المستقبل 13-12-2007

الصدر وشمس الدِّين:
بين الإمام المغيّب والإمام الراحل
السيد هاني فحص

تولى الإمام السيد موسى الصدر مسؤولياته الدينية في مدينة صور الجنوبية اللبنانية خلفاً للإمام السيد عبد الحسين شرف الدين الذي ينتمي وإياه إلى أصول أسرية لبنانية واحدة، وذلك بعد أحداث عام 1958 في لبنان التي بدأت بعد أشهر من إعلان دولة الوحدة بين مصر وسوريا بقيادة الرئيس جمال عبد الناصر. ومنذ عام 1943، أي عام الاستقلال اللبناني عن فرنسا، والذي أنجزه اللبنانيون بالاتفاق بين المسلمين والمسيحيين على أن يكف المسلمون عن اعتبار لبنان جزءاً من سوريا كما كان قبل الانتداب والحرب الأولى في مقابل أن يكف المسيحيون عن طلب الحماية من الدول الغربية وخصوصاً فرنسا، كان المسلمون عموماً يشكون من أن مواقعهم في الدولة وإدارتها ليست مساوية أو مقاربة لحجمهم العددي ودورهم الفعلي في بناء الوطن، فرفعوا شعار المشاركة، الذي كان المسيحيون يردون عليه بشعار الخوف. أي أن المسيحيين يخافون من المسلمين لأنهم متصلون بعمق عربي يحفظهم، بينما حصة المسيحيين في الدولة بما تتضمن من زوائد نوعية على حجمهم العددي، هي مصدر الأمان لهم.
وهكذا وجد المسلمون في الوحدة المصرية السورية مناسبة لتحقيق المشاركة، في حين كان المسيحيون قد أخذوا في اعتبارهم ما يمكن أن تحدثه الثورة المصرية بتأثيراتها وتداعياتها من تغييرات في الاتجاهات العامَّة في المنطقة ومنها لبنان، فسارع الرئيس الماروني كميل شمعون منذ عام 1954 بالانحياز إلى المعسكر الغربي المعادي للثورة المصرية وحركة التحرر العربية، وأبدى استعداده لإدخال لبنان في حلف بغداد، ما جعل المعارضة الإسلامية والقومية في لبنان تطرح إسقاطه قبل نهاية ولايته الرسمية، أو عدم التجديد له بولاية ثانية. وانفجرت المعارك في هذا الجو من التجاذب، وتولت دولة الوحدة دعم المسلمين والقوميين العرب في لبنان بوضوح، وإن لم تكن ميالة إلى جعلهم يحققون الغلبة الكاملة. ولذلك سارع الرئيس ناصر بالتفاهم مع الأطراف المعنية في الغرب، وخصوصاً الولايات المتحدة، إلى حل وسط تمت على أساسه إعادة الحياة إلى الدولة اللبنانية برئاسة قائد الجيش فؤاد شهاب، الذي بقي على الحياد طوال أشهر الحرب، ما مكن اللبنانيين من الخروج من الحرب تحت شعار "لا غالب ولا مغلوب" الذي أطلقه صائب سلام الزعيم الإسلامي السني البيروتي ورئيس الوزارة اللبنانية لمرات عديدة، وأحد أعم زعماء القيادات الإسلامية خلال الأحداث.
ولكن هذا الشعار لم تكن دلالته على الواقع دقيقة، إذ استقر في وعي اللبنانيين عموماً أن مفصل عام 1958 وما ترتب عليه قد مكَّن الطائفة الإسلامية السنية من تعويض غيابها أو تغييبها عن إدارة الدولة ومؤسساتها مستفيدة من مساندة الطوائف الإسلامية الأخرى (الشيعة والدروز) الذين لم يحن موعد نهوضهم بعد ولكنهم اكتشفوا المؤشر من خلال ما تحقق للسنة.
اكتشف الإمام الصدر هذه المعادلة وأخذ على نفسه أن يعمل على استنهاض الطائفة الشيعية من أجل تأهيلها إلى رفع منسوب حضورها في جسم الدولة ومؤسساتها، بعدما اكتشف بالأرقام أن نصيب الشيعة في وظائف الدولة الأساسية وفي موازناتها قليل جداً.
