ملحق النهار الثقافي
 18-12-2005


لن أكتب عن القتيل... بل عن القاتل

زياد ماجد

في كل مرة يسقط صديق أو رفيق أو زميل صريع الغدر والقمع والظلامية، نكتب عنه ونعاهده الوفاء والاستمرار على درب الحرية رفضاً للموت والظلم وإعلاءً لقيمة الحياة الكريمة العزيزة. نكتب شهادتنا، نسترجع ملامح القتيل وتقاسيم وجهه ونستعيد بعض الذكريات معه. ثم نحاول تذكّر صوته ورنّة ضحكته، فنكتشف أن الذاكرة الصوتية عصية وغامضة تتداخل فيها الأصوات وتتماهى الضحكات، ولا يلجم المقارنة في ما بينها سوى السكون المنبعث من أهداب الموت الكسولة ومن مخيّلته الموهومة.           

اليوم، صارت الشهادات بالشهيد ممزوجة ليس بالحزن والغضب فحسب، بل بالتعب أيضاً. التعب من الموت، والتعب من التشييع، والتعب من التنديد، والتعب من تسطير كلمات نظنّها لائقة بالراحل، بالناثر خلفه غبار الأيام وجرأة السنين وخوف الرحيل المبكّر.

اليوم، صار لزاماً علينا أن نكتب شهاداتنا لا بالقتيل وحده، بل بالقاتل أيضاً. أن نبعد شبح التعب عنا، أن نستلهم "المثابرة" من قاتلنا، لأنه لا يتعب. يتوهّج دوماً في إجرامه، يمعن في حقده، لا يكلّ ولا يملّ من إنزال المآسي فينا واحدة تلو الأخرى. وينجح دائماً في إذهالنا. نتوقع أعماله، ثم نفاجأ بها. غريب نجاحه هذا، وغريب ذهولنا المتكرر من نجاحه!

اليوم، صار الوفاء للشهداء، من كمال جنبلاط الى رينه معوض ورفيق الحريري وباسل فليحان، فسمير قصير وجورج حاوي وجبران تويني وجميع الذين قضوا معهم وننسى أسماءهم، يتطلب التمرد على اللغة المسقطة منها المسمّيات، والمفتقدة يوماً بعد يوم في هذه البلاد الكئيبة والغالية سمات الوضوح وصيغ المعلوم والمباشر.

اليوم، مع استشهاد جبران تويني، شهادتي إذاً هي بالقاتل. بالنظام القابض على أعناق السوريين وأفواههم منذ العام 1970، والمحتل لبنان من العام 1976 حتى الأمس. شهادتي هي بهذا النظام الذي لا يشبه شيئاً سوى نفسه. هذا المزيج المافيوي العسكري الذي أمعن فتكاً بمن سمّاه "شعباً واحداً في دولتين"، والذي لن ننتهي من دوامة الرعب والقتل قبل زواله.

وشهادتي هي أيضاً بمن لا يساور ضمائرهم قلق عند دفاعهم عنه. بمن يسقطون شعارات وهمية ومبتذلة لإسدال مشروعية على تحالفهم معه ودعمهم له، أو صمتهم على سلوكياته جبناً أو انتساباً الى ما أتاحته من غنائم وتتيحه من سلطة إرهاب وابتزاز.

فهذا النظام لا يرتكب الموبقات والجرائم في سياق مساره السياسي ومواجهاته "الاستراتيجية". بل يمكن القول من دون مبالغة، إن السياسة والاستراتيجيا عرضيّتان في مساره حيث الجوهر هو استقرار السلطة على قومه، وإعمال القتل والنهب والقمع ونشر الصمت والفساد والمهانة تأميناً لذلك.

أمّا بعد...

فإن المسؤولية السياسية والإنسانية والأخلاقية باتت تلزمنا أكثر فأكثر، ويوماً بعد يوم، أن نقاتل معاً، في سوريا ولبنان، من أجل التحرّر والتقدم ودفن الإجرام المنبعث من نظام الاغتيالات البعثي ومن عملائه اللبنانيين.

والمسؤولية عينها ينبغي أن تعيدنا في لبنان الى الشارع، الى الوضوح، الى استكمال انتفاضة الإستقلال وإسقاط من تبقّى من رموز الحقبة السوداء، وأولهم رئيس الجمهورية. والمسؤولية تقتضي إيلاء الوضع الأمني أولوية الإهتمامات، ليس من خلال تعيين قادة أجهزة ووحدات جدد فقط، بل أيضاً من خلال إعادة تشكيل كل القطاعات العسكرية والأمنية والمخابراتية وتفريق ومناقلة جميع من خدموا "بتفان" النظام البائد وجنرالاته المسجونين.

والمسؤولية تقتضي التركيز على التحقيق الدولي دون سواه في كل الجرائم منذ محاولة اغتيال مروان حمادة حتى اغتيال جبران تويني، والمطالبة بمحكمة دولية تطارد المجرمين داخل أروقة قصورهم المبنية بدماء من سلبوا واغتصبوا طوال عقود.

إن ثمن الاستقلال في لبنان مكلف. وربما سيكلّفنا الكثير بعد. لكنه خيارنا. أن نمضي نحو الحرية، وأن نبني دولة ديموقراطية في وطن عربي نهشه الإستبداد وهزمه التخلّف قبل أن يجتاحه أعداؤه ويحتلّوا ربوعه.

اليوم، مع استشهاد جبران تويني، يتعمّق حزن 14 آذار، ويستمر المخاض الأليم، ونخطو خطوة أخرى نحو الولادة. نحو الضوء.  

واليوم، مع استشهاد جبران، لا يسعنا إلا أن نعزّي عائلته وزملاءه، وأن نشدّ على يد نايلة وعلى قلمها الممتلئ حبراً وناراً وأسى.

اليوم، لا يتملّكنا شعور أقوى من الانحناء إجلالاً لغسان تويني. للبطل الخارج من التراجيديا الإغريقية لا لينظر خلفه الى ملحميّتها، بل ليعيد كتابتها رغم عتمة الليل الطويل: ملحمة ينتصر فيها القتيل على القاتل ويذيقه في وضح "النهار" طعم وحشة التيه وعدل النهايات...

مواضيع ذات صلة: