|
بين "عثمانية" قانون 1909 زمنيا، وليبراليته مضمونا
وفعليا، تصطف أعداد هائلة من الجمعيات التي أتاحت
للمجتمع المدني اللبناني، بحيويتها، أن يكون رائدا في
هذه المنطقة من العالم حيث اذا اجتمع اثنان، كان
الثالث بينهما رجل أمن او مخابرات. وبين 1909 و2007،
كمّ هائل من التجارب والدروس التي تضع في الميزان سمو
الحرية من جهة، وضرورة الامن من جهة أخرى. ولعل السجال
الذي شهده لبنان أول من أمس خير دليل على ضرورة مقاربة
هذا الموضوع "بميزان جوهرجي"، كما يقال بالعامية، فلا
تسقط أي من الضرورتين المتساويتين بترجيح احداها على
الاخرى، بل تسيران معا بخطين متوازيين، في مناخ من
الحرية الدستورية وتحت مجهر الرقابة القانونية.
أولا – في حرية الجمعيات،
كمبدأ دستوري
رغم الاسبقية الزمنية لقانون الجمعيات الصادر عام 1909
على الدستور اللبناني الصادر عام 1926، فان الاول يبدو
وكأنه استبق ما نص عليه الثاني من تكريس لحرية انشاء
الجمعيات عندما جاء في المادة 13 منه ما حرفيته: "حرية
ابداء الرأي قولا وكتابة وحرية الطباعة وحرية الاجتماع
وحرية تأليف الجمعيات كلها مكفولة ضمن دائرة القانون".
وبذلك فان ضمانات تلك الحرية الدستورية وضوابطها تندرج
في اطار التنظيم التشريعي الذي أتى به قانون 1909
وتعديلاته اللاحقة (وأبرزها القانون الصادر بالمرسوم
10830 تاريخ 9/10/1962، بعد محاولة الانقلاب الفاشلة
عام 1961). وهذا يعني ان أي تضييق على حرية الجمعيات
يحتاج الى مصادقة اشتراعية مسبقة ولا يمكن السلطة
التنفيذية ان تضع قيودا لم يضعها المشترع او ان تتخذ
تدابير تحد من حرية تأليف الجمعيات. ولا بأس من
الاشارة الى أن ثمة فلسفة قائمة حول حرية الجمعيات
وضرورة التمسك بها وحرص الدستور على ذكرها وتكريسها.
فالتشكل ضمن جمعيات هو شكل من أشكال التعبير
الديموقراطي وهو جزء من حركة المجتمع المدني، وهو يشبه
ولادة الجنين: فحرية تأليف الجمعية هي كالحق في
الحياة، وأما تربية الجنين متى أصبح طفلا ومواكبة
نموه، فهي الرقابة اللاحقة التي لا بد منها والتي لا
تلغي الحق في ولادة الجمعية. ولعل أهم ما يبرر الحماية
الدستورية للجمعيات هو الحرص على عدم اخضاع السياسي
منها لمزاج او استنساب او محاباة السلطة التنفيذية
السياسية القائمة، فترفض "الترخيص" لمن يعارضها وتكثر
من الجمعيات الموالية. وهنا تكمن بالضبط أهمية نظام
"العلم والخبر".
ثانيا – نظام "العلم
والخبر":
يرمي نظام "العلم والخبر" الى الحؤول دون تدخل السلطة
– أي سلطة – في نشوء الجمعية وتأليفها وتعديل أنظمتها
لاحقا، لما هو الامر عليه في نظام "الترخيص" الذي لا
يزال معتمدا في بعض الدول النامية، والذي اعتمدته
حكومات لبنانية سابقا تحت عنوان الامساك بالجمعيات
واجراء الرقابة عليها. وبحسب نظام العلم والخبر، فان
الجمعية تنشأ بمجرد التقاء مشيئة مؤسسيها واتفاقهم على
أهدافها، على ان تُعلم الحكومة بذلك، فتأخذ، هي، علما
وخبرا. والهدف من ذلك مزدوج، أولا تأكيد حرية تأليف
الجمعية فلا تخضع لموافقة مسبقة من السلطة، وثانيا
تمكين السلطة من الرقابة اللاحقة على الجمعية، اعتبارا
من تاريخ ورود الاوراق اليها، حماية للأمن وللسلامة
العامة. واللافت في ذلك ان تأسيس الجمعية ونشوءها يتم
بمجرد العلم والخبر، حيث سلطة الادارة هي سلطة مقيدة (Compétence
liée)،
ولا استنساب فيها، في حين أن حل الجمعية يحتاج الى
مرسوم في مجلس الوزراء، وفي ذلك أيضا تأكيد على تحصين
الجمعيات ضد أهواء سلطة ما في زمن ما.
