|
تطرح التطورات المتسارعة التي تشهدها المنطقة، من
الخليج حتى البحر المتوسط،
والتي تنعكس على الأوضاع في لبنان أسئلة من طبيعة
وجودية على اللبنانيين عموماً
والمسيحيين خصوصاً، الذين يتعرضون لحملة تخويف مبرمجة،
الغاية منها تعطيل دورهم
الكياني. وآخر ما تم ابتكاره في هذا المجال اقتراح حل
يقضي بتعديل اتفاق الطائف
لجهة استبدال المناصفة بالمثالثة، كتعويض لـ"حزب الله"
على تخلّيه عن سلاحه، الأمر
الذي يؤدي الى انهاء الوجود المسيحي الفاعل في لبنان.
يواجه المسيحيون في هذه المرحلة المصيرية سؤالا من
طبيعية وجودية يتلخص في
الآتي: هل هم أقلية يتوجب عليها الدفاع عن حضورها
ووجودها الحر في مواجهة الأكثرية،
أم هم جماعة ينبغي لها العمل مع الجماعات الأخرى على
رسم مستقبل مشترك لها
وللآخرين؟
في الحالة الأولى، من حق الأقلية الدفاع عن حقوقها
الخاصة ومن حقها
على الأكثرية أن تعترف لها بهذه الحقوق، لكنها لا
تستطيع تخطي الحيز الخاص بها
والمطالبة بدور لها مع الأكثرية في تحديد الخيارات
العامة التي تعني الجميع.
اما
في الحالة الثانية، فلا يوجد أقلية وأكثرية بل جماعات
تمتلك كل منها خصوصيتها
وتتشارك في ما بينها على قدم المساواة في رسم مستقبلها
المشترك وتوفير الضمانات
للجميع من دون تمييز.
في زمن الوصاية السورية جرت محاولة لتحويل المسيحيين
الى
أقلية ودفعهم الى تسليم أمرهم للسلطة السورية في مقابل
"حمايتهم" من "خطر الهيمنة
الاسلامية" عليهم. وقد تولى بعضٌ ممن تسلّموا مقاليد
السلطة في ذلك الزمن مهمة
اقناع المسيحيين بالتخلي عن دورهم التاريخي في الدفاع
عن الكيان، في مقابل حصولهم
على حماية توفرها سوريا. وذهب البعض الى حد التنظير
لهذا الخيار من خلال الحديث عن
"حلف
الأقليات ضد الاكثرية".
سقط هذا المنطق مع صدور بيان المطارنة الموارنة
الشهير في 20 أيلول 2000، وهو البيان الذي افتتح معركة
استعادة استقلال لبنان
وسيادته. وقد جاء في هذا البيان ما حرفيته: "لقد تحمل
اللبنانيون، طوال ربع قرن
الكثير، من اذلال وامتهان لم يتعودوه. وناموا على
الضيم اياما وليالي، وصبروا على
ما حل بهم من خراب ودمار، وارتضوا، على مضض، حرمانهم
حقهم في تسيير امورهم،
واعتبارهم قاصرين في حاجة دائمة الى وصاية (...) لقد
خرجت اسرائيل من جنوب لبنان
(...)
أفلم يحن الوقت للجيش السوري ليعيد النظر في انتشاره
تمهيدا لانسحابه نهائيا،
عملا باتفاق الطائف؟".
في 20 أيلول 2000، حسم المسيحيون أمرهم، فرفضوا المنطق
الأقلوي الذي حاولت الوصاية السورية فرضه عليهم ودخلوا
في مواجهة صعبة مع النظام
السوري الذي ركّز جهده على عزل الحالة المسيحية ومنعها
من التواصل مع المسلمين كي
لا تتحول الى حالة وطنية. لكنه فشل في ابقاء الفصل بين
اللبنانيين ولم يستطع منع
قيام معارضة لبنانية. فلم يبق أمامه من خيار سوى
اعتماد سياسة القتل. فكان اغتيال
الرئيس رفيق الحريري.
إن الانجاز الذي ساهم المسيحيون في تحقيقه بعدما
أعادوا
تواصلهم مع المسلمين كان له الأثر الكبير في لبنان
والمنطقة:
-
فهم ساهموا في
ولادة الاستقلال الثاني الذي يتميز عن الأول بأنه
استقلال "شعبي" تجاوز النخب
السياسية والقيادات الحزبية.
