|
(إلى الإمام الشيخ محمد مهدي شمس الدين
في الذكرى الخامسة لوفاته)
أمّة" قلقة!
من بين اللبنانيين على اختلاف طوائفهم، يبدو
الشيعة الآن الطائفة الأشدَّ قلقاً على مكانتها في
الصيغة اللبنانية المعبَّر عنها باتفاق الطائف
والدستور الجديد، بعد أن تحرّرت تلك الصيغة من
الوصاية السورية المباشرة. هذا، في الأقلّ، ما
توحي به قيادتهم السياسية: حزب الله، مستَتْبِعاً
حركة أمل، ومهمِّشَيْن معاً سائر القوى والتعبيرات
السياسية داخل الطائفة. ونظراً لغياب الصوت الآخر،
أو تغييبه، تبدو الطائفة متراصَّة خلف تلك
القيادة، حاملةً هواجسها، ومستجيبةً لنداءاتها، ما
يوحي أيضاً بأن القلق عمومي يلفّ الطائفة بجميع
مستوياتها الفوقية والتحتية. هو إذاً، والحالة
هذه، قلق جدير بالاهتمام، وإن كان ينبغي التدقيق
في مندرجاته، للتمييز بين الفعلي والمفتعل من
مبرراته، وللتمييز خصوصاً بين الداخل والدخيل من
تلك المبررات.
في حضن لعبة الأمم
يجري تظهير القلق الشيعي باعتباره قلقاً وجودياً
يطاول الطائفة برمَّتها. وتبدو الطائفة، من خلال
ما تعرضه قيادتها السياسية لجمهور المشاهدين،
مستهدفةً في حيثيتها الميثاقية (ثالثة ثلاث هنَّ
الأوَّلات: المارونية والسنّية والشيعية، ضمن
مناصفة إسلامية ـ مسيحية)، كما تبدو مستهدفةً في
مكانتها السياسية التي تعملقت أثناء وبعد الحرب
بفضل عوامل متشابكة، تبدأ بالديموغرافيا والقوة
المالية، مروراً بالقوة العسكرية، لتصل إلى وظيفة
اقليمية أُنيطت بالطائفة (= بعضها) جرّاء انتصار
الثورة الخمينية في ايران عام 1979 واندفاع الرئيس
السوري حافظ الأسد في مشروعه العجائبي للتوازن
الاستراتيجي مع العدو الإسرائيلي، على طريقته
المعهودة، وهي تجارة "الأوراق" في السوق السوداء.
وفي سياق متِّصل تأتي الآن مواقف القيادة الشيعية
اللبنانية وانفعالاتها موقَّعةً على نبض التحالف
السوري ـ الايراني المتجدِّد، بركنيه الحاليين:
الرئيس محمود أحمدي نجاد الذي يخوض مغامرة المفاعل
النووي الايراني بأبعادها الداخلية والاقليمية،
ضارباً عرض الحائط بالمساعي الأوروبية والروسية؛
والرئيس بشار الأسد الذي يحاول مغامرة الإفلات من
براثن التحقيق الدولي في جريمة اغتيال الرئيس
الحريري وما تبعها من اغتيالات، متجاهلاً كل
الوقائع العنيدة. هذا فيما تدل المؤشرات على أن
الطرف السوري في التحالف قد بات "ملحقاً" بالأجندة
الايرانية لكل من لبنان وفلسطين، خلافاً لما كان
عليه الحال في المرحلة السابقة، حيث كانت السياسة
السورية تستلحق النفوذ الايراني في الساحتين
المذكورتين وتوظفه لمصلحتها. وهذه "التراتبية"
الجديدة في العلاقة بين الطرفين مفهومة جيداً
بالنظر إلى طفرة النشاط "النجادية" من جهة،
وانعدام الوزن والتوازن في السياسة الخارجية
السورية جراء الانهيارات الأخيرة من جهة ثانية.