وقد آثر الإمام الصدر أن يتبع في هذا الاستنهاض سلوكاً متنوعاً ومركباً فركز على التعليم الديني وتوسيع مساحة الوعي الديني والفكري والسياسي في المدن والقرى، وعلى تشجيع الجمعيات والأندية الرياضية والثقافية، وتأسيس المدارس المهنية، وتحريض أهل المواهب من الشيعة على الدراسة في الحقول العلمية المختلفة، والتواصل العميق مع الطوائف الأخرى حتى لا يتحول التحرك الشيعي نحو المطالبة بالحقوق السياسية والتنموية والعمرانية وكأنه موجّه ضد الآخرين. وفضلاً عن حرصه على التفاهم مع المسلمين السنة والدروز، أضاف الى سعيه التفاهم مع القوى الفاعلة من المسيحيين، مدركاً خطورة اندفاع الشيعة والجيل الشاب منهم نتيجة إحباطهم نحو أحزاب اليسار. ومن هنا جاء حرصه على التواصل والاتصال مع الأنظمة العربية ذات التأثير في لبنان، مع أولوية المملكة العربية السعودية إلى مصر وسورية، وقام بزيارة مبكرة إلى الفاتيكان وبابا روما (1963) كان لها أثر طيب في التقريب بين أطروحاته والمواقف المسيحية منه.
وقد تحرك الإمام الصدر في هذا الاتجاه متأثراً بتجربة تنظيمية إصلاحية حاول من خلالها مع زملاء له في الحوزة الدينية في قم (إيران) أن يحدثوا تغييراً في طريقة عمل المرجعية الشيعية وعلماء الشيعة (في زمن المرجع السيد حسين البروجردي) متأثرين بتجربتهم المزدوجة، أي الدراسة الحوزوية الكلاسيكية والدراسة الجامعية (في جامعة طهران). وقبل انتقاله إلى لبنان كان قد مر بحوزة النجف في العراق حيث قضى أربع سنوات قريباً ومنسجماً مع تجربة التحديث والمأسسة التي خاضتها جمعية منتدى النشر الإصلاحية بقيادة الشيخ محمد رضا المظفر والسيد محمد تقي الحكيم (أسست كلية الفقه وعدداً من المؤسسات الثقافية والتربوية). وفي إطار هذه الجمعية التقى بالإمام الشيخ شمس الدين الذي كان ناشطاً فيها في شبابه وأستاذاً للتاريخ الإسلامي في كليتها.
منذ أواخر عام 1958 حتى عام 1964 نهاية ولاية الرئيس فؤاد شهاب، بقي السيد الصدر يتحرك على أساس أفكاره وطموحاته في تعميم الوعي النهضوي الشيعي على أساس وطني لبناني، من أجل تأهيل الشيعة لأنفسهم كي يكونوا فاعلين أكثر في واقع الوطن والدولة، بعدما أبدوا جدارة ورغبة وسعياً مشكوراً وأسهموا في بناء لبنان بعد الاستقلال.. وذلك عائد إلى أن نهج فؤاد شهاب تميز بالتفاتة إلى القوى الناهضة في لبنان. وكان الإمام الصدر منحازاً لهذا النهج لأنه رأى فيه مؤشراً لتحقيق طموحاته بإنصاف المناطق والطوائف بالتنمية الحديثة والمتوازنة، وتخفيف ضغط أمراء الطوائف من خلال إعطاء رأس المال الوطني والكفاءات العلمية فرصتها. ولكن تجربة فؤاد الشهاب ما لبثت أن تعثرت في منتصف عهده بسبب المحاولة الانقلابية التي قام بها الحزب السوري القومي الاجتماعي الذي كان حتى وقتها محسوباً على تيارات اليمين المتفاهمة مع الغرب، والمعادية للاتجاهات القومية العربية والرئيس ناصر تحديداً، ما جعل أجهزة المخابرات تقفز إلى الواجهة وتمسك بزمام الأمور لينتهي عهد فؤاد شهاب وقد توقفت تجربته، إلا من استمرار شكلي طوال عهد الرئيس شارل حلو 1964ـ1970 الذي تحول إلى غطاء لسياسة الأجهزة التي عطلت المسيرة التنموية وأفسحت المجال للقوى الحزبية اليمينية ذات الطابع المسيحي أن تقوى وتتسع وتتعاون مع الزعامات القديمة التي تخطاها فؤاد شهاب فعطلت التجربة الشهابية ما جعل الإمام الصدر موضوعياً في وجه الزعامة التقليدية الشيعية التي جددت نفوذها بانتخاب سليمان فرنجية رئيساً على موجب عضويته في تيار الوسط بين النهج الشهابي والحلف (كتائب، وطنيون، أحرار، كتلة وطنية) إلى جانب الركنين الفاعلين صائب سلام وفرنجية (الوسط).