-
وساهموا في إعادة لبنان الى خريطة العالم بعد
غياب وتغييب داما طويلاً، فأصبحت القضية اللبنانية
محوراً اساسياً في اهتمامات
العالم.
-
وساهموا في انهاء زمن الانظمة الاستبدادية التي شلّت
تطور العالم
العربي وأخرجته من التاريخ، وذلك من خلال إسقاطهم
منظومة الهيمنة السورية على لبنان
بالوسائل السلمية والديموقراطية بينما فجّر سقوط
النظام العراقي بالوسائل العنفية
حرباً دموية لا تزال مستمرة بعد أربعة أعوام على
اندلاعها.
-
وهم يساهمون اليوم
في بلورة مفهوم جديد لنظام المصلحة العربية لا يتأسس
هذه المرة على فكرة شمولية
-
ايديولوجيا "العروبة" في المفهوم البعثي -، بل على
التعاون في القضايا المشتركة
والتضامن حولها خارج منطق الإلغاء أو الاستتباع.
لكنه لم يتوافر للبنانيين لا
الوقت ولا الوسائل الكافية لتثبيت هذه الانجازات. ففي
غضون أيام قليلة أعقبت الرابع
عشر من آذار 2005، شنَّت القيادة السورية حملة شرسة
للعودة بالبلد الى ما كان عليه
قبل انتفاضة الاستقلال: من اغتيالات ومحاولات اغتيال
لقادة الحركة الاستقلالية
وقادة الرأي، الى تفجيرات متنقلة استهدفت المدنيين،
الى الاعتداءات على الجيش
اللبناني والقوات الدولية، الى العمل على تعطيل
المؤسسات.
واستهدفت هذه الحملة
المسيحيين بصورة خاصة، فاهتزت ثقتهم بأنفسهم وبشركائهم
نتيجة سياسة التخويف التي
مورست في حقهم، ونتيجة أخطاء تمحورت في مجملها حول
مسألتين أساسيتين:
-
مسألة
الانتخابات النيابية، من القانون حتى التحالفات، حيث
لم تحسن حركة الرابع عشر من
آذار شرح الملابسات التي رافقت هذه المسألة: من الخيار
الذي فرض عليها بين القبول
بقانون الـ 2000 أو تأجيل موعد الانتخابات، الى
التحالف الرباعي الذي كانت غاية
حركة 14 آذار منه الافساح في المجال أمام الحزبين
الرئيسيين في الطائفة الشيعية
للمشاركة في دولة ما بعد الوصاية، فيما استُغلت صورة
التحالف الرباعي "المسلم"
لتأليب الرأي العام المسيحي ودفعه الى الالتفاف
الغرائزي حول زعامة مسيحية أحادية
في مواجهة الزعامات الاسلامية.
-
مسألة المشاركة السياسية التي بدت غير متوازنة،
وخصوصاً بعد انفراط عقد "لقاء قرنة شهوان" قبيل
الانتخابات النيابية، ما ساهم في
ارساء انطباع لدى عدد من المسيحيين بأن القيادات
المسيحية في 14 آذار ملحقة
بالقيادات الاسلامية، الأمر الذي دفعهم الى البحث عن
"زعيم" يستطيع الوقوف في وجه
الزعماء الآخرين.
سيطر على المسيحيين نتيجة الحملة السورية التي
استهدفتهم
والأخطاء التي رافقت المسيرة الاستقلالية، شعور بالخوف
على المصير والدور، فانكفأ
البعض منهم، واندفع البعض الآخر في اتجاه زعامة زيّنت
لهم أنها تستطيع، بحكم صلاتها
بعواصم القرار في الخارج، أن تفرض توازناً في مواجهة
القيادات الاسلامية الأخرى.
فانتهى الأمر بمقايضة تقضي بالتخلي عن الدور الذي
اضطلع به المسيحيون في معركة
الاستقلال وقطع صلاتهم مع المجتمع الدولي في مقابل وعد
بالحصول على "ضمانات"
و"حقوق" بواسطة سوريا وايران والقوى المحلية التي
واجهت الحركة الاستقلالية. هكذا
عادت الأمور بالنسبة الى هذا الفريق المسيحي الى ما
كانت عليه في زمن الوصاية عندما
كانت القيادات المسيحية التابعة لسوريا تستخدم عامل
الخوف لاقناع المسيحيين بالتخلي
عن السيادة في مقابل "حمايتهم" من "خطر" المسلمين.
