Beirut Letter/articles/nadim koteich

 

النهار 01-03-2008

رئيس الحرب على الإرهاب المتأسلم

نديم قطيش

يبدو المرشح الجمهوري للرئاسة الأميركية أكثر السياسيين الساعين الى البيت الأبيض وضوحاً في وضع الأولوية الأمنية - الثقافية على رأس أولويات الولايات المتحدة خلال الرئاسة المقبلة.
فالرئيس المقبل، بحسب ماكين، ينبغي أن يقود الولايات المتحدة والعالم نحو النصر وأن يستثمر الفرص المتوافرة، الناجمة عمّا يعتبره مستويات غير مسبوقة من الحرية والإزدهار حول العالم، لبناء سلام دائم للقرن المقبل. وعليه تالياً أن يهزم التطرف الراديكالي المتأسلم الذي يعتبره ماكين تحدي العصر بالنسبة للأمن القومي الأميركي، ناظراً الى العراق كمسرح مركزي لهذه المواجهة ومعيداً التركيز على إيران كأبرز راعٍ دوليٍ للإرهاب.
وإذ يحدد ماكين "المخاطر" على هذا النحو، يستند في صياغة ردود إدارته المحتملة عليها، الى مرجعيتين سياسيتين في التجربة الرئاسية الأميركية. فكما أطلقت إدارة هاري ترومان عام 1947 ورشة تطوير وكالات الدفاع والإستخبارات والخارجية في مواجهة تحديات الحرب الباردة، يرى المرشح الجمهوري أن ثمة مسارا مشابهاً  ينبغي أن تيمم شطره اي إدارة جادة في تحضير عدة المواجهة مع مخاطر القرن الحادي والعشرين.
وفي هذا الاطار يسعى ماكين الى زيادة عديد الجيش الأميركي الى نحو 900 الف عنصر بالاضافة الى زيادة حجم الإنفاق على موازنة الدفاع الوطني والأهم من ذلك تطوير طبيعة العقيدة القتالية الأميركية لجيش مهيأ لمواجهة جيوش لم تعد موجودة.
وإذ يدرك ماكين ضرورة ردم الفجوة الأخلاقية التي تعاني منها الولايات المتحدة الأميركية حول العالم نتيجة السياسات الأحادية للرئيس جورج بوش، كما يدرك إلزامية ان يستعيد الأميركيون إيمان العالم بالأمة الأميركية ومبادئها ورسالتها كأساس اخلاقي للحرب على الارهاب، يستل مرجعيته الثانية من تجرية الرئيس تيودور روزفلت الذي نظر الى "تحالف المتشابهين" أو Likeminded States.
وعليه يسعى ماكين للقفز برئاسته المحتملة لتجاوز لحظتين فارقتين في تاريخ السياسات الخارجية الأميركية يحدهما وودرو ويلسون وعصبة اممه، وضمها في سلة واحدة ما تنافر من أمم وشعوب، وجورج دبليو بوش وأحاديته المفرطة في التعامل مع مشاكل ذات طابع دولي على إعتبار ان ما هو جيد لأميركا جيد للعالم أيضاً.
فماكين يدرك أن هزيمة الإرهاب المتأسلم بما هي إنتصار للعالم الليبرالي ولفكرة الحرية في العالم تتطلب حداً اقصى من توسيع رقعة المشاركة بين من تقع عليهم تبعات إنتصار الإرهاب. وعليه يفصح ماكين عن رؤية "ثورية" لتغيير قواعد العلاقات الدولية ومنتدياتها عبر خلق هيئة رديفة للأمم المتحدة هي "هيئة الديموقراطيات" التي تضع شروطاً ثقافية وقيمية على الراغبين في الإنتساب اليها بدل العضوية التلقائية في الأمم المتحدة.
تستل هذه الهيئة شرعية عملها التعددي من القعر الإيديولوجي للتجربة الديموقراطية الليبرالية ومن البنيان القيمي الذي يرى ماكين انه هدف الإرهاب الأول. وفي هذا السياق يقترح ماكين عقد قمة عالمية للدول الديموقراطية خلال السنة الأولى من رئاسته المحتملة للإطلاع على آرائها حيال الأزمات الدولية الراهنة وإقتراحات معالجتها في سبيل الخلوص الى تطوير العمل الدولي التعددي وتمتين التحالفات الدولية.
وفي هذا السياق "التطويري" للعلاقات الدولية وتليين حدة الأحادية أو "تغليفها" يقترح ماكين "خصخصة" العقوبات الدولية لا سيما على إيران بما يتيح فرضها من خارج إطار الأمم المتحدة من ضمن حملة دولية "لطرد الإستثمارات" وعزلها عن طهران بالتوازي مع حملة تقودها "هيئة الديموقراطيات" لنزع الشرعية الدولية عن نظام الملالي في طهران وتظهير الخيار العسكري كخيار جدي للتعامل معه.
يستجيب ماكين في هذه الاقتراحات الى ما تمليه التأثيرات المستمرة لجريمة الادي عشر من ايلول 2001 على السياسة الخارجية الاميركية. فبحسب عميد مؤرخي الحرب الباردة جون لويس غاديس تعتبر جريمة الحادي عشر من ايلول ثالث حدث مؤسس في التاريخ الأميركي لسياسات وإستراتيجيات أحادية بعد زحف الجيوش البريطانية على واشنطن وإحراق البيت الأبيض ومبنى الكونغرس في الرابع والعشرين من آب عام 1814 ولاحقاً هجوم اليابانيين في السابع من كانون الأول 1941 على بيرل هاربر.
 