من أين تأتي العافية؟
استهداف الحيثية الميثاقية، ودائماً حسب إيحاءات
القيادة الشيعية، يتمثل في سعي الطوائف الأخرى
للانفراد بتقرير خيارات لبنانية مصيرية في معزل عن
إرادة الطائفة، أو خلافاً لإرادتها المتجسّدة في
قيادة حزبها (منطق وزراء الشيعة في الأزمة
الحكومية المنصرمة، واستخدامهم "الفيتو" الطائفي،
عملاً ـ كما يقولون ـ بالديموقراطية التوافقية!..
وقد اندفع هذا المنطق إلى بيان غير منطقي تسرَّع
المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى في إصداره، نازعاً
فيه الشرعية عن أي قرار حكومي لا يحظى بموافقة
ممثلي حزب الله وأمل في الحكومة!). أما إضعاف
المكانة السياسية للطائفة في لبنان فيأتي، وفقاً
للإيحاءات ذاتها، نتيجةً لازمة لمحاولات الغرب،
الأميركي ـ الأوروبي إضعاف نظامي التصدّي
والممانعة في كل من ايران وسوريا. مثل هذا الإيحاء
يتضمن توجيهاً واضحاً بأن عافية الطائفة مستمدَّة
من عافية النظامين المذكورين ودوام نفوذهما في
لبنان. ولا نظن أننا، بهذا الاستنتاج الأخير،
نقوِّل القيادة الشيعية ما لم تقل. فقد دأبت على
التصريح، فضلاً عن التلميح، بأنها ليست حليفة
للشعبين السوري والايراني فقط، وإنما للنظامين
أيضاً (آخر التصريحات جاء على لسان الأمين العام
لحزب الله في مناسبة يوم القدس الأخيرة). كذلك لم
يعد خافياً أنّ بعض المُسارَّات الشيعية، خلف
الأبواب المغلقة، يؤكد ذلك الاستنتاج بصريح
العبارة.
بين الطائفة الوطنية والطائفة الاقليمية
إن الربط بين الحيثية الميثاقية للطائفة الشيعية
في لبنان وبين "فائض" وزنها السياسي (الفائض
الناجم عن مداخلاتها الاكسترا لبنانية) ـ هذا
الربط ينقلها من صعيد "الطائفة الوطنية" إلى صعيد
"الطائفة الاقليمية".. وهو أمر يتناقض جوهرياً مع
التعهُّدات المبدئية الكبرى في ميثاق العيش
المشترك، ما كان منها مكتوباً أو غير مكتوب.
فالصيغة اللبنانية لا تتُّسع، في آن واحد، لطوائف
وطنية وأخرى فوق وطنية = غير متماثلة واقعاً
واختياراً في حصريَّة ولائها للمشروع الوطني
اللبناني، بصرف النظر عن تفاوت الأوزان والأحجام
الطبيعية. وما ينزلق إليه بعض العقل السياسي
الشيعي الآن ـ أو هكذا يبدو ـ سبق أن انزلقت إليه
عقول أخرى في غير طائفة لبنانية، في أوقات متفرقة
من الزمن اللبناني الحديث والمعاصر. وقد تمَّ
تجاوز تلكم "الفاولات" بالأثمان المعلومة، إلى أن
رست القناعات ـ أو هذا ما يُفترض أنه كان ـ على
بَرّ وثيقة الوفاق الوطني في الطائف.
