|
ليس «الطلاق» هو خيار
يمكن أن يلوّح به أو يشهره الواحد منا على الآخر.
انه في لبنان عين الواقع. الطلاق
هو الواقع اللبناني القائم بالفعل، وكل مكابرة
عليه امعان فيه.
فالطلاق هو أفضل
ما يمكن توصيف الوضع اللبناني الحالي به. بل انه
الواقع المطلق، لا استعارة فيه أو
مزاح. هو واقع يحكم كل علاقة ممكنة بين الفريقين
المتصارعين بأن تلزم حد اللاعلاقة.
الحوار علاقة. الحرب علاقة. أما الطلاق فهو تسجيل
لواقع محكوم بهذا النزوع الى حيث
تنعدم كل علاقة.
الواقع اللبناني اليوم هو واقع هوة لا قاع لها،
هوة تفصل بين
ذاكرتين جماعيتين ليس يمكن الواحدة منهما
الاستشعار بألم الأخرى، بل ليس يمكن
الواحدة منهما الاستشعار بأن الأخرى تتوجّع مثلها
وتتألّم. مع ذلك ليست تتعادل
الذاكرتان الجماعيتان المتقابلتان، ما دامت
احداهما مطبوعة بثقافة ابتهال الألم،
فتماهي بينه وبين اللذة، وتخطئ الوصول الى كل
منهما، فيما الذاكرة الجماعية الثانية
تحاول أن تشق لنفسها طريقاً متعرّجاً من رحم
الآلام الى حيث «هدنة» ما.
ثمة طرف
ينحو الى ابرام «هدنة» مع الواقع، بصرف النظر عن
قدرته على ذلك، وثمة طرف مخاصم له
ينحو الى المزيد من الطلاق مع الواقع، وهذه النزعة
من هذا الطرف الى المزيد من
الطلاق مع الواقع هي عينها النزعة التي تحكم
بالطلاق بين الطرفين.
ان ثقافة
الطلاق مع الواقع، والاحتكام الى الغيب، هي عينها
ثقافة الطلاق مع الأفكار، ومن
ضمنها الفكرة اللبنانية، كفكرة لبناء كيان وطني
قابل للعيش ومسالم، كفكرة لبناء
كيان ليس يعرف الا طائفتين، طائفة مسيحية متعددة
الكنائس وطائفة اسلامية متعددة
المذاهب، وليس شركة مساهمة بين عشرات الطوائف التي
يمكن أن تهوي الواحدة منها
بالهيكل ما إن تنسحب منه للضغط على أعمدته الأخرى.
وبالنسبة الى ثقافة الطلاق
مع الواقع، فإن كل فكرة ليس مصدرها الغيب محض وهم.
والغيب ليس مصدراً لأي فكرة.
الغيب ليس الا مصدر الدعوات بأن «تعالَ الي»، اخرج
من عالمك الأرضي، واقفز نحوي.
اقفز لأي سبب كان، اقفز! كن وحدك السبب وراء
القفزة. الغيبي يناجي غيبه: بأن زدني
ظلماً، وزدني ألماً. والغيب يتكرّم على روّاده بما
لذ وطاب لهم من مظالم وعذابات.
في ظل هذه العلاقة المباشرة، بين الغيب والغيبيين،
لن يعود الحوار الوطني ممكناً لا
بشكل مباشر ولا بشكل غير مباشر. لا حوار الا بشرط
الاتفاق على أن ثمة حدود تفصل بين
الغيب والواقع.
وحين يصير الحوار ممتنعاً الى هذه الدرجة، لا يعود
تطلّبه هو
الحلّ. انما الحلّ هو الاتفاق على ما يمكن فعله في
حال ظلّ الحوار ممتنعاً، يوماً
في اثر يوم، وأسبوعاً من بعد أسبوع. فكيف نتعايش
مع واقع لم يعط بعد كلمته الفصل
لصالح انعاش التعايش أو الاقلاع عنه مرة واحدة
وأخيرة.
أول ما يمكن فعله، وما
ينبغي فعله، في هذا المجال، هو أن يحترم كل فريق
حق الآخر في أن يسمّي نفسه ما شاء
من أسماء. لا يعقل أن يقترن شخص بليلى فيسمّيها
هنداً، ولا يعقل أن لا تسمّى «قوى
14
آذار» بغير الاسم الذي تختاره لنفسها. وهذا يؤسس
عليه أمر آخر: لا يعقل أن ينسحب
التشكيك بالشرعيات الى التعريض بشرعية البطريرك
الكاردينال مار نصر الله بطرس صفير.
لنتعلم اذاً أن نسمّي ليلى ليلى وأن نسمّي هندا
هنداً. لنتعلم ثانية أن هندا
تختلف عن ليلى، وليلى لا تشبه هندا. لنتعلم ثالثة،
انّه إما أن نختار ليلى وإما أن
نختار هندا. إما أن نختار الهدنة مع الواقع وإما
أن نختار الحرب عليه. وإما ان
نختار الحياة وإما أن نختار الموت.
|