النهار 30-07-2007

الحرية مقدّمة على الحق في الدستور اللبناني

طارق زيادة

نصت مقدمة الدستور اللبناني بعد التعديل على ان "لبنان جمهورية ديموقراطية برلمانية، تقوم على احترام الحريات العامة، وفي طليعتها حرية الرأي والمعتقد".
كما ان المادة التاسعة من الدستور نصت صراحة على ان: "حرية الاعتقاد مطلقة والدولة بتأديتها فروض الإجلال لله تعالى تحترم جميع الاديان والمذاهب وتكفل حرية اقامة الشعائر الدينية تحت حمايتها على ان لا يكون في ذلك اخلال في النظام، وهي تضمن ايضا للأهلين على اختلاف مللهم احترم نظام الاحوال الشخصية والمصالح الدينية".
ونصت المادة الثالثة عشرة من الدستور اللبناني على ان:
"
حرية ابداء الرأي قولا وكتابة وحرية الطباعة وحرية الاجتماع وحرية تأليف الجمعيات كلها مكفولة ضمن دائرة القانون".
وهكذا يتبين بوضوح ان الحرية مقدمة على الحق بل هي اساسه الفلسفي والطبقي، وهذا امر اساسي في لبنان، ودون ان اذهب الى وجهة ميثولوجية، في علاقة لبنان بالحرية، ولا ان اضع تلك العلاقة في دائرة الجوهر والماهية، ولا ان اردد مع القائلين ان لبنان والحرية توأمان او صنوان، ابقى على مثل اليقين بأن الحرية ساهمت مساهمة كبرى في الصيغة اللبنانية الحديثة، بل كانت العامل الاساس في بلورة هذه الصيغة القائمة على ارادة اللبنانيين، افرادا وجماعات، في العيش في مجتمع حر يوفر الكرامة الانسانية لابنائه.
واذا كنت اريد ان افسر تعلق اللبنانيين بصيغتهم الوطنية القائمة على ارادة واحدة وتوافق صريح بأن يكون نظامهم حرا، فان ذلك مرده الى ان فريقا كبيرا من اللبنانيين وجد في لبنان ملاذا لحرية المعتقد، وان فريقا آخر من اللبنانيين تقاطع مع الفريق الاول على نقطة الوصل التي اشاعها مناخ الحرية وطقسها في لبنان، بحيث نتج عن ذلك الاتصال مفهوم عميق واحد للبنان من انه وطن للحرية والكرامة الانسانية.
ان النظام اللبناني بأسره مبني على قاعدة الحرية دون ان يعني ذلك ان هذا النظام هو النظام الديموقراطي الامثل، اذ كما يردد الرئيس سليم الحص عن حق "في لبنان كثير من الحرية وقليل من الديموقراطية"، على ان الشعور بالحرية عند اللبناني يجعله اكثر وعيا لصعوبات واقع مجتمعه، ويشكل دافعا له لحل هذه الصعوبات وتجاوزها نحو مجتمع ارقى. اذ كلما كان الانسان اكثر حرية كلما تطلب ان يسيطر في مجال الواقع والتطبيق على ظروفه ومقدراته، بل على مصيره.
والواقع ان في لبنان افتراقا في التطبيق بين نظام الحرية ونظام الديموقراطية لعله الافتراق بين الحرية  والحق، اذ ان هناك التباسا بين مفهومي الحرية والديموقراطية انعكس التباسا بين الحريات الدستورية والممارسات الفعلية التطبيقية على ارض الواقع التي تجسدها المعوقات الطائفية والعشائرية والمناطقية.
اولا – بصدد حرية المعتقد: ان للحرية الدينية وجهين اساسيين هما: حرية الضمير او الايمان من جهة اولا وحرية العبادة او ممارسة الشعائر الدينية من جهة اخرى.
اما حرية العبادة وممارسة الشعائر الدينية فلا شك في انها مطلقة في لبنان، بمعنى انه بوسع اللبناني ان يمارس او لا يمارس العبادة والشعائر الدينية.
ولكن حرية الاعتقاد التي وصفتها المادة التاسعة من الدستور بأنها مطلقة فان دونها عوائق عديدة في الواقع اللبناني تحول دون ممارستها بالرغم من ان الهيئة العامة لمحكمة التمييز اعتبرت ان تغيير الدين هو ادخل في ثنايا الضمير مما لا يمكن الجزم معه أنه يحصل احيانا لتحقيق مأرب مثل الطلاق.
والحقيقة ان المادة التاسعة من الدستور ربطت الحرية الدينية على ما يقول الدكتور ادمون رباط في وسيطه (ص 865) "بالنظام الطائفي الذي يفرض على كل لبناني بأن ينتمي الى طائفة من طوائفه الرسمية وهي وضعية تجعل حرية الضمير مقيدة، اذ ان اللبناني لا يستطيع ان يبقى طليقا في حياته الاجتماعية وممارسته حقوقه السياسية، من الاطار الطائفي الذي ولد فيه او انتسب اليه".
وبالرغم من ان القرار 60 ل.ر. الصادر عن المفوض السامي بتاريخ 13/3/1936 (ابان الانتداب الفرنسي على لبنان وسوريا) قد بيّن امكان انشاء طائفة القانون او الحق العادي الا ان ذلك لم يحصل رغم انقضاء سبعين عاما على صدور القرار.
