|
هذه بضع ملاحظات سريعة
من بعد حضور مؤتمر قوى الرابع عشر من آذار في بيال:
1ـ
نجح المنظّمون في اعطاء
طابع «أوروبي» لمؤتمرهم، بمعنى التشبّه الى حد
كبير بجلسات افتتاح المؤتمرات
الحزبية في البلدان الأوروبية، كما نجح المنظمون
في عكس أجواء التنوّع السياسي
والطائفي للمشاركين، وفي التنسيق الذكي بين
المؤثرات، من اللوحة التي تستجمع شهداء
الاستقلال الثاني كلهم ولا تحصر بالشهداء من رؤساء
ونواب وسياسيين فقط، الى الصور
التي تروي انتفاضة الاستقلال، الى الفيلم الموجز
الذي يعود الى اللحظة التي أطلقتها
بكركي في أيلول .2000 ليس يمكن أن تستحضر المخيلة
امكانية أن تنظم المعارضة
اللبنانية حالة مؤتمرية مماثلة.
2ـ
الجديد الوحيد في ما قدّمه المؤتمر قد تمثّل
بعبارة «هذه ليست مقاومة» وما يستتبعها. لكن هذه
العبارة قد بقي تداولها، مؤتمرياً،
في منزلة بين منزلتين، ما بين السجال والسياسة،
ويا حبذا لو كانت تعطي بدلالاتها
أولوية للموقف السياسي على الموقف السجالي.
فالموقف السياسي المناسب لهذه العبارة
لا يُبنى ما لم يفك السحر عن مفردة «مقاومة» بحد
ذاتها. فقبل أن نقول «هذه ليست
مقاومة» لا بد من التأكيد بأن المقاومة بحد ذاتها
ليست ميزة تفاضلية.
3ـ
أكدت
قوى 14 آذار على الافتراق الحتمي بين ثقافتين
سياسيتين في هذا البلد، لكن هذه القوى
لا تزال تشارك قوى 8 آذار في «الأيديولوجيا
اللاطائفية»، ولجهة المكابرة على
التعددية الحضارية بين اللبنانيين. ولعلّه كان من
الأنسب بالنسبة الى مؤتمر بيال أن
يتبنى في هذا المجال نسخة مخففة بعض الشيء من
مقرّرات سيدة البير الأكثر صراحة،
والأكثر «علمية» ومصداقية لجهة توصيفها للواقع
التاريخي والآفاق المتاحة.
4ـ
ما
زالت قوى 14 آذار أسيرة «اللفظية العرفاتية» في ما
عنى النظرة الى القضية
الفلسطينية، وفي ما عنى تفسير الموقف الاسرائيلي
من النظام السوري. أقل ما يقال في
هذا المجال، أنه اذا كان ينبغي الابقاء على الموقف
الواضح من حركة حماس، الا أنه
ينبغي أيضاً التحرّر من «اللفظية العرفاتية» التي
وقفت في موقع متردّد وخائب، ما
بين الخيارين الوحيدين المتاحين في هذه المنطقة من
العالم منذ نهاية السبعينيات:
إما أن تلتزم بنهج محمد أنور السادات، وإما أن
تقتدي بنهج الإمام الخميني. وحده
حافظ الأسد حاول أن يوجد طريقاً ثالثاً، وبوفاته
ما عاد ثمة إمكان لطريق ثالث. بناء
عليه، فإما أن تختار قوى الرابع عشر من آذار الخط
الساداتي بوضوح، وإما أن تختار
محاكاة الخط الخميني في معرض السجال أو لأسباب
تسويقية أو لرفع عتب. أما «اللفظية
العرفاتية» فما عادت عملة مربحة.
5ـ
ليس صحيحاً أن حكام اسرائيل لا همّ لهم في
هذه الدنيا سوى حماية النظام السوري. هنا تتسلّل
بكل وضوح نظرية المؤامرة الى خطاب
قوى 14 آذار. الأدق القول بأن دولة اسرائيل لم
تعمل يوماً في تاريخها على تغيير أي
نظام عربي، باستثناء مغامرة بيغن وشارون عام 82 في
بلد متفجر كلبنان. الكيان
الاسرائيلي هو في طبيعته كيان محافظ تجاه الأنظمة
الأخرى، بما في ذلك عراق صدام ان
عادت بنا الذاكرة الى الوراء. واذا ما عدنا أكثر،
لم يسجّل أبداً بأن النشاطات
الاستخبارية الاسرائيلية كان يهمّها كثيراً قلب
نظام عبد الناصر، أو تزكية أحد
المرشحين لخلافته على حساب غيره.
لقد استعر النقاش في ثلاثينيات القرن الماضي
في كواليس الحركة الصهيونية، ان كان من واجبها
الاسهام في نضالات
الشعوب العربية من
أجل الديموقراطية ومن أجل الاشتراكية، ولم يحسم
الجدل الا ديفيد بن غوريون، اذ أكد
بشكل واضح بأنه لا دخل لهذه الحركة لا بالكادحين
العرب ومصالحهم، ولا بالشعوب
العربية وحرّياتها، ما خلا المساحة الحيوية التي
تتوسع فيها دولة اسرائيل لإقامة
حدودها.
6ـ
ينبغي على اللبنانيين، وفي طليعتهم الاستقلاليون،
أن يستبشروا خيراً
كلما لاحت فرصة لتحريك الملف السوري للتسوية، وليس
العكس. ان الاستقلاليين أكثر من
سواهم هم أصحاب المصلحة في شعار من قبيل «عودي يا
لحظة أنابوليس، عودي».
7ـ
لا
يمكن طي صفحة المشكلات اللبنانية ـ السورية لا مع
هذا النظام، ولا اذا تغير النظام
في سوريا، اذا لم يتم الاقرار بأن التناقض المزمن
قائم تاريخياً بين الكيانين
اللبناني والسوري، وليس فقط بين النظامين. إذا
أخذنا موضوعة مؤتمر بيال، بأن شرعية
الكيان اللبناني تساوي شرعية الكيان السوري،
لوجدنا أن في الأمر تناقضاً: إن
الشرعية الوحيدة للكيان السوري مرهونة بأن تكون
لديه «سياسة لبنانية»، سياسة تتراوح
بين المطالبة بلبنان وبين المطالبة بدور مشروع في
صميم تركيبة لبنان. والحال أنه
حتى لو أتينا برياض الترك ومحمد علي الأتاسي لحكم
سوريا، سيبقى لدينا تناقضاً بين
الكيانين، ولا حل لهذا التناقض، الا بازدهار
اللامركزية في كل من البلدين.
8ـ
فشلت كل تجارب «تجاوز» 14 آذار من على «يسارها»،
وربما كان ينبغي التفكير، في
«تجاوزها»
مستقبلاً، من على.. يمينها.
|