اما ما درج عليه لبنان حتى الامس القريب بموضوع
الجمعيات، فكان دون أي شك مخالفة صارخة للدستور
ولقانون الجمعيات، اذ تحول نظام العلم والخبر – دون أي
تعديل في القانون – الى نظام الترخيص، وباتت الادارة
تتحكم استنسابيا في "منح الترخيص" او رفضه، فسقطت
الضمانات الدستورية لمصلحة "زبائنية" دخلت حيز
الجمعيات ايضا، تحت عناوين مختلفة أبرزها ضرورة
الامساك بحركة الجمعيات التي تريد بالبلد سوءا، وكأن
جمعيات "الاشرار" (كما يسميهم قانون العقوبات) تنتظر
علما وخبرا او ترخيصا للعبث بالامن تهديدا. وكان أوضح
تعبير عن نظام الترخيص هو بلاغ صدر في 16/1/1996 عن
وزير الداخلية، يضيق الخناق على آليات العلم والخبر
ويخترع عقوبات لم ترد في قانون 1909 ولا في تعديلاته،
كسحب العلم والخبر، مثلا. وقد تقدمت "جمعية الدفاع عن
الحقوق والحريات – عدل "بمراجعة أمام مجلس شورى الدولة
طعنا بهذا البلاغ، فصدر قرار المجلس مبطلا البلاغ
ومؤكدا حرية الجمعيات.
ثالثاً – في إعادة الاعتبار
قضائياً لحرية الجمعيات
شكل قرار مجلس شورى الدولة، برئاسة القاضي غالب غانم،
الصادر في تلك المراجعة بتاريخ 18/11/2003 اعادة
اعتبار لمبدأ حرية الجمعيات من اعلى مرجع قضائي اداري.
فقد ابطل مجلس الشورى البلاغ المذكور وقرر "ان حرية
الاجتماع وتأليف الجمعيات هي من الحريات الاساسية التي
كفلها الدستور اللبناني ووضعها ضمن دائرة القانون في
المادة الثالثة عشرة منه. ولا يجوز بالتالي وضع قيود
على تأسيسها واجازة حلها الا بنص قانوني، ولا يجوز
اخضاعها لجهة صحة تكوينها لاي تدخل مسبق من جانب
الادارة ولا حتى من جانب القضاء". وتابع القرار في
حيثياته: "ان سلطة الادارة في سحب العلم والخبر من
الجمعيات المرخص لها مقيدة بأصول واجراءات معينة
وتقتصر على ثبوت انحراف الجمعية عن الغايات التي اجيزت
من اجلها وخروجها في اعمالها عن اهدافها المشروعة بغية
حظر قيام الجمعيات السرية التي انحرفت عن اهدافها بعد
ثبوت عدم شرعية نشاطها". وعلى ذلك، فان مجلس شورى
الدولة يكون، بإبطاله البلاغ المطعون فيه، قد اعلن عدم
قانونية جميع التدابير التي تتخذها الادارة خلافاً
للقانون، وعلى رأسها "نظام الترخيص" الذي حل – تعسّفاً
- محل نظام العلم والخبر.
رابعاً – في اعادة الاعتبار
الادارية
بعد اقل من سنتين على صدور قرار مجلس شورى الدولة،
اتخذ مجلس الوزراء في جلسته المنعقدة في 8/8/2005
قراراً قضى "بتحرير الترخيص للجمعيات"، وانطوى القرار،
بكل بساطة، على اعادة تطبيق قانون 1909 واعادة
الاعتبار لنظام العلم والخبر ولحرية الجمعيات، تالياً.