الطائفة الوطنية في لبنان هي تحديداً الطائفة
المتماهية مع لبنانيتها: لا فوق لبنانية، ولا تحت
لبنانية. أي تلك الطائفة المنفتحة على الداخل
والمستنكفة عن مغازلة الخارج، بما يتيح للبنان
كُلاً أن يحصّن معناه ودوره في علاقته بذاته
وبالعالم في آن معاً. ولعل هذا ما ذهب إليه انطوان
مسرَّة في دعوته اللبنانيين إلى "ضبضبة" أنفسهم،
واقتراحه مصطلح "الانعزالية التقدمية" ـ لا يقول
انعزالية وتقدمية، بل انعزالية تقدمية ـ استناداً
إلى ملاحظات بحثية واستطلاعية أظهرت ضعفاً فادحاً
لدى اللبنانيين في "إدراكهم المشترك للخطر
الخارجي"، فيما تميّزت شعوب أخرى، ذات ظروف
وتكوينات مشابهة ـ سويسرا مثلاً، بشدَّة حذرها
وحساسيتها تجاه التدخلات الخارجية، بعد تجارب
مديدة اتّعظت بها تلك الشعوب ولم يتعظ بمثلها
اللبنانيون (قضايا النهار 17/1/2006). إلى ذلك
ينبغي القول إن الوطنية اللبنانية لم تعد "وجهة
نظر" أو انتماء استنسابياً، لاسيما بعد عبارة
"لبنان وطن نهائي لجميع أبنائه، عربي الهوية
والانتماء" الواردة في اتفاق الطائف ثم في مقدمة
الدستور. فقد صحَّحت تلك العبارة مقولة "لبنان
للبنانيين..."، كما وضعت حداً لمقولة "لبنان محطة
انتقالية نحو الوطن الأكبر".
الطائفة بخير!
هل الطائفة الشيعية في لبنان مستهدفةٌ حقاً في
حيثيتها الميثاقية وفي وزنها السياسي؟ لا تجوز
الإجابة عن مثل هذا السؤال البالغ الحساسية
اعتباطاً وارتجالاً. والأخطر من ذلك أن تلعب
الاجابة على عواطف العوام. ينبغي أن تستند الإجابة
إلى معيار مرجعي؛ ولا معيار مرجعياً في هذا الصدد،
يعدل ما بين جميع الطوائف (=كلمة سواء) إلا اتفاق
الطائف. استناداً إلى هذا المعيار، لا شيء في
الواقع والأفق يدلُّ على غُبن أو استهداف. على
العكس من ذلك فإن حاصل السنوات الخمس عشرة
الماضيات، فضلاً عن الإصلاحات الدستورية المقرَّة
في 21/9/1991، يشير بوضوح إلى أنّ الطائفة الشيعية
قد باتت على أحسن حال، أو على أفضل الممكن، في
المتَّحد اللبناني الميثاقي التوافقي، كما كان
يكرّر رأس الطائفة الشيخ محمد مهدي شمس الدين قبل
وفاته بسنوات. وفي رأيه أنّ ما آل إليه وضع الشيعة
اللبنانيين في إطار اتفاق الطائف يمثّل "نموذجاً
للنجاح الوحيد الذي تحقّق في العصر الحديث لتصحيح
وضع الشيعة في مجتمع متنوّع" (الوصايا، ص 31). هذا
من دون أية إضافات يمكن أن تأتي من العامل السوري
ـ الايراني، أو حتى من عامل المقاومة. إذ المتفق
عليه في الخطاب الشيعي المقاوم للاحتلال
الإسرائيلي أن المقاومة ليست مشروعاً للتوظيف
السياسي الداخلي. ونستطيع القول ان انعدام التوظيف
السياسي هذا هو تحديداً ما يُبعد عن المقاومة
شُبهة الميليشيا.
إلى ذلك فإن التكوين الثقافي ـ المذهبي للطائفة
الشيعية في لبنان، بالإضافة إلى تجربة الاضطهاد
التاريخي، جعلاها أكثر ميلاً إلى أطروحة "الأقليات
اللاجئة إلى لبنان بحثاً عن أمان في إطار الحرية
والتمايز والاختلاف" منها إلى تطلعات الاندماج في
مشروع إسلامي أو عربي أوسع. ولعل هذا ما عبَّر عنه
الإمام شمس الدين في حديثه الأخير إلى الصحافة
العربية في باريس، بقوله: "... أما بالنسبة إلى
سوريا ولبنان، فقلت وأكرر إن لبنان خارج أي صيغة
من الوحدة إلى أبد الآبدين. ولو تكوّنت جمهورية
عربية من طنجة إلى عدن، سيبقى لبنان دولة عربية
أخرى. فطبيعة الاجتماع اللبناني تقتضي ذلك. وثمة
خصوصية تجعل من الأفضل له ولكل المحيط العربي
والإسلامي أن يبقى جمهورية مستقلة ذات سيادة، غير
متَّحدة مع أحد" (النهار 7/12/2000).
