|
شدي
بالخيط وعبري.. ما عاد في بيع ولا شري
والتاجر صفي دمه وبرضه ما حس ولا دري
(عمر الزعني)
بالعودة الى تاريخ الاجتماع الإنساني نرى أن دور النخب التي يفرزها أي مجتمع هي
التي تكون مخوّلة قيادة حركة التغيير والتطور وذلك لتسلحها بالعلم والمعرفة
والتجربة وسعة الأفق. كما أن تقدم أي شعب يعتمد بشكل لطيف على قوة وجود النخب فيه.
أما "الشعبوية" فهي حركة تعتمد على "نبض" الجماهير وتركب عادة موجاتها على موجات
التيار الشعبي. وهذه الحركة في السياسة لا تسعى الى ضبط ايقاع الأداء الجماهيري على
أي من البرامج ذات الطابع الاستراتيجي، لأنها لا تملك عادة أي رؤية فكرية مستقبلية،
بل إنها تلجأ الى تمجيد الأفعال العشوائية المعبرة عن غضب الجماهير وتنساق وراءها
سواء كانت على حق أم على باطل. وبما أن العشوائية الجماهيرية تميل عادة الى
المغامرة، فإن الحركة السياسية الشعبوية تلجأ الى تمجيد المغامرين على اعتبار أنهم
"أبطال العمل الجماهيري" فتتجاوز بذلك كل أوجه العلوم السياسية والاجتماعية
والاقتصادية وتغطي نفسها بشعارات عامة تدغدغ المشاعر الشعبية مثل شعارات: "النصر
والتحرير والمنعة والبطولة والشهامة والكرامة والقوة والحق والمقاومة".
عشية الذكرى الثالثة لانتفاضة الاستقلال التي أجبرت أحد أكثر الأنظمة ظلامية
وإرهاباً على الخروج من لبنان، يبدو أنه من الواجب التأكيد على أن ثلاثة عقود من
الاضطهاد السياسي والأمني والاقتصادي فشلت في تطويع إرادة اللبنانيين وإجبارهم على
العدول عن ميلهم الفطري الى الحرية.
ولكن لا بد من العودة الى دراسة نقد ذاتية لاداء قوى 14 آذار حتى نتمكن من تصويبه
ومن ثم إخراج قسم كبير من النخب اللبنانية من واقع الحيادية السلبية التي وقعت في
فخها بعد وقت قصير من المشاركة الحاسمة في انتفاضة الاستقلال.
فخ الحساسيات الطائفية والمناطقية:
رغم الانطلاقة تحت شعارات مثالية، وقعت قوى 14 آذار وبسرعة في فخ الحسابات
الانتخابية والطائفية والمناطقية مما منعها من معالجة حالة الانفصال العوني على
مستوى القواعد (مع أخذ واقع اتفاقات العماد عون المسبقة بالحسبان). لذلك فإن حسابات
الأحجام الشخصية للزعامات طغت على الحسابات الوطنية، ما أسقط الحصانة عن هذه
الزعامات وجعلها في موقع التساوي مع الزعامات الأخرى في سعيها الى السلطة بغض النظر
عن الشعارات التي تحملها.
فخ الأوهام:
لقد شكل وهم إدخال "حزب الله" في المعادلة اللبنانية وطمأنته بالمشاركة في السلطة
من ناحية وبالمزايدة الكلامية على مبدأ المقاومة من ناحية أخرى، وضعاً أدى الى
تفاقم ظاهرة التيار العوني وما تبعه من نجاحات انتخابية واستقطابية لا نزال نعاني
من تداعياتها حتى بعد الانحسار الواضح للظاهرة العونية في الآونة الأخيرة، وهذه
الحالة لا تزال تشكل حتى الآن غطاء "وطنياً" لمشاريع "حزب الله" العابرة للأوطان.
ولا شك أن الحسابات الشخصية لبعض قيادات قوى 14 آذار كانت قد لعبت بعض الدور في
بناء هذا التحالف.
