Beirut Letter/articles/wissam saadeh

 

السفير 14-02-2008

لهذا الكيان...
وسام سعادة

للاستقلال الثاني صانعان تاريخيان: البطريرك الماروني مار نصر الله بطرس صفير، والرئيس الشهيد رفيق الحريري.
يختلف المنحى الذي اتخذه كلّ منهما لنيل الاستقلال الثاني. إنما ليس من المبالغة الادعاء بأن التقاطع الاستقلالي قد لاحت معالمه منذ البدء، في حركة كلّ منهما، وعلى اختلاف المنطلق والإطار والأسلوب.
فما اكتشفه الرئيس الحريري في التسعينيات، هو أن العمران خير سبيل لاسترجاع السيادة. ذلك أن استعادة لبنان لدوره الاقتصادي الليبرالي المبادر، والمنسجم مع الخصوصيات الثقافية لمجتمع تعددي بل عشوائي، سوف يحول دون تغييب لبنان عن الخريطة، وهو تغييب لم تكتف بالإيحاء به «معاهدة الأخوة».
أما دبلوماسية جذب الاستثمارات فقد أريد لها تعويض ضمور الدبلوماسية اللبنانية بعد فرض «تلازم المسارين» عقيدة رسمية عام .1993
بل أن دبلوماسية جذب الاستثمارات سرعان ما تحوّلت بنفسها إلى دبلوماسية سياسية استثنائية إبان عملية «عناقيد الغضب»، فكان للرئيس الحريري الدور المشهود له لجهة رسم الإطار الممهّد لإجلاء القوات الإسرائيلية عن جنوب لبنان تحت ضربات المقاومة، ودون قيد أو شرط.
لقد اكتشف الرئيس الحريري في التسعينيات أن العمران هو خير سبيل للتقليص من حدّة الوصاية، ثم من الوصاية نفسها. فكي يستعيد لبنان حرّيته ينبغي أن يستعيد قبل كل شيء دوره، وأن يستعيد حاجة العرب، كل العرب، إليه.
فديموقراطية لبنان لا تنظر إلى نفسها «كبؤرة» ثورية لإشاعة الديموقراطية في البلدان العربية، إنما هي تنظر إلى نفسها وينظر إليها «كرئة حيوية» طليقة اللسان.
طبعاً، لم يتبلور هذا التوجه المتكامل في مشروع الرئيس الحريري إلا شيئاً بعد شيء، وعلى محك التجربة. بقي المشروع بحاجة الى المزيد من الاستكمال والتحصين، بمثل ما بقي ويبقى بحاجة الى «التدوين». لكن هذا المشروع ليس يقرأ من زاوية أن الرئيس الحريري كان يراهن على «الشرق أوسطية»، أو على سرعة تحقيق التسوية الإقليمية الشاملة.
بل إن المشروع طرح على نفسه من البدء سؤال: كيف يمكن لمسيرة العمران أن تنطلق في بلد لم تكتف الحرب بتدميره، وإنما بنيت فيه مدن جديدة وبشعة خلال أعوام الحرب. كيف يمكن للعمران أن يقوم في بلد معظمه تحت الوصاية السورية، وقسم من ترابه تحت الاحتلال الإسرائيلي، وليس من الواقعي الطلب من قسم من أبنائه الكفّ عن مواجهة حكم الوصاية، كما ليس من الممكن الطلب من القسم الآخر من أبنائه تقنين مقاومتهم العسكرية المشروعة للاحتلال الاسرائيلي؟
واذا كان السؤال عن كيفية استرجاع «دور لبنان» هو الشغل الشاغل للرئيس الحريري ابتداء منذ مطلع التسعينيات، فان السؤال عن كيفية استرجاع «شخصية لبنان» بقي الشغل الشاغل عند الكنيسة المارونية منذ أن تهدّدتها رياح الطيش في نهاية الثمانينيات. وقد وجدت الكنيسة المارونية في العقد التالي للحرب الأهلية حوافز أساسية للنهوض بدور يقارن بما قامت به الكنيسة الكاثوليكية في بولونيا في أيام مقاومة العفن الشيوعي. فكان الإرشاد الرسولي، وكانت زيارة البابا يوحنا بولس الثاني، ويضاف الى ذلك تبؤّ البطريرك صفير سدّة الكردلة، وهي سدّة يتناساها البعض حالياً حين يدعون الى أنه كان ينبغي على البطريرك أن يستقيل منذ عشرات السنوات، بداعي الدفاع عن النظام الداخلي للأساقفة!
لقد لعب البطريرك مار نصر الله بطرس صفير دوراً أساسياً في استرجاع روح لبنان وشخصيته، وصولاً إلى اللحظة المطلقة للعملية الاستقلالية في أيلول ,2000 وهو ما لم يكن ليتحقق إلا من بعد اللحظة الانتخابية في آب 2000 التي تمكّن فيها الرئيس الحريري من تحقيق نتائج أوجبت تسميته رئيساً للوزراء.
منذ العام ,2000 تقوّى التقاطع الاستقلالي بين القامتين، وهو ما تعمّق أكثر فأكثر مع نشأة لقاء قرنة شهوان، تحت رعاية بكركي، ومع المصالحة المارونية الدرزية في منطقة الجبل. حاولت عملية 7 آب 2001 الأمنية أن تحجر على هذا التقاطع، وأن تحظر أي تلاق بين «دور لبنان» و«شخصية لبنان».
لكن بالرغم من كل شيء فقد تبلورت أكثر فأكثر تلك المعادلة التي يمكن إيجازها بالتالي: إن قوة لبنان، وإن لم تكن في ضعفه، فليست أبداً في أن يحمّل أثقالاً تفوق طاقته. ليس المعيار هو أن يتحمّل لبنان كل ما اجتمع من أسباب القوة.
إن قوة لبنان تتقوم في وعي دوره وفي استعادة شخصيته. إن قوة لبنان تكمن في الإيمان بأن لهذا الكيان دوراً وشخصية.

عودة الى افتتاحيات

عودة الى مراجعات الصحف