وقد ذهب الإمام شمس الدين في إيمانه بالصيغة
اللبنانية (صيغة الطائف) إلى اعتبار حمايتها
واجباً دينياً: "نحن في لبنان نعتبر ـ بالرغم من
كل تشكيك واتّهام ـ أننا أنجزنا أفضل صيغة في
التاريخ للعيش المشترك. ونحن نعتبر المحافظة عليها
وصونها وترسيخها واجباً دينياً وليس واجباً
سياسياً فحسب. أكثر من هذا، فإني أقول بصراحة: إن
الأطروحة الحارة والساطعة التي سادت في العقدين
الأخيرين عن سعي المجتمع اللبناني إلى إلغاء نظامه
القائم فعلاً على ما يسمّى نظام الطائفية السياسية
ـ أنا أدعو الآن ليس فقط إلى تجميد هذا السعي، بل
إلى العدول عنه. أعتبر أنّ هذا النظام إنجاز من
أعظم إنجازات الروح والعقل في لبنان، وقد يكون
نموذجاً ينبغي أن يستفيد منه الآخرون الذين يعيشون
في مجتمعات فيها نسبة أو أخرى، كبيرة أو صغيرة من
التعدّدية" (من كلمته في "مؤتمر العيش المشترك
والتوترات الدينية"، 9 ـ 11 آذار 2000، فندق
الميريديان، بيروت).
والحقيقة أن وصايا الإمام شمس الدين تنضح بامتنان
"شيعي" عميق للصيغة اللبنانية، وهو امتنان قد يصدم
عادات التفكير في الأوساط العروبية والإسلامية،
خصوصاً في أوساط الملالي.
أما حزب الطائفة..
هل القيادة السياسية الشيعية، المشار إليها آنفاً،
مستهدفة في وزنها السياسي جراء تداعيات الانسحاب
السوري من لبنان؟ أياً ما تكون الإجابة ـ وهي
خلافية على أي حال،وتحتاج الى تدقيق ـ فإنها ليست
مصيرية بالنسبة للطائفة ولا يجوز أن تكون كذلك.
وقد بسطتُ وجهة نظري في هذا الصدد في مقال طويل
بعنوان "مشكلة الاتصال والانفصال بين الطائفة
وحزبها في لبنان"، نُشر في صحيفة "المستقبل"
5/1/2006. كما أشرتُ في حينه الى أن هذه "المشكلة"
ليست خصوصية شيعية، وإنما تطاول جميع الطوائف
اللبنانية بنسب متقاربة.
أُضيفُ الآن، إلى ما سبق بسطه، أن تراجع المكانة
السياسية لبعض القوى الطائفية ـ والحديث دائماً عن
قوى سياسية لا عن طوائف ـ أمرٌ طبيعي جداً عند
التحولات الكبرى، خصوصاً إذا ما كانت تلك القوى قد
رتّبت أوضاعها الذاتية بشكل شبه نهائي على فرضيَّة
تأبيد المرحلة السابقة. علماً أن المعاندة ظاهرة
طبيعية غريزية، وإن كانت لا تمنح أصحابها حقَّ
تخريب البصرة. لعلّ السؤال الأساس في هذا المجال،
وفي لحاظ التكوين الطوائفي اللبناني، هو التالي:
كيف يمكن أن يحدث التراجع الطبيعي بطريقة طبيعية،
أي سلسة و"حضارية"، من دون تعريض المجتمع للويل
والثبور وعظائم الأمور؟
يقيني أن التعدد السياسي داخل كل طائفة ليس حقاً
ديموقراطياً فحسب، وإنما هو الضمانة الأساسية لحسن
اشتغال آليات التوافق، ولمعالجة الانسدادات
الناجمة عن نوبات "الحَرَن" الطائفي، ولإبعاد كأس
التراجيديا الكربلائية عن الطوائف (هل نسينا
الكربلائية المارونية تحت عنوان الإحباط؟!). وهي
كأس مفتعلة في الحالة اللبنانية، عادةً ما
يُتْرِعها غُلُوٌّ إيديولوجي ديماغوجي من هنا أو
هناك، يتراكب على سوسيولوجيا شديدة الحساسية
والإنفعال.
