|
يعاني لبنان من أزمة اقتصادية خطيرة في أثرها على
الدولة والمجتمع، تفاقمها
مديونية تقلّص الخيارات التنموية المفترض بالاقتصاد
الوطني التأسيس لها. وفي مواجهة
هذه الأزمة، لم ينجح أكثر الفرقاء اللبنانيين، وفي
طليعتهم اليساريون، في تقديم
رؤية إقتصادية وبرنامج إصلاح "واقعي" يترجم الشعارات
المنادى بها (تنمية وتكافؤ فرص
وعدالة اجتماعية) الى سياسات ومشاريع قوانين، أو حتى
الى ما هو أبعد من التحليل
للأزمة وأسبابها.
من هنا، نعتقد(1) أنه من الضروري للإصلاحيين
واليساريين إن
أرادوا إحداث تغييرات بنيوية في الاقتصاد اللبناني، أن
يعمدوا (بالترافق مع عملهم
السياسي والشعبي) الى إنتاج برامج واقعية، تزاوج
الإمكان بالمرتجى من دون الاكتفاء
بالشعارات (ولو كانت محقة) غير القابلة للتنفيذ. مع
الاستدراك والقول إن السعي الى
ما هو أبعد من الممكن راهناً يبقى ضرورياً وواجباً،
لكنه وحده لا يعوّض غياب
الأفكار البنّاءة حول ما ينبغي القيام به من الآن
للبدء في مسار متدرّج لبناء عدالة
اجتماعية تحمي المواطنين جميعاً(2(
وإذ نقول هذا، لا ندّعي على الإطلاق اجتراح
جديد متكامل في ما سنذهب إليه، بل نطلق دعوة من موقع
يساري للتفكّر في سبل صياغة
برنامج إصلاحي ممكن وتحصينه بمشاريع القوانين الضرورية
لإقراره والنضال السلمي
لدعمه.
على أن ذلك يفترض قبل طرح الخطوط العامة للبرنامج،
تأكيداً على أن لا
إصلاح اقتصادياً جدياً ممكناً ما لم يرافقه إصلاح
سياسي يؤسس لتخطي الزبائنية ونظام
المحاصصة المذهبي، وإصلاح إداري يلغي طائفية الوظيفة
ويعيد الاعتبار لامتحانات
الجدارة ولهيئات الرقابة (ويوفّر تالياً عشرات ملايين
الدولارات المهدورة سنوياً)،
وإصلاح قضائي يعلي سلطة القانون من خلال بناء قضاء
مستقل وفاعل.
وبالعودة الى
الجانب الاقتصادي، يتطلب أي تشخيص للمتوخى من البرامج
الاصلاحية بحثاً إلزامياً في
فهمنا لدور الدولة اللبنانية في الحياة الاقتصادية إن
لجهة المالية العامة وما
تقتضيه من سياسات ضريبية وتثبيت نقد وتحديد فوائد وضخ
عملة، أو لجهة دورها في تنشيط
الحركة الاقتصادية وتأمين بنية تحتية تمكّن الصناعة
والزراعة والسياحة وسائر
القطاعات الانتاجية والخدماتية من التطور وتخفف عنها
الكلفة جاذبة إليها
الاستثمارات، أو لجهة تأمينها الخدمات الاجتماعية
الصحية والتعليمية وحفاظها (أم
لا) على القطاع العام بحجمه الراهن (المتضخم والمستلزم
اقتطاع جزء كبير من
الموازنات العامة لتمويل الإنفاق عليه أجوراً وتعويضات
وإيجارات وصيانة وما الى ذلك
من إنفاق بات في ظل الفساد يستنزف مبالغ طائلة)(3).
كما يتطلب موقفاً من الخصخصة
(في
بعض القطاعات حيث تتراكم الخسائر منذ عقود وحيث
الإصلاح الإداري لم يعد كافياً
لتعويمها) يخرج من "إيديولوجيا التنديد بها" أو من
"اعتبارها الحل السحري لجميع
المشاكل"، ويرفضها أو يوافق عليها بعد دراسة جدواها
الاقتصادية وما قد تؤمنه للدولة
من مداخيل، وبعد التدقيق بدفاتر الشروط المقترحة لها
(أسعار المؤسسات المقترح
بيعها، وطريقة البيع وشفافيته، وهوية المشتري،
والضرائب التي يفترض أن تسدّدها
الشركات الشارية للدولة والضمانات الاجتماعية التي
عليها توفيرها للموظفين). ويمكن
أن تضاف الى ذلك، مشروطية تخصيص عائداتها لسداد الدين
العام(4)، تماماً مثل تخصيص
مردود تسوية المخالفات على الأملاك العامة (لا سيما
البحري منها) الواجب بتّها
بأسرع فرصة لتسديد هذه الديون.
