Beirut Letter/articles/georges nassif  جورج ناصيف

 

النهار 02-02-2006

عنــدما نسيــــت 'فتـــــح' نفسهـــــا

جورج ناصيف

بيني وبين فلسطين ما لا يصحّ أن اخرج من مطاوي القلب. فالعاشق لا يشبب بمعشوقته، واهل الهوى اهل كتمان وحياء.

وبيني وبين ابنة فلسطين البكر، "فتح" الغزاوية، عشرة مستطابة، منذ ان تكوّرت في بطن امها. لكنها مناسبة للاعتبار، لا للاستذكار.

لم تسقط "فتح" لان امها فلسطين أنكرت تعب يديها وجحدت ليالي السهر، او شاءت ان تضمّ الى صدرها اختها التي كانت صغرى.

لم تسقط "فتح" لان اسرائيل بغت وتجبّرت وأمسكت عن كل توافق مع السلطة.

لم تسقط "فتح" لان البيت الابيض اسودّ في وجهها، واشتهى انهاكها.

لم تسقط "فتح" لان المجتمع الاسرائيلي اسير عجزين: عجز عن السلم، وعجز عن استكمال المشروع الصهيوني الاصلي بابتلاع ارض فلسطين التاريخية.

لم تسقط "فتح" لشحّة في الرجال، او مفسدة في التنظيم، او انعدام لسبل الابلاغ والتبليغ.

لم تسقط "فتح" لان سلوك "حماس" افسد عليها مراميها، وقيّد معصميها.

سقطت "فتح" يوم نسيت انها "فتح". يوم اغوتها السلطة بالتفاحة اللعينة. فأكلت واستطابت وتنعّمت واطعمت كثيرين، فجاء من يطردها من عدن.

دخل في روع "فتح" انها بلغت مرادها الاخير، فاستوت على كرسي السلطة الهزاز، لكأن هذا الفتات من الارض المبعثرة يدعى دولة. لكأن هذه الصلاحيات الهزيلة هي السيادة.

وفيما كانت "حماس" تشتعل شبابا وحمية، كانت قيادة "فتح" تمعن في التهرؤ والانقطاع عن وجع الناس، وتحول دون النبض الطالع من لهب الانتفاضة، القادر وحده ان يعيد النضارة الى حركة اكتهلت.

لذلك، فان مدخل المداخل ان تسترد "فتح" نفسها. ان تطلق "ثورة في الثورة"، ان تتجاوز عصبيتها ومرارتها وغضبها، من اجل القضية التي استحقت عمرها.

اخطر التجارب التي قد تغوي "فتح" ان تستقيل من مشقة بناء الدولة، ولو بقيادة سواها. ان تنفض يديها لتلقي المهمة على عاتق "حماس"، بداعي الكيد والتشفي. ان تتبرأ من تاريخها، من كونها يجب ان تكون هي الامينة على حاضر فلسطين ومستقبلها.

اخطر التجارب ان تظن "فتح" انها مجرد فصيل من الفصائل، يحق له ان يمارس ترف الانسحاب والتفرج والمناكدة. بذلك تخون "فتح" جوهرها وتعدم معناها، في لحظة انفعال ونزق.

مصلحة "فتح" التاريخية ان ينجح تداول السلطة، سلما وديموقراطيا.

مصلحة "فتح" ان يستمر الدعم الدولي المالي للسلطة بقيادة "حماس".

مصلحتها الا تسقط السلطة في عزلة دولية، لان فلسطين ستكون هي الخاسرة، بدءا ومنتهى.

مصلحتها ان يستمر ابناؤها في إمداد السلطة بالخبرات والتجارب التي تحصّلت لهم سنوات.

مصلحتها ان تنأى عن اي صراع يهدّ الشارع ويحقق لاسرائيل مبتغاها في استجرار الفتنة.

مصلحتها ان تتذكر انها هي التي شقت الطريق، وصنعت الكيان، وانتزعت استقلالية القرار الفلسطيني، وزاوجت بين البندقية والتفاوض.

... وفي غد آت، بدأت تباشيره، سيعترف الجميع،  و"حماس" في الطليعة، ان رؤية "فتح" كانت هي الصائبة، وان اتفاق اوسلو الذي قبّحوه ورموه بكل نقيصة هو الذي صنع الحكم الذاتي.

وهو الذي أباح عودة عشرات الالوف من الشتات، وهو الذي اجرى الانتخابات، رئاسية وبلدية واشتراعية، وهو الذي اقام السلطة التي اعترف بها العالم اجمع... وتتسلمها حركة "حماس" اليوم.

لولا البراغماتية الثورية لياسر عرفات، لكانت "حماس" ما زالت في مكاتبها في دمشق، لا على اريكة السلطة في فلسطين.

اما مسؤولية "حماس"، في المنعطف الجديد، فمبحث آخر.

عودة الى مراجعات الصحف