التراجع السلمي المحترم
ليس السؤال المطروح آنفاً، حول إمكانية التراجع
السياسي الهادئ عند التحوُّلات الكبرى، سؤالاً
افتراضياً؛ لأن التجربة اللبنانية نفسها قدمت
شواهد غير قليلة على تلك الإمكانية في حال وجود
تعدّدية سياسية داخل الطوائف (قد يلاحظ القارئ
أننا "نفرح" بوجود تلك الإمكانية، وكأنها حدث
استثنائي سعيد، بينما هي القاعدة في أي مجتمع
سياسي ديموقراطي!).
شاهد أول: أدى الاستقلال اللبناني عام 1943 الى
تراجع تيار الكتلة الوطنية في الوسط المسيحي، وكان
التراجع ـ على فداحته، نظراً لقوة الكتلة آنذاك ـ
"حضارياً" سلمياً وديموقراطياً. لا بل إن حزب
الكتلة الوطنية، في أبهى تجلياته اللاحقة مع ريمون
اده، وبصرف النظر عما آل إليه الوزن السياسي
للحزب، تمتّع بقيمة مضافة تمثلت في استحقاق رئيسه
لقب "ضمير الديموقراطية في لبنان". في سياق
التحوُّل ذاته، وبنقلة هادئة وتدريجية، تمّ أيضاً
التراجع السياسي لما يمكن أن يسمَّى تيار "مؤتمر
الساحل" في الوسط الإسلامي.
شاهد آخر: أسهم صعود الشهابية، بعد أحداث 1958
الدامية، في صعود "حركة المحرومين" بقيادة السيد
موسى الصدر في الوسط الشيعي، كما أدى في الوقت
نفسه إلى تراجع القيادات السياسية التقليدية في
هذا الوسط رغم عراقتها العائلية وتجذُّرها
الطائفي. هذه المرة أيضاً كان التراجع سلمياً
محترماً، لم يُرفع فيه "قميص الطائفة" ولا رُفعت
المصاحف على أسنَّة الرماح. الانقلاب على الشهابية
في الوسط المسيحي حدث عام 1967 ـ 1968 (حرب الخامس
من حزيران ـ الحلف الثلاثي).
ولعل تراجع الشهابية على أثر ذلك كان "أرقى" تراجع
سياسي في التاريخ اللبناني الحديث، بعد أن خلّف
وراءه أجمل إرث في تحديث الدولة، لا تنتقص منه
سمعة "المكتب الثاني" السيئة. أما الانقلاب على
"الصدرية"، ذات النفس الشهابي الحريص على وحدة
الدولة وقوة حضورها في وجه "المواويل" اللبنانية
المتباينة، فقد تأخر في الوسط الشيعي حتى 1983 ـ
1984، وجاء في سياق هجوم سوري مضاد على ترتيبات ما
بعد الاجتياح الاسرائيلي عام 1982. تراجعت
"الصدرية" بهدوء، ثم توارت خلف مسميات أخرى من
حواضر البيت.