وإذا كنا نسلّم اليوم أن المديونية وما تسبّبه
من امتصاص لما يقارب 37% من الموازنة العامة سنوياً
لخدمتها هي المشكلة الأخطر التي
يعاني منها لبنان(5)، فإن المعالجات يجب أن تكون
مركّبة بحيث تخفف من وطأة الديون
وتؤمن تسديداً لها من ناحية، وتؤسس لتنمية إقتصادية
تبتعد عن استسهال سياسة
الاستدانة السارية من ناحية ثانية، عبر توسيع الناتج
المحلي وزيادة النمو وتقليص
عجز الموازنة والحد من الإنفاق ذي الطابع الزبائني(6(.
ونقترح لذلك البحث في
البنود الآتية:
-
مراجعة السياسات المالية لجهة خفض الفوائد تدريجاً على
سندات
الخزينة بهدف تحفيز الاستثمار.
-
التفاوض مع القطاع المصرفي للتخفيف مرحلياً من
عبء خدمة الدين العام على الموازنات السنوية من خلال
إعادة جدولة بعض الفوائد
المستحقة له، خاصة أنه الدائن الأساسي للدولة وأن
أرباحه في السنوات الماضية نتيجة
السياسات المالية المعتمدة كانت كبيرة.
-
تصميم نظام ضريبي جديد للبنان يزيد
الضريبة التصاعدية على الدخل ويخفض الضريبة على القيمة
المضافة والضرائب غير
المباشرة التي تصيب جميع اللبنانيين بالمقدار نفسه،
ويرفع الضرائب على المواد
الاستهلاكية الفخمة كما على نقل الملكيات الكبرى.
-
رفع الضرائب على التبغ
الأجنبي والكحول المستوردة (واستخدام الضرائب لتمويل
المستشفيات الحكومية
وتطويرها(.
-
دعم القطاعات المنتجة وتأمين البنية التحتية المناسبة
لتشجيع
الصناعات التحويلية ذات التنافسية التفاضلية إقليمياً
(من الصناعات الكهربائية
الصغيرة الى الأغذية والزيوت والمعلبات(.
-
خفض الرسوم المؤثرة على كلفة
الانتاج لتعزيز الصناعة (مناطق صناعية تخفّض كلفة
الكهرباء فيها والنقل منها
وإليها(.
-
دعم الزراعة اللبنانية من خلال قروض ميسّرة للمزارعين،
ومن خلال
اعتماد سياسة تصدير لقسم من منتجاتهم الى الخارج
وإعادة البحث بسياسة الاستيراد
العشوائية المعتمدة لمواد ينتجها المزارعون اللبنانيون
بكميات كافية للسوق المحلية،
وتدريبهم على تقنيات الري والاستصلاح الحديثة (مع
إعادة النظر في بعض السياسات
الرسمية في شراء محاصيل معينة سنوياً تحوّلت منذ فترة
الى ما يشبه "الخوّة"
الطائفية والمناطقية لا جدوى اقتصادية أو اجتماعية
كبيرة منها(
-
تطوير مرافئ
بيروت وطرابلس وصيدا وصور تجارياً للتعامل مع العمق
العربي (سوريا والعراق والأردن
والخليج(
-
البحث في إعادة العمل بخط سكك حديد تجاري ساحلي يمكن
ربطه مستقبلاً
عبر سوريا بتركيا ويخفف كلفة التصدير والاستيراد.
-
دعم المؤسسات الصغرى
والمتوسطة من خلال القروض الميسّرة والحوافز الضريبية
وسياسات الإيجارات التشجيعية
المعتمدة لها وفق دفاتر شروط واضحة.
-
تعزيز الخدمات المصرفية وتطويرها
والاستفادة من بعض تجارب قبرص في هذا المجال، والسير
بإجراءات قانونية مدروسة تحد
بالتدرّج من السرية المصرفية (وتوصل بالنهاية الى
إلغائها(.
-
خفض أسعار الخدمات
المؤثرة على الاستقطاب السياحي والترويج للسياحة
المختلفة المستوى ومحاولة جذب
الاستثمارات الخارجية لخلق فرص عمل جديدة فيها.
-
إيجاد الحلول لمعضلة مؤسسة
كهرباء لبنان لجهة ضبط الفساد والهدر فيها واعتماد ما
يضمن للمواطن فاعلية خدماتها
وللدولة عائدات تغطي كلفة تقديمها (وكما ذكرنا سابقاً،
من دون الرفض أو التبني خارج
البحث العلمي لجدوى خصخصتها وشروط ذلك(.
