيغة عقلانية ترفض كل أشكال العزلة أو الإنعزال عن العالم العربي، كما ترفض كل صيغ الوصاية والإنتداب المفروضة من الخارج. ومن خلال الممارسة العملية كشفت إدارة الإنتداب الفرنسي عن وجهها الإستعماري البشع، وغلبت مصالح الإحتكارات الفرنسية على مصالح اللبنانيين، ومن ضمنهم الموارنة.فبرزت مواقف جريئة لزعماء موارنة، دينيين ومدنيين، ضد فرنسا. وتبلورت صيغة من التحالف الهش بين القوميين اللبنانيين والقوميين العرب، تركت الباب مفتوحا لتفسيرات مختلفة لعروبة لبنان، منها أن لبنان أقل عروبة من الدول العربية الأخرى، والمغالاة بتقدير دور لبنان في إفشال المشاريع القومية العربية.
لكن السياسية اللبنانية في لبنان المستقل تبنت عروبة نفعية تضمر مواقف معادية للقومية العربية وتستدعي دوما تأمين حماية خارجية "للقوميين اللبنانيين" في مواجهة القومية العربية. وكان لهشاشة التوافق بين الأحزاب التي كونت التحالف الحاكم في لبنان المستقل أثر بارز على سياسة لبنان العربية في ظل تصاعد الأزمة الطائفية.
وهذا ما ألحق ضررا كبيرا بأداء النظام السياسي اللبناني، وأدى إلى تعطيل مؤسساته التي أضحت ساحة للنزاع بين زعماء الطوائف.وبعد سلسة الإنقلابات العسكرية التي شهدها العالم العربي منذ الحرب العالمية الثانية تبخرت أحلام القوميين العرب الطوباوية في تحقيق "الإستقلال الفوري الكامل والشامل لجميع الأقطار العربية، وإقامة نوع من الوحدة في ما بينهم". وتفرق شملهم إلى أن عجزوا عن التلاقي فبدأوا يصدرون المناشير التحريضية من خارج دولهم. لكنهم تمسكوا جميعا برفض دولة لبنان الكبير، والإصرار على إتهامها بأنها دولة مصطنعة أو صنيعة الإستعمار الفرنسي. وتناسى هؤلاء أن الحدود الجغرافية لجميع الدول العربية قد رسمت في دوائر الإستخبارات الأجنبية. كما أن الإقصاء المتعمد للقوميين العرب عن البرلمان أضعف الحياة البرلمانية في لبنان. لكنهم عندما شاركوا القوميين اللبنانيين في حكم لبنان بعد الإستقلال أنتجوا عروبة نفعية بنيت على الحد الأدنى من العروبة القومية مقابل الحد الأقصى من المكاسب الإقتصادية، وإنفتاح لبنان التام على الأسواق العربية وفتح أسواقه وخدماته أمام الرساميل العربية. إلا أن الصراع المستمر بين القومية العربية والقومية الصهيونية على أرض فلسطين وجوارها أجبر لبنان المستقل ، خاصة منذ الربع الأخير من القرن العشرين، على الإنحياز إلى جانب عروبة الإنتماء والمصير وليس العروبة النفعية فحسب. وكانت المفارقة الكبرى أن القوميين العرب في لبنان بالغوا في الدفاع عن قضية فلسطين وباقي القضايا العربية وأهملوا الدفاع عن لبنان كوطن حر ودولة مستقلة وذات سيادة تامة على كامل أراضيها.
ختاما، ليس من شك في أن هذا الكتاب يعبر بدقة عن هواجس الهوية الوطنية والقومية في لبنان. كما أن المادة التاريخية فيه غنية بمعطيات كثيرة مستقاة من مصادر الأرشيف العائلي، والمحلي والخارجي. إلا أن المنهج التاريخي المعتمد بقي أسير التحليل الطوائفي الذي ما زال طاغيا في تفسير الأحداث والمواقف التي شهدتها الساحة السياسية في دولة لبنان الكبير، إبان الإنتداب الفرنسي وبعد الإستقلال. وهو يعالج تاريخ لبنان من خلال مواقف قوى زئبقية، تبحث عن مصالحها الشخصية دون أن تتمسك حتى النهاية بالمباديء والشعارات الطوباوية التي ترفعها.


رغيد الصلح:
"لبنان والعروبة، الهوية الوطنية وتكوين الدولة".
دار الساقي، بيروت 2006. الكتاب في الأساس أطروحة دكتوراه قدمت في جامعة أوكسفورد عام 1986، وصدرت بالإنكليزية في لندن عام 2004.

       قـضـايـا