اليوم، أتى من يجدد العرض ذاته
عليهم لتأمين حمايتهم من "الخطر السني"، متجاهلا
التحولات التي أحدثها الرابع عشر
من آذار، والتي جعلت من شعار "لبنان أولا"، وهو شعار
المسيحيين التاريخي، شعاراً
اسلامياً بامتياز.
دفع هذا المنطق الأقلوي ذاك الفريق المسيحي الى
الانتقال
من موقع الى آخر: من مواجهة النظام السوري الى تبرئته
من كل ما يحصل في لبنان من
قتل وتفجير وتخريب، وذلك بذريعة أنه أصبح خارج لبنان
بعد انسحاب جيشه في نيسان
2005؛
ومن دعم الشرعية الدولية الى مواجهتها واعتبارها سلطة
وصاية على لبنان؛ ومن
دعم الدولة في أن تكون صاحبة الحق الحصري في امتلاك
القوة المسلحة الى دعم سلاح
"حزب
الله" في مواجهة الدولة؛
لقد كان لهذا الانتقال من موقع الى آخر نتائج
كارثية أهمها:
-
ابقاء الأزمة الوطنية مفتوحة من خلال تعطيل آليات
التغيير
الديموقراطي على مستوى المؤسسات الدستورية، ومساعدة
النظام السوري على استمراره في
التحكم بقرار رئاسة الجمهورية اللبنانية.
-
العودة بالمسيحيين الى هواجس
الذمّية بتخويفهم من الطائفة السنية، فيما كانت هذه
الطائفة تعبّر، بقوة غير
مسبوقة، عن التزامها لبنان، ودفعهم في الوقت ذاته الى
الاحتماء بـ"حزب الله" الذي
يجاهر بتحالفه الاستراتيجي مع النظامين السوري
والايراني.
-
وضع المسيحيين في
مواجهة مع المجتمع الدولي والمصلحة العربية المشتركة،
بجعلهم في دائرة الاستخدام
الايراني لعدد من الأوراق في المنطقة من أجل إقرار
دولي بدور ايران الأقليمي. هذا
بالإضافة الى الترويج في البيئة المسيحية لخطاب يحث
على كراهية الغرب والعرب
والشرعية الدولية، الأمر الذي يطعن في السياق الثقافي
التنويري للمسيحيين في لبنان
والشرق.
لكن النتيجة الأخطر تمثلت في الاعتقاد الذي تولد لدى
"حزب الله" بعد
تحالفه مع هذا الفريق المسيحي بأنه أصبح يتمتع
بـ"أكثرية" اسلامية -مسيحية تؤهله
لإعادة الامور الى ما كانت عليه قبل الرابع عشر من
آذار 2005. وهذا ما دفعه في 12
تموز 2006 الى اختطاف جنديين اسرائيليين من خارج "الخط
الأزرق"، فواجه اللبنانيون
حرباً مدمِّرة لم يختاروها، ويتوجَّب عليهم دفع
تكلفتها، كما وجدوا أنفسهم على خط
مواجهة كونية بين "إسلام جهادي" تقوده ايران الساعية
الى اعتراف بدورها الاقليمي،
وبين قوى دولية تريد فرض "أجندتها" على المنطقة.
انتهت حرب تموز بإقفال الجبهة
الجنوبية وفقاً لمقتضيات القرار الدولي 1701، فارتد
"حزب الله" ومعه فريق من
المسيحيين نحو الداخل وسار في خطة للانقلاب على السلطة
من خلال ضرب المؤسسات
الدستورية واحتلال وسط العاصمة، ومحاصرة السرايا
الحكومية، وتعطيل عمل الوزارات
والقيام بـ"انتفاضة الدواليب".
إن أخطر ما في هذا المنطق الأقلوي الذي برز بعد
الرابع عشر من آذار 2005 هو أنه يدفع في اتجاه اخراج
المسيحيين من الحاضر والمستقبل
وتحويلهم الى أقلية محكومة بهموم ضيقة غير معنية بما
يجري من حولها. ولعل الضجة
التي أثارتها مسألة استبدال الجمعة العظيمة بـ"إثنين
الباعوث" في توزيع أيام العطلة
خير دليل على هذا الأمر. يبرز خطر التهميش هذا، وهو
تهميش "ذاتي" غير مفروض كما
كانت الحال في الحقبة السورية، في اسلوب مقاربة
التحولات الرئيسية التي يشهدها
لبنان والمنطقة والتي يتوقف على نتائجها مستقبل
اللبنانيين ومستقبل المسيحيين في
لبنان والشرق، فينظر أصحاب هذا المنطق الأقلوي الى
الصراع الدائر في لبنان والمنطقة
على أنه مجرد صراع مذهبي بين السنّة والشيعة من دون أن
يدركوا أن المرحلة التي
يشهدها العالم العربي هي مرحلة تحول تاريخية شبيهة في
مضمونها بتلك التي عاشتها دول
اوروبا الشرقية بعد سقوط جدار برلين.