فالهجوم البريطاني على واشنطن دفع بجون كوينزي آدمز، أحد كبار ديبلوماسيي الولايات المتحدة ووزير خارجيتها بين عامي 1817 – 1825 ثم رئيسها بين عامي 1825 – 1829، الى هندسة إستراتيجية للهيمنة الإقليمية على شمال القارة الأميركية من خلال سياسات أحادية وإستباقية وهي الإستراتيجية التي ستحكم بحسب غاديس قرناً كاملا من عمل السياسة الخارجية الاميركية. الا أن هجوم بيرل هاربر كسر الافتراض الاساسي الذي قامت عليه إستراتيجية آدمز حول الهيمنة على الـ "Western Hemisphere" لدرء المخاطر، التي جاءت عام 1941 من خارج أميركا الشمالية. وعليه عمد الرئيس الأميركي آنذاك فرانكلين روزفلت الى إجتراح إستراتيجية جديدة يرى غاديس أنها قامت على إنشاء شبكة عمل تعاونية تعددية وتضمينها أولويات أحادية تكون أداة واشنطن لتحقيق التفوق والهيمنة على الآخرين. أي أن غاديس يقرأ في النماذج التي يقدمها التعدديون بصفتها من أيقونات السياسة الخارجية الأميركية التعددية (الأمم المتحدة، الناتو، بريتون وودز، البنك وصندوق النقد الدوليين...)، ممارسة غير مباشرة للأحادية وسعياً لتأبيد الهيمنة الأميركية.
فالعالم الذي كان يخشى من الأسوأ، أي الإتحاد السوفياتي، كان مستعدا لدفع ضريبة التحالف مع واشنطن، من رصيد نديته في العلاقة معها. كانت فرنسا من أكثر الدول التي إستشعرت هذه العلاقة الجدلية بين التعددية الظاهرة والهيمنة المبطنة، التي تتخذ مناحي أحادية أحياناً. فكان أن لجأت باريس الى سياسات أحادية مضادة في سياستها الخارجية في معظم الفترة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية، أكان ذلك من خلال إعادة تقويم الفرنك عامي 1957 و1958 على التوالي أو من خلال الإنسحاب من قيادة الناتو عام 1966 أو رفضها المشاركة في الإتفاقية الروسية الأميركية البريطانية للحد من إنتشار الأسلحة النووية عام 1969 أو موقفها الرافض للإنضمام الى الوكالة الدولية للطاقة خلال أزمة النفط عام 1973.
والحال يبدو ماكين، لو قيض له الوصول الى البيت الأبيض، اكثر من مجرد إستمرار لرئاسة جورج دبليو بوش، على الرغم من وضعه الارهاب في صدارة التحديات التي تواجهها واشنطن، قدر ما هو إنضاج لـ "الحرب المفتوحة" مع الارهاب المتأسلم في مرحلتها المقبلة وإنضاج لفكرة الدمقرطة في العالم
...

عودة الى افتتاحيات

عودة الى مراجعات الصحف