-
كسر الاحتكارات في سوق المحروقات
والنفط، كما في سوق الأدوية وفتحها ضمن المواصفات
العلمية الضرورية للتنافس بما
يحقق تراجع أسعارها.
-
تطوير قطاع النقل والمواصلات من خلال خطة حديثة تربط
المدن اللبنانية ببعضها وتؤمن تواصلاً داخل المدن بين
الأحياء والتقاطعات الرئيسية
على نحو يمكّن المواطنين من التنقل براحة وأمان وبكلفة
مدروسة تغطّي موازنة القطاع
(إن
كان عاماً) وتوظف أية ربحية في عمليات صيانة وتطوير
دائمين.
-
فتح الباب
أمام المعوقين جسدياً للانخراط في دورة العمل والإنتاج
(مع ما يتطلبه ذلك
لوجيستياً(
ويجب ألا تسقط المعايير البيئية في أي بحث في
الإجراءات والقضايا
السالفة، نظراً لما للبيئة السليمة من آثار اقتصادية
وصحية وقيميّة إيجابية على
لبنان وأهله. ويمكن التفكير في وضع معايير تحدّد
المستوى الأعلى المسموح به من
"التلويث"
في المصانع والمؤسسات، وفرض الضرائب على تلك التي
تلامسه، وتوظيف مردودها
في برامج بيئية وصحية في المناطق المتضررة حيث ينبغي
العمل في الوقت نفسه على
محاصرة التلويث وصولاً الى الأخذ بكل التقنيات
والأساليب السليمة التي يمكن أن
تستبدل تلك المعتمدة اليوم (من المحارق ونفايات
المستشفيات ومعامل التربة والإسمنت
الى الكسارات والأحياء الصناعية، إلخ...).
في القضية الاجتماعية
لا تنفصل
القضية الاجتماعية بأي شكل عن الإصلاح الاقتصادي
والمالي وعما ينبغي أن تؤمنه
موازنة الدولة اللبنانية من إنفاق اجتماعي يترجم
سياستها في هذا المجال دعماً
للأولويات الآتية:
-
التعليم الرسمي والجامعة اللبنانية.
-
الضمانات الصحية
والاستشفائية.
-
ضمان الشيخوخة.
-
الحق في المسكن.
وإذ نرى أن الإنفاق
الاجتماعي واجب على الدولة لما يؤمّنه من حد أدنى من
تكافؤ الفرص بين المواطنين،
نعتبر أن رفع المستوى التعليمي في لبنان وحماية الصحة
يوفران على اللبنانيين
إنفاقاً باهظاً يمكن أن يوظف في مجالات عديدة تنشط
الحركة الاقتصادية، ويؤمنان
تنمية إنسانية ثابتة في تطورها وكفاءة علمية ومهنية
عالية التنافسية محلياً
وإقليمياً. كما انه يقلص من الزبائنية السياسية التي
غالباً ما تتموضع في الخدمات
الصحية والتربوية (والتوظيفات)، ويضعف تالياً من شبكات
الطائفية وما تؤمنه
لمستخدميها من امتيازات.
على أن ذلك يستلزم:
-
إصلاحاً عميقاً لمؤسسات
التعليم العام، وإقفال ملف التعليم الخاص المجاني
العالي الكلفة، وتشجيع التعليم
المهني والاختصاصات المعلوماتية فيه.
-
وضع خطة للنهوض بالجامعة اللبنانية
وتحديث مناهجها وتنظيم إدارتها ودعم البحث العلمي في
كلياتها وهيكلة فروعها وفق
رؤية لامركزية بعيدة عن أوهام التوحيد المركزي لجميع
فروعها من جهة والتفريع
المناطقي العشوائي والطوائفي من جهة ثانية(7(
كما أنه يتطلب:
-
إعادة النظر
في شكل الخدمات الصحية ودور صناديق الضمان وضرورة
توحيدها (الضمان الصحي والاجتماعي
وتعاونية موظفي الدولة وخدمات الاستشفاء والطبابة
المختلفة للأجهزة الأمنية
والعسكرية) تلافياً للهدر ورفعاً لمستوى الأداء.
-
إعتبار برامج الإرشاد
والوقاية الصحية أساسية.
-
تأمين الاستشفاء والدواء وفق بطاقات صحية شخصية
ممكننة تمنع التلاعب وتسمح بمراقبة الانفاق الصحي
ومعالجة الخلل فيه.
