في الأول من كانون الأول 2006، وبعد عشرة ايام فقط
على اغتيال الوزير
بيار الجميل، نزلت قوى التعطيل بقيادة "حزب الله"
بخيمها الى ساحة رياض الصلح مهددة
باقتحام السراي (ميشال عون ينذر فؤاد السنيورة انه
لن يكون لديه متسع من الوقت كي
يضب شنطته!(
جاء
عمرو موسى الى بيروت، راح عمرو موسى...
جاء
برنار كوشنير الى بيروت، راح برنار كوشنير...
عاد موسى حاملا "المبادرة
العربية"، غادر موسى ل"يدرس العربية"!
أتى موسى من جديد حاملا صيغة "منقحة"
لل"مبادرة العربية"، ثم هرول عائدا من حيث أتى على
"أمل العودة" قبل 26 شباط
المقبل، أي الموعد الجديد الذي حدده نبيه بري لعقد
جلسة الانتخابات الرئاسية
(!).
وسيعود موسى مرة سادسة وسابعة و... عاشرة، تماما
كما تتكرر منذ 25 ايلول
الماضي، وللمرة السادسة عشرة، دعوات-الترف ورفع
العتب التي يمارسها بري وسيظل
يمارسها بوتيرة أبطأ، بدأت أسبوعية وأصبحت كل
اسبوعين او ثلاثة مرة، وربما تصبح
شهرية، ومن يدري... على وقع التوقيت السوري
بانتظار المحكمة الدولية؟!
وفي
الانتظار، ول"تعبئة الفراغ" وتقطيع الوقت يتكثف
التعطيل على الأرض وعلى صعيد
المؤسسات، هذا اذا بقي هناك مؤسسات من دون تعطيل.
والا... فالتخوين سيد
الموقف!
احتلال رياض الصلح وتهديد السراي كان من أجل منع
اقرار المحكمة الدولية!
ثم كان التصعيد يومي 23 و 25 كانون الثاني، وحرق
الدواليب وقطع الطرقات ومحاولة
الانقلاب على الأرض لاشعال الفتنة المذهبية،
والسعي لافشال "مؤتمر باريس-3" الذي
كان منعقدا يومها لدعم لبنان اقتصاديا. واذا كان
المؤتمر قد نجح يومها في تأمين 7،6
مليار دولار للبنان، الا انه جمد عمليا بفعل تعطيل
المؤسسات، وتحديدا مجلس النواب
الذي بات بري يخلط بينه وبين "حركة أمل" التي يرأس!
وقبل هذه وتلك، ولدعم نهج
التعطيل استقال وزراء "حزب الله" و"حركة أمل" من
الحكومة من أجل المطالبة
بالمشاركة! لاحظوا هذه البدعة: أخرج من الحكومة
التي شاركت فيها لأكثر من سنة "كي
أطالب بالمشاركة"، عفوا لأعطل قرار الحكومة عبر
"الثلث المعطل". لهذا السبب، ومن
أجل تسويق هذه البدعة، كان من الضروري التصعيد في
الشارع وفي لهجة الخطاب والتخوين
واتهام الحكومة بالتواطؤ وتسميتها ب"حكومة
فيلتمان´وغيرها من النعوت... على مدى
أشهر.
لم يمنع التعطيل في الشارع من اقرار المحكمة
الدولية، أو ربما الأصح القول
ان التعطيل هو الذي دفع الى اقرار المحكمة في مجلس
الأمن، وليس في مجلس النواب
اللبناني. ولكن، بعد اقرارها تم اغتيال وليد عيدو...
وقبل اقرارها بعشرة ايام
تم الاعتداء على الجيش من قبل تنظيم "فتح الاسلام"
الارهابي تمهيدا لاطلاق معركة
نهر البارد وتوريط الجيش. وما هي إلا ايام حتى
ينبري السيد حسن نصرالله معتبرا
المخيم "خطا أحمرا" أمام الجيش، مع ما رافق ذلك من
اتهامات للأكثرية انها متواطئة
مع المجموعة التي توافد عناصرها عبر الحدود
السورية-اللبنانية وتلقت الدعم
اللوجيستي والسلاح من أجهزة النظام السوري...
انتهت معركة البارد بانتصار الجيش
ولو بكلفة باهظة، وانطلقت معركة الرئاسة. راوغت
قوى التعطيل وتخلت موقتا عن مطلبها
تشكيل "حكومة وحدة وطنية"، وتظاهرت بالتعامل مع
الجهود والوساطات الفرنسية
والاوروبية والعربية، ثم اللائحة التي وضعها
البطريرك الماروني، والتي قرر بري ومن
وراءه افشال الخطة باختيار من يشاء منها... وما
تبعها من تهويل وتهديد بالويل
والثبور وعظائم الأمور اذا ما لجأت الأكثرية الى
انتخاب الرئيس بالأكثرية المطلقة،
أي بالنصف زائدا واحدا!
ألم يكرر محمد رعد، ولعشرات المرات، انهم لن
يقبلوا الا
بقيام "حكومة وحدة وطنية ولو قبل نصف ساعة من
انتخاب رئيس" جديد للجمهورية؟ وهذا
الذي يحصل!
بالمقابل، كيف تعاطت الأكثرية؟
خلال المهمة الأولى لأمين عام
الجامعة العربية عمرو طرح رئيس الحكومة حلا
ل"المشاركة" يقوم على صيغة حكومية (19
+10+1)،
اي بتخلي الأكثرية عن الثلثين. وكان الجواب
بالرفض، وهذا طبعا قبل اقرار
المحكمة ذات الطابع الدولي... وعاد موسى أدراجه.