في هذه الأثناء كانت نكسة عام 1967 قد حدثت وكشفت الخلل في رؤية وحركة الأحزاب العربية واللبنانية فتقدمت المقاومة الفلسطينية بديلاً وحركة لمواجهة النكسة وإزالة آثارها. وارتكبت أخطاءها في الأردن فلم يسمح لها ببديل للأردن إلا في لبنان حيث تمددت المقاومة إلى الجنوب فدخل الشيعة في مسار جديد ما جعل الإمام الصدر يعجل بحسم أمره في مناصرة المقاومة. (حركة فتح تحديداً بسبب اعتدالها وقبل اختراق اليسار لصفوفها). وكان يهدف فيما يهدف إلى ضبط الإيقاع الشيعي في إطار المقاومة حتَّى لا يذهب في اتجاهات مدمرة مركزاً على حركة المطالبة لربط الشيعة بالدولة، ما أدخله في جدل حاد مع الدولة، ودعاه إلى إعلان الإضراب العام في عهد شارل حلو. في هذه اللحظة أعاد الصدر إلى التداول فكرة حاول أن ينفذها عام 1965، وهي تأسيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى. ولم يتمكن حينها، بسبب معارضة الزعامة التقليدية وحلفائها من رجال الدين للفكرة، فجاءت الأحداث اللاحقة مشجعة له، وسانده الرئيس شارل حلو والقوى السياسية المتعاونة معه. فتمكن وفي ظروف صعبة أن يجتاز مخاضة التأسيس عام 1969 على معارضة من القوى الشيعية التقليدية وتشكيك من اليسار اللبناني.
وكانت غايته من ذلك، أنه بعدما رأى الطوائف الأخرى منظمة في مؤسسات دينية قائدة، أن يحول المجلس إلى قناة تنظيمية للصفوف الشيعية في المجالات كافّة وطريقاً إلى الدخول في الدولة بما يناسب حجم الشيعة وفعاليتهم ودورهم في حماية الحدود الوطنية ضد إسرائيل.
وهكذا تبلور في الوسط الشيعي محوران محور الإمام الصدر الديني الإصلاحي ومحور الزعامة التقليدية بواجهتها المعروفة (مسنودة بعدد من علماء الشيعة ذوي النزعة الكلاسيكية والذي سبق لهم أن تربوا على أفكار الأربعينيات والخمسينيات التي انكفأ فيها النشاط الديني إلى العادي واليومي من الشؤون العبادية والتوزع بين القوى السياسية النافذة.
وعندما اشتدت قوة هذا المحور المعارض للإمام الصدر في أوائل السبعينيات ورئاسة الرئيس سليمان فرنجية وعودة الحيوية إلى الزعامة الأسعدية بسبب دور كامل الأسعد في رئاسة فرنجية والانتصار على النهج الشهابي، لجأ الإمام الصدر إلى حركة مطالبة واسعة بعد دراسة تفصيلية للفراغات البنيوية في مناطق الشيعة.
وظلّ يصعد إلى سنة 1974 وأقام مهرجانين كبيرين جداً في البقاع والجنوب جعلا أجهزة الدولة تجري حساباتها وتمتنع عن تحقيق المطالب لأن ذلك يعني زعامة مطلقة ودائمة للإمام الصدر شيعياً وذات مدلولات وطنية وقومية نظراً لسعة وعمق علاقاته العربية.
وشهدت هذه الفترة تعاوناً ملحوظاً بين بعض القيادات الدينية الشيعية والزعامات السياسية الشيعية من جهة وبين الدولة الإيرانية مباشرة أو عبر سفارتها في لبنان وسفيرها المتحدر من (السافاك) منصور قدر. وكانت الجهود موجهة ضد الإمام الصدر الذي سحب منه جوازه الإيراني، خاصة بعدما مارس دوره في منع الدولة اللبنانية من تسليم المتهم بالتآمر على الشاه الفار مسؤول المخابرات الإيرانية سابقاً تيمور بختيار، ونسيب الشاهبانو ثريا البختيارية المطلقة من الشاه، إلى الدولة الإيرانية بالتفاهم مع صبري حمادة رئيس مجلس النواب وأجهزة فاعلة في الدولة.