-
ربط
كليات الطب والصيدلة والتمريض في الجامعة اللبنانية
(وغيرها من الجامعات)
بالمستشفيات الحكومية ومختبراتها.
-
مساواة المرأة بالرجل لجهة التقديمات
والاستفادة منها ومن التعويضات الاجتماعية.
-
إعتبار المتابعة الصحية للحمل
والإنجاب والعناية بالطفل الرضيع إلزامية ومجانية.
ويعطف على ذلك ضمان الشيخوخة
وتأمين الرعاية الصحية للمتقدمين بالسن كي لا تتبخر
مدّخراتهم وتعويضات نهاية
الخدمة التي يتقاضون نتيجة إنفاقهم الطبي، أو كي لا
يتحمل أبناؤهم كلفة هذا الانفاق
وما يسبّبه من مصاعب لذوي الدخل المحدود.
ويجدر أيضاً البحث في وضع سياسة إقراض
للسكن بفوائد مخفضة، وتشجيع المصارف الخاصة على
اعتمادها. كما يمكن دعم سياسات
بلدية لبناء مجمعات سكنية في مناطق وشروط محددة
وبمواصفات تتيح لذوي الدخل المحدود
الاستئجار لفترات طويلة
(8)
يبقى طبعاً أن إحقاق هذه المطالب ومتابعة تنفيذها
والضغط لحماية المكتسبات الاجتماعية جميعها يتطلب وجود
حركة نقابية فاعلة
ومستقلة(9). وقد بات من الملح اليوم العمل على إعادة
تكوينها كي لا يبقى الكلام
فيها معلّقاً بالريح...
(1)
بتصرف، عن فصل من كتيب سيصدر قريباً (عن دار إكس
أو) بعنوان "أن تكون يسارياً في لبنان اليوم".
(2)
مع العلم أن المذهب الليبرالي
للحكومة الحالية في لبنان هو المذهب الوحيد الواضح
المعالم، ولا يقابله سوى المزيد
من الغلوّ الليبرالي (كما في وثيقة التيار الوطني
الحر). أما باقي القوى الأساسية،
باستثناء حركة التجدد الديمقراطي والكتلة الوطنية، فهي
تراوح لعلمنا في مواقفها بين
الموافقة والصمت والهجاء من دون بلورة البرامج المضادة
والممكنة في آن واحد.
(3)
في هذا المجال، نقول إنه ينبغي الحفاظ على القطاع
العام بعد السير بخطة إصلاح له
وإعادة هيكلته لامركزياً (مع بعض التقليص "العلمي" في
حجمه). لكن المقاربة العلمية
لذلك تتطلب دراسات خاصة بكل مرفق من مرافقه وبكل إدارة
من إداراته.
(4)
أو
اعتماد المؤسسات المشتركة بين القطاعين العام والخاص
ومساهمة الدولة في بعض الحالات
بحصة تمنع سيطرة أحادية على المؤسسات المعنية.
(5)
يبلغ حجم الدين العام في
لبنان اليوم حوالى 40 مليار دولار في حين لا يتجاوز
الناتج المحلي سنوياً 24 مليار
دولار.
(6)
إن التركيز على التنمية بما تفترضه من تأمين مستلزمات
نموّ اقتصادي
وسياسات توزيع دخل واعتبار للشروط المعيشية والصحية
والتربوية والسكنية أساسية في
قياس التقدم هو السبيل لتقويم أداء النظام الاقتصادي
وأثره في المجتمع وفي مستوى
حياة الناس.
(7)
نقترح هنا إنشاء مجمع جامعي في كل محافظة يضم مختلف
الاختصاصات
أو يعيد توزيعها على نحو علمي وعلى أساس الإفادة مما
يتوافر في كل محافظة من بيئة
طبيعية أو اجتماعية تسهّل العمل على المناحي التطبيقية
للاختصاصات...
(8)
لا بد
من مراجعة قوانين الإيجار السارية والمشاريع الجديدة
بصددها، كي لا يثبّت نقل
الإجحاف الواقع منذ سنوات بألوف المالكين (المؤجرين
وفق عقود الإيجارات القديمة)
الى مئات ألوف المستأجرين القدامى والجدد...
(9)
يتخطى نضالها المطالبة بتحسين
الأجر ويبحث في العمق بحقوق العمال والمستخدمين وسبل
تطوير كفاءاتهم وحمايتهم من
حوادث العمل والتأكد من تمتعهم بالضمانات الصحية
والاستشفائية والمطالبة بتمثلهم في
مواقع القرار ضمن المؤسسات والشركات والمصالح حيث
يعملون.
نائب رئيس حركة اليسار الديموقراطي |