يحمل التاريخ، إذ
يتعرّج، مفارقات حَريّة بالتأمّل. فهي كثيراً ما
تخالف طرقاً مألوفة في الوصف والتنميط المعمّمين
بقدر من النسخ وقدر من الكسل. من ذاك، مثلاً لا
حصراً، أن يُنتخب شيوعيّ تخرّج من الاتّحاد
السوفياتيّ السابق، رئيساً لجزيرة قبرص، فيما
الأخيرة تخطو أولى خطواتها نحو أوروبا. فكأن
الشيوعيّة، في ذاك المكان الأقلّ أوروبيّة، باتت
إحدى طرق التحديث وتسريعه في مواجهة يمين قديم،
قوميّ وبدائيّ، أهمّ مرتكزاته الكنسية
الأرثوذكسيّة المتخلّفة، يستمدّ طاقته على
الاستمرار من معاداة أتراك الجزيرة.
وعلى رغم الفوارق
في الأحجام، لعب الشيوعيّون في معظم أوروبا
الجنوبيّة أدواراً ملحوظة في الانتقال الى الحداثة
والأوربة قبل أن يضمروا هم أنفسهم، وقبل أن يتّجه
معظمهم الى اشتراكيّة ديموقراطيّة ما. يصحّ ذلك،
بتفاوت، في إسبانيا والبرتغال واليونان. وهو ما
يجعل تشكيك المحافظين القبارصة بشيوعيّي «أكيل»،
الذي يعود تأسيسه الى 1927، مضحكاً وسخيفاً. لكنه
أيضاً تشكيك ينطوي على رجعيّة لم تبارح القوميّة
القبرصيّة حيال الغرب والتقدّم. فالمحافظون أولئك
لا يفعلون، إذ يثيرون موجة الرعب من اختيار
ديميتريس كريستوفياس رئيساً، غير استعارة قاموس
الحرب الباردة كما لو أنهم مثبّتون بغباء في الزمن
ذاك مُسمّرون عليه. فهم، مثلاً، يحذّرون من حكم
«الجيش الأحمر» لقبرص ويفوتهم انه لم يعد ثمة جيش
أحمر أصلاً. وهم «ينبّهون» القبارصة اليونان الى
أن الرئيس الشيوعيّ سوف يجعل قبرص «كوبا أخرى»
فيما كوبا الأصليّة تواجه حيرتها في زمن انتقاليّ
كفّت معه، وكانت كفّت قبله، عن أن تكون لأحد
نموذجاً أو منارة!
والحال ان الجزيرة
الكاريبيّة تطبق عليها العزلة التي يسعى محافظو
الجزيرة المتوسطيّة، لا شيوعيّوها، الى اقتباس بعض
منها. وهو ما يصوّب نظرنا الى انشطار العالم الذي
يقال إنه بين «يمين» و «يسار». ذاك أن فيديل
كاسترو الذي حكم بلده 49 عاماً متّصلة لم يستشر
شعبه خلالها في أمر حكمه، لا هو باليمين ولا
باليسار، بل هو واحد من شيوخ المحافظة التي يجهد
اليمين القبرصيّ الى محاكاتها. وإذا كان هذا
التقسيم، شأن كلّ تقسيم، لا يختزل تعقيدات العالم
وتناقضاته، يبقى أن ما يُعرف بصراع الغرب والحركات
الأصوليّة يحمل الكثير من عناصر الصراع على ضفّتي
الحداثة والتنوير.
والراهن أن
«النظريّة» التي ينهل منها المحافظون القبارصة هي
إيّاها التي نهلت منها الريغانيّة حين استعجلت
سقوط الاتّحاد السوفياتيّ ولو بالتحالف مع
المجاهدين الأفغان، وتلك التي نهل منها الاتّحاد
السوفياتيّ حين وصل به اندفاعه لمكافحة النفوذ
الغربيّ الى تأييد حركات ملاّكي الأراضي وقادة
القبائل والعشائر في «الشرق» وإسباغ الوطنيّة
لقباً عليها.
وقد يكون في شتات
متفرّق من الأحداث والتطوّرات ما يفتح كوّة نظر
بديل حيث يرتسم النزاع من حول التقدّم والتنوير
المحرّك الأبرز للعالم الذي نعيشه ولفهم صراعاته.