عاجلت الحرب اللبنانية جميع اللبنانيين.. فأصر الإمام الصدر على انحيازه للسلم الأهلي وحرصه على كشف وفضح محاولة كل الأطراف لإعطاء الحرب طابعاً دينياً، موقناً بأن السلم الأهلي مهما يكلف من تنازلات وأوجاع ومضايقات واتهامات، هو الأنسب للشيعة ولكل الطوائف، وهو مدخل الشيعة الأنسب إلى الدولة والوطن... ومن هنا كان طوال فترة الحرب وحتى تغييبه مصراً على إيقافها ما جعله يدفع أثماناً باهظة نتيجة اتفاق اليمين واليسار على استمرار الحرب وعلى الخصام لكلِّ الذين سعوا إلى إيقافها.
وعلى مدى السنتين التاليتين لما سمي حرب السنتين في لبنان (75ـ76) أي عام (77و78) كان هناك طلب مبهم تلتقي عليه أطراف عدة محلية وعربية ودولية، هو إخراج المقاومة الفلسطينية من لبنان. وقد دفعت المقاومة من قبل اليسار اللبناني إلى ممارسات خاطئة، كان الهدف منها إدخالها في حرب داخلية أخرى، حتى يتم إخراجها على أساس الفتنة، ولكن الصبر والحذر الذي أبداه الإمام الصدر تجاه هذه المسألة جعل جميع المتواطئين يحسون بأنه عقبة.. وهو مصر على التحمُّل حتى لا يتحول صمود الشيعة ونضالهم الطويل إلى خيانة، فعوقب على موقفه بتغييبه.
وقد كان الإمام الصدر عندما فاجأته الحرب اللبنانية والتحاق الأجيال بالأطراف المشاركة فيها سياسياً وعسكرياً، أدرك خطورة اندفاعات الشيعة نحو الأحزاب والميليشيات اليسارية والقومية، فأسس حركة المحرومين كإطار سياسي شيعي مفتوح على الطوائف الأخرى وحركة أمل كجناح عسكري مهمته الأساس التصدِّي للعدو الصهيوني وضعاً للبندقية الوطنية في الاتجاه الصحيح وإبعاداً لها عن المشاركة في الحرب الأهلية.
وفي لحظة ما، وقبيل سفره إلى ليبيا التي لم يعد منها حتى الآن، أدرك الإمام الصدر أن البعد العسكري السائد من خلال أمل قد استغرق حركته كلها واختزلها بضغط من ظروف الحرب القاهرة وقناعة كل الأطراف بأن من يشارك في الحرب لن يكون له نصيب على مائدة التسوية، وهو (الصدر) مصر على تحقيق مطالب الشيعة سلماً لا حرباً ومن خلال الدولة. ففكر بالعودة إلى أجواء وآليات حركة المحرومين. على حساب المستوى العسكري كما نقل عنه آخر زواره قبل سفره الأخير. وفي هذه الأثناء كانت علامات الثورة الإسلامية في إيران قد بدأت بالظهور وكان الجميع يعرفون موقعه المحتمل بقوة في إيران وقدرته على تشكيل القناة الحصرية للعلاقات الإيرانية العربية لاحقاً. وكان لا بُد للحرب اللبنانية أن تستمر.. فتم تغييبه فتراجعت معه حركة المحرومين، أمَّا المجلس الشيعي كمؤسسة فقد توفر في الإمام شمس الدين ما جعل الحيوية تظهر فيها من دون أن تدخل في أعماقها، أي أن المجلس تحول إلى الحالة التي يصفها البعض بأنَّ الفارق فيها بين عهد الإمام الصدر وعهد الإمام شمس الدين أن الأول كان قائداً في مؤسسة بينما الثاني كان قائداً من دون مؤسسة ولأسباب تدخل في التغيير العميق في موازين القوى الشيعية.