ان النظام الطائفي يتعارض مع حرية المعتقد لأنه يشكل حجرا عليها بما يفرض من سلطة ابوية تصوغ المواقف التي يتوجب على ابناء الطائفة اتباعها والا اعتبروا خارجين عليها، وهو يتعارض مع جوهر الدين لأنه يشوّهه ويحوله الى عصبية عدا عن ان النظام الطائفي يحول دون المساواة وتكافؤ الفرص في مختلف مجالات الحياة الوطنية، ويضعف الولاء الوطني والانتماء للدولة وينسج هشاشتها وهو يفعّل ازمة النظام ويساعد على تفجيرها، ويفسح المجال لمراكز القوى الداخلية ان تحد من تطوير النظام الديموقراطي، كما يفسح المجال للقوى الخارجية اللاعبة على الارض اللبنانية لتستغل هذا الواقع لتفريق الصفوف.
ان المنطق الطائفي يبيح للكيانات الطائفية ان تتحصن بما تسميه حقوقا (امتيازات، ضمانات، حصانات) لتمنع التطبيق السليم لحرية المعتقد وحرية الرأي وسائر الحريات الاساسية.
ومع ان بعض المشتغلين بالقانون الدستوري رأوا ان الدولة غير محايدة في مسألة الاعتقاد بالله تجاه الملحدين، الا ان النَفَس العام للدستور اللبناني هو نَفَس ليبرالي ولاسيما انه لم يكرس دينا للدولة ولا لرئيسها في النص. الا ان الميثاق الوطني القائم عليه لبنان كرس ضمنا توزيع الرئاسات والمقاعد الوزارية وسواها، في انتظار تنفيذ الوعد الوارد في مقدمة الدستور من ان: "الغاء الطائفية السياسية هدف وطني اساسي يقتضي العمل على تحقيقه وفق خطة مرحلية".
اشارت المادة التاسعة الى ان حرية الاعتقاد وممارسة الشعائر الدينية تحت حماية الدولة "على ان لا يكون في ذلك اخلال في النظام العام"، وهذا امر مهم جدا لأن فكرة النظام العام Ordre public نسبية ومتطورة، وتفسح في المجال لتطوير الاوضاع نحو الاحسن، وهي على كل تدفع في اتجاه فكرة المساواة بين المواطنين وبين الطوائف بحيث ان حرية المعتقد لدى طائفة لا يمكن ان تقوم على الاساءة الى حرية الاعتقاد لدى الآخرين، وفكرة المساواة تعني المساواة بين الطوائف واجهزتها ذاتها امام القانون بشكل لا يفصل طائفة على اخرى لأي داع، بشكل يبطل معه المجلس الدستوري اي قانون يمس مبدأ المساواة، كما يمكن لمجلس الشورى استنادا الى فكرة المشروعية Légalité المنبثقة عن مجموعة القوانين اللبنانية ابطال اي قرار اداري مخالف لذلك النظام العام.
ثانيا: بصدد حرية الرأي التي اعلنتها المادة 13 من الدستور مكفولة ضمن دائرة القانون، دون ان تطلق عليها صفة الاطلاق، كما نص الدستور بالنسبة لحرية الاعتقاد، يجب التنويه بأنه يفترض بأن لا يطولها القانون طالما انها لم تتعد باب التعبير بشرط عدم الاساءة للغير. وهذه الاساءة تتخذ اذا توافرت فيها العناصر المقتضاة شكل الجرائم المنصوص عنها في قانون العقوبات: التحقير والذم والقدح والجنح التي تمس الدين وفيها التجديف.
اما بشأن حرية الطباعة والنشر – والتي لا تقوم حرية الرأي بدونها – فينضوي نظامها القانوني في القوانين المتعلقة بالمطابع والنشر ولاسيما وسائل الاعلام على اختلافها.
وأهم هذه القوانين قانون المطبوعات الذي يحظر في المادة 27 منه "اصدار اية مطبوعة صحافية قبل الحصول مسبقا على رخصة..." كما انه نظم احكاما دقيقة بشأن انشاء دور النشر وبيع المطبوعات وكل ذلك يستدعي ترخيصا كما ان المرسوم الاشتراعي الرقم 74 تاريخ 13/4/1953 حدد عدد المطبوعات الدورية السياسية.
ولا بد من الملاحظة بشأن حرية الرأي ان المراجع الدينية تتدخل في مراقبة الكتب والافلام، كما حصل مثلا بالنسبة الى كتاب الدكتور صادق جلال العظم "نقد الفكر الديني" مما حمل النيابة العامة على الادعاء عليه، الا ان القضاء الجزائي كف التعقبات بحقه في حكم شهير.
هذا وان المادة 15 من المرسوم الاشتراعي رقم 112/1959 تحظر على الموظف "ان يلقي او ينشر بدون اذن كتابي من الرئيس المختص في وزارته خطبا او مقالات او تصريحات او مؤلفات في جميع الشؤون"، وقد احتج الاساتذة الجامعيون على تطبيق هذه المادة بحقهم، علما انه في البلاد الراقية الاستاذ الجامعي الذي لا يؤلف ولا ينشر يعتبر انه اخلّ بأهم مكونات عمله.
وفي الخلاصة، ان دولة يسودها نظام حر وديموقراطي ما زالت مطرح تطلع اللبنانيين التواقين الى ان تقوم دولتهم بدورها الكامل المنافي للاستبداد، ايا كان مصدره، والمكرس للحريات وفي طليعتها حرية المعتقد وحرية الرأي والتعبير التي لا تجد ضمانتها الحقيقية الا في قضاء مستقل يكون هو الحكم والفصل في قضايا الحريات وتطبيقها.

طارق زيادة     
(
الرئيس السابق لهيئة التفتيش القضائي).

       قـضـايـا