القيادة الشيعية الآن وهنا
مجمل الظروف الموضوعية، من اغتيال الرئيس الحريري
وانعكاس هذا الاغتيال على الاصطفافات وموازين
القوى الداخلية، إلى الانسحاب السوري، إلى تداعيات
التحقيق الدولي المتواصل، إلى قرارات الشرعية
الدولية المتخذة بالاجماع حول المسألة اللبنانية
في غضون السنة الماضية (1559، 1595، 1636،
1644)... مجمل ذلك من شأنه، منطقياً، أن يحمل
القيادة السياسية الشيعية على تراجع طوعي حميد،
منظَّم، عقلاني وهادئ، من دون أن تخشى ارتداداً
عليها من خارج الطائفة، لأنها محاطةٌ فعلاً برفق
لبناني نادر (تتدلَّل عليه!). زد على ذلك أنها لا
تخشى بديلاً شيعياً جاهزاً في ساحتها ـ وهذا من
"المصادفات" السعيدة لقيادة طالما راهنت على تأبيد
الوصاية السورية، فإذا بها تؤبِّد نفسها في مرحلة
آفلة!
المفارقة أن ظاهر الحال يقول بانعدام الاستعداد
للتراجع أو حتى للمراجعة. إذ تبدو القيادة الشيعية
في أشد عنفوانها، وفي كامل تصميمها على الإمساك
بالطائفة والذهاب بعيداً في مقارعة الآخرين، وإن
كانوا أكثرية موصوفة! كيف يمكن تفسير هذه
المعاندة؟
إن غياب التعبير السياسي الآخر داخل الطائفة: صمت
جميع الشخصيات الشيعية ذات الرأي المختلف ـ
باستثناء نخب متفرقة تصدر عن شيعية خجولة أو
مواربة، وطبعاً باستثناء الاعتراض الشجاع الذي
عبّر عنه السيد محمد حسن الأمين في نيسان الماضي ـ
إلى عجز حركة أمل والمجلس الشيعي (حتى إشعار آخر؟)
عن مخالفة حزب الله... هذا الغياب/ الفراغ يمنح
الحزب وزناً مضاعفاً وسطوة استثنائية، بحيث تبدو
الطائفة متماهية كلياً مع حزبها. وهذا مما يغري أي
قيادة سياسية بالمعاندة والارتجال. ولعل أسوأ ما
في عملية التماهي هذه أنها تُرهب الرأي المختلف،
فيبتلع لسانه ويلجأ إلى تقيَّة ينشد فيها السلامة.
إذ يغدو أي نقد، والحالة هذه، لأي شيء من أشياء
القيادة السياسية المتألّهة، طعناً في شرف الطائفة
يحمل بعض الغيارى على إطلاق فتاوى تكفيرية جاهزة
تُصيب مقتلاً من كل "ناقد أثيم"!
هذا لا يعني ان حزب الله يستمد قوته من ضعف
المنافسين أو غيابهم، ولا حتى من التهويل عليهم.
فهو، والحق يقال، تشكيل متميّز في بيئته الخاصة
والبيئة اللبنانية العامة، بكل المقاييس السياسية
والتنظيمية والعسكرية والأمنية والمالية
والإعلامية والتعبوية الايديولوجية.. وصولاً إلى
القيافة (دولة قائمة برأسها!). قوته مستمدة من ذلك
كله، ومن مأثرته في المقاومة الاسلامية التي عزّزت
تلك القوة ببريق حملته الفضائيات إلى أقاصي
المعمورة. ولكنها مستمدة أيضا، وربما أساساً، من
علاقته العضوية بمركز القرار السياسي ـ الديني في
النظام الايراني، ومن التنسيق فوق العادي مع
النظام السوري القائم، واستطراداً من دوام التحالف
بين النظامين.