هذا التهميش الناجم عن سياسة
الخوف والتخويف التي تعرض لها المسيحيون بعد الرابع
عشر من آذار 2005 ليس قدراً لا
يمكن مواجهته. ففي زمن الوصاية السورية، جرت محاولات
عدة لـ"احباط" المسيحيين
واخراجهم من الحياة السياسية، لكن المسيحيين نجحوا في
التصدي لها عندما حسموا أمرهم
واتخذوا قرارهم بتحمل مسؤولياتهم الكيانية دفاعاً عن
كل لبنان. فقدر المسيحيين هو
الدفاع عن الكيان. وحمايتهم لا تأتي الا من حماية
الكيان، وتحتاج استعادة الدور
المسيحي في الدفاع عن الكيان الى شروط ثلاثة:
الشرط الأول هو الاقرار النهائي
بأن المسيحيين "ليسوا أقليّة ترتبط بعلاقات جوار
وتساكن مع الآخرين، وتبحث عن سبل
لتنظيم تعايشها مع الأكثريّة والمحافظة على خصوصيّتها.
إنّهم جماعة لها دور فاعل من
خلال تواصلها وتفاعلها مع كلّ الجماعات لرسم مستقبل
مشترك لها ولهم، يقوم على
المبادئ التي تؤمّن للإنسان حريّته وتحفظ كرامته وتوفر
له العيش الكريم" (المجمع
البطريركي الماروني).
الشرط الثاني هو استعادة الموقع الذي يجسد هذا الدور
المسيحي في الدفاع عن الكيان، وهو موقع رئاسة
الجمهورية الذي لا تزال سوريا تصادره،
والذي تحول، بسبب هذه المصادرة بالذات، من ضمان لحماية
الكيان الى خطر على هذا
الكيان. وتصطدم استعادة هذا الموقع بحملة مبرمجة تراوح
أهدافها بين تعطيل الموقع
وافراغه من مضمونه:
-
التعطيل من خلال اعطاء الاقلية الحق في منع قيام
مؤسسات
الدولة، في حين أن الحقوق المعطاة الى الأقلية في
دساتير العالم كلها تتعلق بتعطيل
بعض قرارات الدولة، لا بتعطيل قيامها.
-
الافراغ من خلال طرح فكرة "الرئيس
التوافقي" الذي يقبل به الأطراف المتصارعون ولا يكون
مع فريق ضد آخر. ماذا يعني
التوافق في هذه الحال؟ وكيف يمكن "التوفيق"، على سبيل
المثال، بين من يعمل على جعل
لبنان قاعدة متقدمة لحلف خارجي وبين من يطالب بأن تكون
الدولة وحدها صاحبة قرار
الحرب والسلم؟ وهل المطلوب من الرئيس المقبل أن لا
يكون صاحب مواقف لكي يكون
"توافقياً"؟
إن التعطيل، مهما تباينت الآراء حول النصاب الدستوري،
أمر مرفوض.
أما التوافق الذي يتحدث عنه البعض، فهو غير الوفاق
المطلوب. فالرئيس الجديد لن يكون
"توافقياً،
بل وفاقي قادراً على اجتراح تسويات نبيلة بين مصالح
مشروعة متعارضة، لا
أن يعمل، من منطلق التوافق، على البحث عن مساومات بين
مشاريع فئوية متناقضة. فمهمة
الرئيس الوفاقي هو أن يكون حكماً ومرجعاً ورمزاً
للوحدة الوطنية، الأمر الذي يضع
حداً للمقولة التي استخدمت لتبرير كل أشكال الوصايات
الخارجية على لبنان، الا وهي
غياب المرجعية الداخلية التي يمكن الاحتكام اليها لبتّ
الخلافات وتالياً الحاجة الى
وصاية خارجية تضبط الحياة السايسية لحماية السلم
الأهلي.