وقد استدعى استمرار الحرب وغياب الإمام أن تنهض حركة أمل بمسؤولية الشيعة في لحظة اهتزت فيها صورة اليسار ما أتاح للرئيس نبيه بري أن يظهر في الواجهة مدعوماً من قوى معتدلة في الصف الوطني والفلسطيني فضلاً عن الدعم السوري والرضا الإيراني بعد نجاح الثورة مباشرة. وقد استفادت حركة أمل وحتى الاجتياح عام 1982 من وهج الثورة الإسلامية والدولة الإيرانية وتحولت إلى محور غالب في استقطاب الجمهور الشيعي، ما مكن الأستاذ نبيه بري لأن يدخل إلى فضاء الدولة وزيراً قوياً بعد الاجتياح وفي عهد الرئيس أمين الجميل وليبدأ بعدها مسيرة تصاعدية ملحوظة لم يخفف من وتيرتها إلا تشجيع إيران لقيام التنظيم الشيعي الموازي على قاعدة المقاومة، أي حزب الله، الذي تسلح بالأيديولوجيا الدينية الناهضة وبالدعم الإيراني ليخوض منافسة مع حركة أمل انتهت إلى الصراع المعروف. وفي الأثناء كان الحزب يستقطب مناضلين قدامى في صفوف المقاومة الفلسطينية وحركة فتح خصوصاً وفي صفوف اليسار اللبناني، إضافة إلى أعداد وافرة جداً من كوادر وقيادات حركة أمل ذات الأطروحة الدينية والتي أتت إليها من أطر حزبية شيعية ذات أصول عراقية وامتدادات لبنانية (حزب الدعوة).
في هذه الأثناء كان اسم الشيخ محمَّد مهدي شمس الدين يطل ويغيب، وإن كان موقعه الفكري والفقهي المميز الملحوظ منذ حضوره إلى لبنان أواسط التسعينات آتياً من تجربة علمية حوزوية معمقة وتجربة فكرية حديثة من خلال كلية الفقه وتجربة عملية ميدانية من خلال قربه ووكالته عن المرجع القوى في العراق السيد محسن الحكيم، في أهم مدن ومناطق الفرات الأوسط (الديوانية) منذ أواخر الخمسينيات وأيام الجموح الشيوعي في ظل عبد الكريم قاسم وتصدي المرجعية له.. وفي حين ظل الإمام شمس الدين مصراً على الاستنكاف السياسي والبعد عن حركة المجلس والإمام الصدر من دون عداء له. في أواسط الستينيات إلى عام 1975. عادت أجواء السيِّد محسن الحكيم بعد وفاته، وبلحاظ أن هذه الأجواء من خلال أبنائه وأحفاده وتلامذته من العراقيين واللبنانيين قد عاشت استمراراً فاعلاً نسبياً، فقد استطاعت أن تقنع الشيخ شمس الدين بالدخول في المجلس الشيعي، فانتخب عضواً في الهيئة الشرعية للمجلس وهو غائب في لندن بالتفاهم مع الإمام الصدر عام 1975 مع تفاهم آخر صريح على أن يكون نائباً للرئيس لاحقاً وهكذا كان.
وطوال فترة نيابته بوجود الإمام لم يكن حريصاً على التمايز عن الإمام إلى أن غاب الإمام الصدر فاضطر الإمام شمس الدين لمواصلة خطِّه ومنهجه في تبني حركة المحرومين، التي آلت إلى حركة أمل (أفواج المقاومة) وقيادة المجلس الشيعي الأعلى ومعارضة الحرب والانحياز للسلم الأهلي ونقد المقاومة الفلسطينية من دون عداء لها والتأييد المتروي للثورة الإيرانية مع الإصرار على أن يكون فهم الساحة اللبنانية مشتركاً مع القيادة الإيرانية، وفي الانفتاح على الجو العربي عموماً... وربما لأنه لم يكن حاملاً لأطروحة الحركة وإنما كان يشعر أنه ملزم بها كإرث صدري وكضرورة شيعية أخذت علامات التمايز بينه وبين الحركة تظهر بين لحظة وأخرى إلى أن حصل الافتراق بعيد الاجتياح الإسرائيلي فابتعد معه عدد من الكوادر والقيادات وأصبحت التمايزات أعمق ومن دون قطيعة كاملة بناءً على تقييم حركة السادس من شباط 1984 ومشاركة أمل فيها في مواجهة الدولة.
ثُم إن الإمام قد وصل تمايزه عن حركة أمل حداً بعيداً عندما أعلن مشروعه في المقاومة المدنية الشاملة بعد الاجتياح وأسس لهذه المقاومة جناحاً عسكرياً، وبقي الإمام على اعتبار نفسه أباً روحياً للحركة وإن كانت الحركة اعتبرته عمها وفي حين أصر الإمام على استقلاليته والتعاطف مع إيران على أساس مبدئي وجدل واسع في التفاصيل، كانت بعض القوى الإيرانية تحاول حصاره وإضعافه وهو يستقوي على ذلك كله بالإصرار على الاستقلالية في الرأي والعمل ومن دون عداء.. ولذلك كان حذراً ومحذراً من مقدمات الفتنة بين حركة أمل وحزب الله.. وعندما انفجرت الحرب بينهما حاول أن يكون متوازناً وعلى مسافة واحدة من الجميع كما عبر ولكن البعض لم يقبل منه ذلك ودخل معه في سجال حاد ما جعله يبدو أكثر قرباً من الطرف الآخر (أمل) وعاد ليرتاح في نهاية المطاف وبعد المصالحة متعاطفاً عاطفاً على الجميع متحمساً لحركة أمل وحاجتها المعلنة والمضمرة إليه رغم الخلاف على التفاصيل واحترام حزب اللَّه استغنائه عنه من دون أن يؤدي ذلك إلى القطيعة الكاملة.
وعلى مفصل السلم الشيعي الشيعي الذي ترافق مع بداية السلم الأهلي اللبناني واتفاق الطائف الذي أعلن قبوله به كاتفاق ضرورة داعياً إلى تطويره من خلال تطبيقه، أخذ الإمام شمس الدين يرفع وتيرة نشاطه الفكري وحراكه السياسي في الداخل الشيعي من خلال المجلس ومن خلال التعاطي اليومي مع الدولة والأطراف السياسية عموماً بصرف النظر عن اتجاهها السياسي أو تكوينها الطائفي ومن خلال تحسسه لانتماء لبنان العربي وضرورة لبنان للعرب وضرورة العرب للبنان، أخذ الإمام يوسع علاقاته وحواراته مع الدول العربية والقوى السياسية في هذه الدول إلى أن استطاع أن يحقق موقعاً متقدماً في وعي المسؤولين العرب والقوى السياسية العربية مكنه من أن يتدخل في أمور ذات حساسية عالية من دون أن يثير أي حساسية. واستطاع بوعيه لضرورة الحوار بين الدولة والمجتمع، وبين المسلمين، وبين المسيحيين والمسلمين في لبنان وفي الخارج أن يتحول إلى رمز وطني وعربي وإسلامي.. ما جعل ترسيم أواسط التسعينات للمجلس الإسلامي الشيعي مناسبة وطنية وعربية ذات مصداقية مكنته على مفاصل الاجتياح الإسرائيلي و1993 و1996 أن يقوم بحركة في وسط المؤسسات الروحية القائدة في لبنان كشفت النبض الوطني اللبناني وأسست لحالة حوار ووفاق وطني وتضامن مع المقاومة ضد العدوان الإسرائيلي مما كان علامة على إمكانية ترسيخ السلم الأهلي في لبنان وقطع ذاكرة الحرب.
بوفاته خلا مكانه الذي يصعب ملؤه، وقد أصبح المجلس الإسلامي الشيعي بحاجة الى تحريره من كثير من الشروط التي كانت ذات مدخلية في تأسيسه على يد الإمام الصدر ولكنها تغيرت جذرياً بحيث أصبح الاختصاص الديني هو المكان والشأن الحصري للمجلس الشيعي الأعلى ما يقتضي إعادة وضع قانون حديث لبنيته وهيكليته من خارج الإملاءات المتمايزة والمتحالفة والمتنافسة في ذات الوقت.. من أجل المجلس ومن أجل الشيعة ومن أجل لبنان ومن أجل هذه الأطراف جميعاً ومن أجل النهوض بالشأن الديني الذي اتسع وأصبح ضاغطاً في اتجاه تنظيمه بعيداً عن التداخلات السياسية، وليس بالضرورة في وجهها.
قد لا يكون رحيل الإمام شمس الدين سبباً تاماً لهذه الإطلالات ولكنَّه قد يكون مؤشراً وباعثاً عليها.

       قـضـايـا