فخ الشعبوية:
لا شك ان قوى 14 آذار، وفي خضم صراعها المرير مع قوى 8 آذار، استدرجت الى الدخول في
سياسات شعبوية مشابهة لما مارسه خصومها وذلك في محاولة للدفاع عن النفس وبناء توازن
رادع للعدائية التي اعتمدتها القوى المتحالفة مع النظام السوري في لبنان. ولا شك
أيضاً أن هذا الواقع أدخل بعض قوى 14 آذار في حلقة مفرغة يصعب الخروج منها بسهولة.
خسارة النخب:
لا شك أن كل ما سبق، أدى الى ابتعاد النخب والكثير من الشباب عن دائرة قوى 14 آذار،
فقد شعرت هذه الفئات بأن قيادات هذه القوى قد جنحت بشكل واضح عن الآمال النظرية
التي تصورتها هذه النخب من خلال مشاركتها في انتفاضة الاستقلال. كما أن انشغال هذه
القيادات، عن قصد أو غير قصد، عن إشراك النخب في مسألة انضاج الرؤية السياسية أدى
الى دفعها الى الحيادية في الاصطفاف السياسي حول قرارات لم تشارك هي في صناعتها،
رغم اهليتها لذلك.
فخ النفس القصير:
لقد تصور المشاركون في 14 آذار 2005 ان الانتصار النهائي قد تحقق بشكل كامل، وأن
الغد سوف يكون محسوماً لمصلحة آمال ثورة الأرز التي لخصتها ثلاث كلمات: "حرية،
سيادة، استقلال". وهذا الوهم وضع الجميع في مرحلة انتظار مرضية في وقت كان الطرف
الآخر يلتقط أنفاسه ويعيد التموضع لينطلق في كثير من المواقع الى مرحلة الهجوم
المضاد الذي تمت ترجمته لاحقاً في محاولات تعطيل المحكمة الدولية وإدخال "التيار
الوطني الحر" في تحالف 8 آذار ومسلسل التعطيل المنهجي للمؤسسات ومسألة "فتح
الإسلام" واستمرار مسلسل الاغتيال، وإدخال الوضع في متاهات المبادرات والوساطات
والاجتهادات الديبلوماسية. هذا بالإضافة الى استمرار التعقيدات الاقليمية من إيران
الى العراق الى فلسطين مما وضع المسألة اللبنانية في موقع ثانوي احيانا، او على
الاقل بالتساوي مع باقي الملفات.
فخ الوضع المعيشي:
علي الرغم من تفهم معظم اللبنانيين اسباب تدهور الوضع المعيشي، واقتناعهم بأن أسباب
ذلك تعود بشكل أساسي الى واقع حرب تموز 2006 واستمرار مسلسل التعطيل وسياسة
الانقلاب، ولكن الواقع هو أن المواطن على الرغم من كل ذلك يعتبر أن الحكومة هي
المسؤولة عن ايجاد الحلول لأوضاعه حتى وإن كان هو ينتمي الى الفريق المعطل. وقد وضع
ذلك الحكومة في موقع المسؤولية ومن خلفها قوى 14 آذار التي أنتجت وحافظت على
استمرارها، رغم الاستقالات.
المحصلة
بناء على كل ما تقدم، فقد أدركت قوى 14 آذار أن الشعور بالأمان كان مبرراً، وأن
الحاجة هي كبرى الى اعادة التشاور مع فئات المجتمع المحيدة وذلك من خلال وضعها في
موقع القرار في قلب 14 آذار. من هنا انطلقت فكرة مؤتمر الربيع الذي سيعلن وثيقة
سياسية تعيد تصويب رؤية قوى 14 آذار المشتركة نحو موقع لبنان السياسي الداخلي
والعربي والعالمي، بالإضافة الى الانطلاق بورشات عمل متعددة الأوجه تبحث الوضع
الاقتصادي والشبابي والاغترابي لاستكمال الرؤية السياسية وتمتين عناصرها. |