بيد أن كل ما تقدم عن قوة حزب الله ـ في إطار
المعطيات الموضوعية المحيطة به وبالمسألة
اللبنانية ـ لا يُخرجه من حالة دفاع تكتيكي يمارسه
الآن بكفاءة عالية وبمشروعية نسبية، إلى حالة هجوم
استراتيجي قد يتصوَّر أنه عليها أو أنه صائر
إليها. ولا نظن أن تفاهم الرئيسين الايراني
والسوري، ولو معطوفاً عليه انتصار حركة "حماس" في
الانتخابات التشريعية الفلسطينية، من شأنه أن
يغيّر المعادلة العنيدة التي أخرجت "ورقة لبنان"
من يد القيادة السورية إلى غير رجعة.
هذا، في رأينا، ما يدعو حزب الله إلى مراجعة تعادل
التراجع الطوعي الحميد، فتحفظ الكثير مما لدى
الحزب بوجه خاص ولدى لبنان بوجه عام، قبل فوات
الأوان. فأيُّ تراجع هو الذي "نقترحه" على حزب
الله؟
العودة إلى لبنان
لسنا معنيين على الإطلاق بدعوة الحزب إلى أن
يتراجع أمام قوة شيعية أخرى، صاعدة أو منافسة. فهي
غير موجودة فعلاً، كما تلاحظ. وحتى لو وُجدت،
فَرَضاً، فإن السياسة السياسية
enneicitiloP euqitiloP
ليست من اهتمامات هذا المقال. كما أنه لا مكان، في
قاموس السلامة اللبنانية العامة، لمصطلح تراجع
طائفة أمام أخرى.
ما نقترحه تحديداً هو التراجع عن فائض القوة،
وفائض الطموح، أي عما يفيض عن موجبات الوطنية
اللبنانية. بعبارة أخرى هو تراجع عن توثُّبات
"الطائفية الإقليمية" لصالح الاستقرار على قناعات
الطائفة الوطنية. وهو بعبارة ثالثة استجابة للنداء
الحار الذي أطلقه الإمام محمد مهدي شمس الدين في
وصاياه الأخيرة "إلى الشيعة الإمامية في كل وطن من
أوطانهم، وفي كل مجتمع من مجتمعاتهم، أن يدمجوا
أنفسهم في أقوامهم وفي مجتمعاتهم وفي أوطانهم، وأن
لا يخترعوا لأنفسهم مشروعاً خاصاً يميزهم عن غيرهم
(...) ولا يجوز ولا يصحّ أن يقوموا بأنفسهم وحدهم،
وبمعزل عن قوى أقوامهم، بمشاريع خاصة للتصحيح
والتقويم" (الوصايا، ص 27 ـ 28).
أخشى ما نخشاه أن يُفضي التمسك بمواصفات "الطائفة
الإقليمية" ودورها إلى خسارة محققة تفيض عن حزب
الطائفة لتطاول الطائفة برمَّتها.. ولن يسلم منها
لبنان برمَّته!
اتفاق الطائف بين الضرورة والاختيار
إن العودة إلى نهج "الطائفة الوطنية" ليست بالمهمة
الغامضة أو المستحيلة. فهي لا تتطلَّب عملياً أكثر
من التزام اتفاق الطائف الذي يحظى الآن، على نحو
غير مسبوق، بقبول داخلي ودولي لمرجعيته في معالجة
كافة المشكلات، رغم كل ما يُحكى عن تدويل أو وصاية
دولية. المشكلة ان سلوك القيادة الشيعية في الآونة
الأخيرة يشي برغبة في العودة إلى أجواء 1989 وما
بعدها بقليل ـ نرجو أن تكون الرغبة "عارضاً"
تكتيكياً ـ حين اعتبرت الأصوات المهيمنة على
الطائفة آنذاك أن وثيقة الوفاق الوطني في الطائف
"اتفاق الضرورة لا اتفاق القناعة والاختيار". وهذه
الرغبة تأخد الآن شكل دعوة ملتوية إلى إعادة النظر
في الاتفاق، لكأنه فُصِّل على دوام الوصاية
السورية، فجاء الانسحاب "مناقضاً" للاتفاق، أو
كأنه فُصِّل على مقاس قديم للطائفة لم يعد
يناسبها!... وللإنصاف ينبغي الإشارة إلى وجود رغبة
مشابهة، تُطلّ من أوساط غير شيعية، لحسابات مختلفة
بعض الشيء.
