|
المقارنة اللفظية بين
الهدوء الذي طبع لغة الثنائي السيد حسن نصرالله
والعماد ميشال عون، والخطاب الملتهب
للنائب وليد جنبلاط، وبدرجة اقل للنائب سعد
الحريري، توصل السامع العادي، غير
المستغرق في حيثيات الحياة السياسية، الى استنتاج
بدهي قوامه ان المعارضة ركنت الى
الهدوء والتماس الوفاق، فيما اركان الاكثرية
ذاهبون الى الحرب، تهديداً وتأهباً،
فيرحب بمستوى المعارضة، ليدين اهل الاكثرية ومن
يقول قولها في السياسة.
ذلك صحيح
في الظواهر. اما في بواطن الحال السياسية، فالامر
على نقيض ما يتبدى على
السطوح.
نبدأ بالظاهر.
لقد ذهب جنبلاط الى لغة مكروهة (رغم التراجع عنها)
بغيضة، تثير عليه اصدقاءه ومشايعيه قبل اعدائه
ومناهضيه. فالحرب لعنة وقباحة ودم
وكوابيس وقبور وذكريات لا يشتهيها عاقل. الحرب
اطاحة للبنان وتوغل في القسمة
واستدعاء للعدو الاسرائيلي الى داخل الدار. الحرب
فعل متوحش، وسلاحها اثيم. وما كان
يحسن بوليد جنبلاط ابداً ان يبدو على هذه الصورة
المتوترة، ولو رداً، ولو لغرض
سياسي، ولو طمعاً بتوازن.
...
لنعبر الى ما خلف اللفظ.
خلف الهدوء اللفظي
الذي وسم لغة الزعيمين المعارضين، كان هناك اطلاق
نار كثيف على المبادرة العربية،
واصرار على شروط لو استجيب لها لنزلت الهزيمة
بمشروع استقلال لبنان، ألم يفصح عون،
بعد ساعات من المؤتمر المشترك، عن شروط دفعت بعض
حلفائه الى التنصل منها، من فرط
مجافاتها المنطق السوي؟ أوليست الحرب على لبنان،
في اللحظة الراهنة، ذات مسمى واحد:
اسقاط المرشح التوافقي والعودة الى التنازع حول كل
شيء؟ أليس اسقاط الحل العربي
اندفاعاً نحو المجهول؟
اما في جبهة الاكثرية، فصياح عال، ولكن بمضمون
دفاعي، بل
تراجعي. نبرة حادة في الدفاع عن مشروع الحد
الادنى: أعطونا هذا الرئيس التوافقي
وخذوا ما ترتجون. ألم تبلغ الاكثرية حدود الموافقة
على المثالثة، اي انكار اكثريتها
بالاساس؟ ألم تفقد نفسها كل اوراقها. ورقة في اثر
ورقة؟
الاكثرية ذات نبرة حادة؟
صحيح. وقد لا تكون لغتها مستساغة لدى من يخشون
الانزلاق نحو الفتنة. قد ترفع
الاحتقان المذهبي الى مستوى يتوجس معه كل متوجس.
(اطلاق الرصاص من جمهورها امر
يستوجب الادانة المطلقة. ولكن هل من يفحص الهوية
السياسية لكل من اطلق الرصاص؟) لكن
الاكثرية ترد هجوماً ولا تهاجم. ترد على من
اعتبرها واعتبر لبنان لقمة في الفم حان
أوان ابتلاعها. الاكثرية ترد بالكلمة، بالصياح،
على من يخاطبها بالاغتيالات،
بالمتفجرات، بهدر دمائها، بالتهويل باستباحة مناطق
نفوذها بساعات!
الاكثرية ترد
بالصوت الجهير على انقلاب موصوف يريد ان يبسط سلطة
على البلد، بالانتفاخ، والدعم
العسكري المفتوح. تريدون السلطة؟ حسنا. انتظروا
اشهرا قليلة وخذوها حلالاً
بانتخابات نيابية.
من يخشى الفتنة (ونحن نرتعب منها) فليحول بصره نحو
من يعيقون
الحل. لو كانت الاكثرية هي من يتشدد ويعيق، لكنا
رفعنا الصوت بالادانة. لو كانت هي
الممسكة بالسلطة فعلا، لرفعنا الصوت بالادانة.
لو كانت تتواطأ مع العدو، لرفعنا
الصوت بالادانة. لو كانت عصبة اميركية تغتصب
السلطة لرفعنا الصوت بالادانة. لكنها
اكثرية لبنانية، استقلالية، تصيب وتخطئ. ساعة تخطئ
نهجوها وساعة تصيب نمتدحها،
لكننا نعفّ عن سفيه الكلام والاتهامات بالخيانة
ولفق الاكاذيب، وتشويه الكرامات...
وادعاء طهارة من أوغلوا في الفسق السياسي والمالي
سنوات لا عدَّ لها.
لقد ضغطوا
على الرقاب كثيرا، فرفعت الاكثرية الصوت اختناقا،
بلغة ما زلنا نقبّحها رغم كل شيء.
فهل يربطون هم ألسنتهم، وألسنة اذاعاتهم،
وتلفزيوناتهم وقد باتت ملعب
شتائم؟
•••
غداً يوم نريده مهيباً للبنان كله. لا نفهمه يوماً
للسنّة او للدروز. لا نفهمه يوماً لمعاداة الشيعة
او اهداراً لصنيع المقاومة
الباهر: تحرير الجنوب. لا نفهمه يوما لصليل السيوف
وتزييت البنادق. لا نفهمه يوما
لواشنطن ومشاريعها.
هو يوم اعلان ان الرئيس الشهيد رفيق الحريري،
كسائر الشهداء،
غابوا من اجل ان نعيش كراماً، لا يدوس رقابنا احد.
يوم لجميع الشهداء. من قاتلوا
الارهاب، ومن قاتلوا اسرائيل. ومن وقفوا بالجبين
العالي، ليهزموا التنين.
أليست
بيروت مدينة مار جرجس، من هزم التنين، لتسلم
المدينة؟
|