الشرط الثالث والأهم،
هو استعادة المسيحيين لجوهر الرسالة التي هي في أساس
وجودهم وتمايزهم، الا وهي
رسالة التواصل والانفتاح التي تتجسد في "العيش معاً"،
"متساوين في حقوقنا
والواجبات، ومختلفين في انتماءاتنا الثقافية
والطائفية" (المجمع البطريركي
الماروني). إن استعادة هذه الرسالة هي المدخل لإعادة
التواصل بين المسيحيين
والعالم، ذلك أن اهتمام العالم بلبنان اليوم لم يعد
اهتماماً بلبنان القائم على
"طائفة
ممتازة"، كما كانت الحال في مراحل تاريخية سابقة، إنما
هو اهتمام غير مسبوق
بنموذج العيش المشترك الذي تزداد الحاجة اليه مع
ارتفاع منسوب العنف والنبذ
والإقصاء في معظم انحاء الشرق الأوسط.
إن قرار "العيش معاً" يتطلب أولاً
الشجاعة:
-
الشجاعة في الإقدام على "العيش معاً"، متجاوزين
مخاوفنا الطائفية
المتحدرة من الماضي، وغير باحثين عن "أمان زائف"
يُغرينا به الانغلاق داخل "قبيلة"
ما، أكانت قبيلة طائفية أم حزبية، تقليدية أم "حديثة"،
موروثة أم اختيارية، محكومة
لرمزية دينية أم محددة بلون أو راية أو شعار.
-
الشجاعة في الإقدام على "العيش
معاً"، من دون أن يشكّك أحدنا في الآخر، ومن دون
اعتبار الفروق مع الآخر المختلف
سبباً لتراتبية من أي نوع تسوّغ السيطرة عليه أو
إقصاءه. فأن تكون مختلفاً عن
الآخر، لهو أمرٌ لا ينطوي على أي حكم قيمي. إنه بكل
بساطة تعبير عن حالة طبيعية
وحقيقة مجتمعية.
-
الشجاعة في الإقدام على "العيش معاً"، مدركين أن
مستقبلنا
المشترك لا يرتسم لمرة واحدة والى الأبد، بل يتطلب
عناية دائمة وتسويات متجددة،
ومدركين أيضاً أن هذا القدر من "اللايقين" الاجتماعي
ليس حالة شاذة، وانما هو ملازم
لكل علاقة اجتماعية.
وهذا القرار يتطلب أيضاً، وخصوصاً، ذكاءً وفطنة:
-
فطنةً
تجعلنا ندرك أن العلاقة مع "الآخر" المختلف ليست فقط
ضرورة يُمليها علينا واقع
العيش في مجتمع متنوّع، بل هي مصدر غنى لكل منا
ولجميعنا. ذلك أن شخصيتنا إنما
تتكوّن وتتشكّل من خلال علاقتها بالآخر الذي يضيف
اليها أبعاداً جديدة. وهذه
الإضافة تكون كبيرة وغنية بمقدار ما يكون الآخر
متنوعاً.
-
ذكاءً يجعلنا ندرك أن
غنى مجتمعنا وأسلوب عيشنا لا يتأتّيان من مجرّد
التجاور والمساكنة بين طوائف
مختلفة، بل من "العيش معاً" الذي يربط ما بين الطوائف
بأواصر المودة والاحترام،
والذي يجعل من المجتمع اللبناني بيئة نموذجية للتفاعل
الانساني. هذا في زمن بات
موضوع "العيش معا"، ولا سيما في ظل المتغيرات الكبرى
التي أحدثتها وتحدثها العولمة،
يمثل تحدياً كبيراً على صعيد الانسانية جمعاء.
-
فطنةً تجعلنا ندرك أن لبنان لا
يستطيع التماثل مع أيٍّ من مكوّناته الطائفية. لكل
طائفة خصائصها ومميزاتها، ولكن
لبنان لا يختزل بواحدة منها، كما أنه لا يشكل حاصل جمع
حسابي لتلك المكوّنات. إنه
أسلوب عيش لعدد من الطوائف معاً، وهذا العيش معاً، أو
العيش المشترك، هو جوهر وجود
لبنان في هذا العالم، وسبب فرادته في منطقة تقوم دولها
جميعاً على فكرة الانصهار
والعصبية القومية.
هذه الشروط الثلاثة هي المدخل الى "عودة" المسيحيين
الى
حقيقتهم ودورهم. وهذه "العودة" هي شرط أساسي من شروط
انقاذ لبنان.
|