بالرجوع إلى أرشيف الصحافة لتلك الفترة، نجد اتفاق
الطائف، في نظر معظم الأصوات الشيعية، "اتفاقاً
مارونياً، ومؤامرة خارجية، ونسخة منقّحة من اتفاق
17 أيار، ومجرّد اتفاق لوقف النزاع المسلّح يمكن
الالتزام به اضطراراً، إنما ينبغي العمل بكل
الوسائل المتاحة لإسقاطه أو تغييره...". هذا
الموقف يظهر بوضوح من خلال تصريحات وبيانات لكل من
ـ على سبيل المثال لا الحصر: الأستاذ نبيه برّي
رئيس حركة أمل آنذاك (النهار 21/10/1989)؛ المجلس
المركزي لحركة أمل (النهار 3/11/1989)؛ السيد محمد
حسين فضل الله (النهار 4/11/1989)؛ السيد حسن
نصرالله (النهار 5/11/1989)؛ السيد عباس الموسوي
(النهار 14/11/1989)؛ الشيخ صبحي الطفيلي ـ أمين
عام حزب الله آنذاك (السفير 7/3/1991).
ولقد أشار الإمام شمس الدين إلى تلك الواقعة إشارة
صريحة في وصاياه، بقوله: "... ولا ننسى أن هذه
الصيغة التي اعتبرها البعض مؤقتة، ونحن اعتبرناها
مؤقتة ـ أعتقد ـ في حينه، حينما أُعلن الاتفاق
ووجه بمعارضة كبيرة داخل الطائفة الشيعية.. أنا
رفعتُ آنذاك شعار أنه اتفاق الضرورة. الآن أقول:
هو ليس اتفاق الضرورة. هو اتفاق الاختيار، وهو
اتفاق مناسب لطبيعة لبنان، ولأنه يوافق ويحقق جميع
الوسائل الممكنة للاستقرار والتقدم والازدهار"
(الوصايا، ص 62). هذا بالإضافة إلى مواقفه التي
أشرنا إليها في فقرة سابقة من هذا المقال (الطائفة
بخير).
إن اعتبار وثيقة الوفاق الوطني في الطائف "اتفاق
ضرورة" يجعلها "اتفاق هدنة" مفتوحاً على شهوات
النقض والتبديل عند تغيُّر موازين القوى، أو ما قد
يُخيَّل للبعض أنه تغيُّر في الأحجام والموازين.
وهذا الأمر يتناقض جوهرياً مع مفهوم الاستقرار، في
بلد أحوج ما يكون إلى الاستقرار، وليس فيه طائفة
بلا شهوة!
خلاصة القول إن الطائفة الشيعية في لبنان ليست، من
وجهة نظرنا، "أمة قلقة" ولا ينبغي لها أن تكون
كذلك. نعم، ان سطح الطائفة السياسي قلق للغاية،
وقد ابتعد كثيراً عما أوصى به الإمام شمس الدين
بخصوص إتفاق الطائف، بعد التبصُّر ومن موقع
المسؤولية الشرعية والوطنية.
وفي خلاصة أخرى نقول إن جوهر المشكلة، في السجال
القائم بين الشيعية السياسية من جهة وبين سائر
الطائفيات السياسية من جهة أخرى، لا يكمن (هذا
الجوهر) في عناوين تفصيلية من قبيل الأزمة
الحكومية، أو تعيين بعض الموظفين، أو التمييز بين
مقاومة وميليشيا، أو كيفية التحايل على القرارات
الدولية...الخ، وإنما يكمن في الخلاف على معنى
لبنان ودوره، وعلى "لبنان أولاً". ولا نعتقد أن
الاتفاق حول هذا الأمر متيسِّر إلا بعودة الجميع
إلى القراءة في كتاب واحد.
(*) كاتب سياسي |