فالقرار لم يعدّل شيئاً، بل اعاد تطبيق القانون بعد
سنوات طويلة على تعليقه، منسجماً تماماً مع ما انتهى
اليه قرار مجلس شورى الدولة المنوّه عنه. وبتاريخ 19
ايار 2006 (وليس في 19 آب كما ورد في التحقيق)، اصدر
وزير الداخلية والبلديات بالوكالة آنذاك، الدكتور احمد
فتفت "تعميماً" (رقم 10/ ام/ 2006) يتعلق "بتحديد آلية
جديدة في اخذ الوزارة العلم والخبر بتأسيس الجمعيات في
لبنان وتسهيل هذا الامر تطبيقاً لاحكام قانون الجمعيات
الصادر عام 1909 وتعديلاته". هذا التعميم جاء ليضع
حداً لاستنساب الادارة في تطبيق نظام العلم والخبر وفي
قبولها او عدم قبولها تأليف الجمعيات، وهو مكفول
دستورياً. اهمية التعميم، بكل بساطة، انه اعاد تطبيق
القانون، لا اكثر ولا اقل، وحدد آلية تتوافق تماماً مع
نظام العلم والخبر كما نص عليه قانون 1909، على ما
اكده ايضاً قرار مجلس شورى الدولة. وبمعزل عن اي
اصطفاف سياسي، فإن هذا التعميم يشكل، موضوعياً، ترجمة
فعلية لتلك الحرية وينطوي على آليات واضحة تحول دون
استنساب الادارة، بل تضعها في اطار السلطة المقيدة، في
حال توافرت لدى المؤسسين الشروط المطلوبة قانونا. ومن
هذه الزاوية، ليس التعميم منتجاً لاية حقوق سوى تلك
التي نص عليها القانون والتي جاء التعميم ليكرسها.
واذا كان التحقيق يثير مخاوف حقيقية من انزلاق بعض
الجمعيات في اتجاهات اخرى، فالعبرة تبقى في الرقابة
اللاحقة، علماً ان القانون يتيح حل الجمعيات في حالات
معينة، ولا يجوز ان تمنع جمعيات تعمل ضمن سقف القانون
من الافادة من نظام العلم والخبر، بسبب جمعيات لا تأبه
للقانون، وغالباً ما لا تتقدم من وزارة الداخلية بأية
اوراق.
خامساً – في الضمانات بعد
التأسيس
ثمة ثلاثة انواع من الضمانات تحول دون استغلال نظام
العلم والخبر لغير الغاية التي وضع من اجلها، وهي:
1 – المحظورات التي وردت في المواد 3 و4 و6 من قانون
الجمعيات لعام 1909. فقد نصت المادة 3 على انه "لا
يجوز تأليف جمعيات مسندة على اساس غير مشروع مخالف
لاحكام القوانين والآداب العمومية او على قصد الاخلال
براحة المملكة وبكمال ملكية الدولة او تغيير شكل
الحكومة الحاضرة او التفريق سياسة بين العناصر
العثمانية المختلفة، ويرفض اعطاء علم وخبر بها وتحل
بمرسوم يصدر في مجلس الوزراء". وفي حين منعت المادة 4
"تأليف جمعيات سياسية اساسها او عنوانها القومية او
الجنسية"، فقد منعت المادة 6 ايضاً تأليف الجمعيات
السرية التي لا تعطي بيان تأسيسها حال تأليفها (مع
عقوبات مالية وجزائية – المادة 12 من القانون).
2 – الصلاحية المعطاة للضابطة العدلية بتفتيش
الجمعيات، شرط مراعاة ضرورة استصدار مذكرات وفق الاصول
عن المراجع المختصة، وفي السياق عينه الاوراق السنوية
التي فرض القانون (منذ 1962) على الجمعيات ان تقدمها
الى وزارة الداخلية والبلديات وكذلك موجب اعلام
الادارة بأي تبديل يحصل في مركز الجمعية او هيئتها
الادارية او اي تعديل في انظمتها.
3 – النصوص التي وردت في قانون العقوبات حول جمعيات
الاشرار والجمعيات السرية (المواد 335 الى 337) التي
تعاقب جزائياً على تأليف الجمعيات "بقصد ارتكاب
الجنايات على الناس او الاموال او النيل من سلطة
الدولة او هيبتها او التعرض لمؤسساتها المدنية او
العسكرية او المالية او الاقتصادية".
وبذلك، يبدو واضحاً ان التزاوج بين الحرية والقانون،
والحزم في تطبيقها ممكن. ولا بد من تأكيد ضرورة الحرية
بقدر ضرورة الامن ولا تعارض بينهما في قانون الجمعيات،
بل المطلوب رقابة لاحقة جدية تصل الى حد حل الجمعية
وملاحقة المرتكبين فيها قضائياً. حذار ان نسقط
حرياتنا، العثمانية المنشأ (وقانون 1909 مقتبس عن
قانون 1901 الفرنسي الذي لا يزال مطبقاً في فرنسا) تحت
عناوين امنية تجد معالجتها بموازاة الحرية وليس
بمواجهتها. |