ثم طرح السنيورة صيغة (17+13)
ولكن بعد فك أسر المجلس واقرار المحكمة الدولية.
ورفض أيضا.
بعد اقرار المحكمة
في مجلس الأمن ومشارفة الجيش على حسم معركة نهر
البارد، أعلن نبيه بري من بعلبك انه
وحلفاءه يتخلون عن مطلب "حكومة الوحدة الوطنية"
شرط تخلي الأكثرية عن حق الانتخاب
بالنصف زائدا واحدا والتوافق على رئيس الجمهورية.
تجاوبت الأكثرية مع هذا الطرح
وبدأت المفاوضات والاتصالات واللقاءات الثنائية
بين الحريري وبري، وما تبعها من
عرقلة ووضع العصي في الدواليب وغير من ذلك مما بات
معروفا...
ثم دخلنا في دوامة
الوساطات الفرنسية وال"ترويكا الأوروبية" ومجددا
العربية!
شروط و"سلات متكاملة"،
يضاف اليها النزوات والطموحات الشخصية مثل هوس عون
بالرئاسة، أو ب"التخلي عن حقه
(الالهي؟)
في الرئاسة مقابل ان يسمي هو الرئيس و"يترك" لسعد
الحريري تسمية رئيس
الحكومة. وهنا حاشية: عون يريد اتفاقا شاملا يرافق
التوافق على رئيس الجمهورية،
ويتهم الأكثرية ب"الاستئثار" و"التفرد" ويشحن
مذهبيا على موقع رئاسة الحكومة، لكن
اذا تسنى له ان يعقد "صفقة ثنائية" مع الحريري فلن
يتأخر. وهذا ما سعى اليه أكثر من
مرة...
جاء كوشنير مرة واثنين وثلاثة وأربعة و... سبعة من
دون نتيجة. وبغض النظر
عن اداء كوشنير والانفتاح الفرنسي على دمشق، الا
أن جهوده أفشلت وهدد بكشف
المعطلين. فهل يفعل، ومتى يفعل؟
للخروج من المأزق الرئاسي، قررت الأكثرية تبني
ترشيح قائد الجيش ميشال سليمان متراجعة عن موقفها
المبدئي برفض تعديل الدستور
وانتخاب عسكري لرئاسة الجمهورية، على ضوء تجربة
عون وبالأخص تجربة اميل لحود. أي
انها قدمت تنازلا كبيرا من أجل تحاشي حصول فراغ في
موقع الرئاسة المسيحي، ولملاقاة
حلفاء سوريا في منتصف الطريق، على اعتبار ان
سليمان كان في الأساس مرشحها.
عادت الكرة الى الملعب العربي، وارسل وزراء
الخارجية العرب موسى مجددا الى بيروت
حاملا مبادرة تقوم في جوهرها على تخلي الأكثرية،
ليس فقط عن ثلثي المقاعد الوزارية،
بل وايضا عن الأكثرية البسيطة أي النصف زائدا
واحدا... فخطت الأكثرية خطوة أخرى الى
الوراء ووافقت على بنود المبادرة التي تحرمها من
حقها ان تكون أكثرية، ولكن "حزب
الله" وحلفاءه رفضوا الصيغة وابتدعوا فكرة
"المثالثة" في الحكومة (1+10+10)،
واتهموا عمرو موسى انه منحاز ويقدم تفسيره الشخصي،
وانه لا يجيد العربية وغيرها من
الطرح الديماغوجي والاتهامات المعتادة... عملا
بالمثل القائل "يرضى القتيل ولا يرض
القتل"!
وعند عودته الأخيرة، أبدى موسى استعداده لبحث فكرة
"المثالثة" فما كان
من عون "المفاوض" باسم قوى التعطيل ان رفع السقف
مكررا المطالبة ب"الثلث المعطل"
وبمعرفة من سيكون رئيس الحكومة واسماء وزراء
الحقائب السيادية وغيرها... لدرجة ان
بري بدا محرجا
(!).
ولكن عون كان "صريحا" باقراره أخيرا انهم يمارسون
عمليا
تعطيل المؤسسات، وتوجه الى الجميل والحريري قائلا:
أليس من الأفضل لكم ان تعطونا
"الثلث
المعطل" داخل الحكومة؟
اذا التعطيل هو العنوان وهو الهدف.
والتنازل من قبل الأكثرية يقابله مزيد من التعطيل،
ومزيد من المطالب
التعجيزية...
فهل
يتكلم عمرو موسى، هل يبق البحصة كما قال ولمح أكثر
من
مرة؟
ان القرار ليس عند هؤلاء، انهم فقط الوسيلة والهدف
هو المحكمة!
المحكمة،
ولا أي شيء آخر! لبنان بات رهينة في يد النظام
السوري يسعى للمساومة عليها بهدف
التوصل الى تسوية حول المحكمة التي تقض مضجعه
وتؤرق نوم أركانه!
وماذا ستفعل
الأكثرية، ماذا ستفعل قوى 14 آذار؟ هل بالاستمرار
بتقديم التنازلات؟ ان جمهورها ليس
جمهورا ايديولوجيا، انه جمهور متنوع ومتعدد الآراء
والمشارب، وبالتالي مسيس. جمهور
التقى واحتشد في 14 شباط بملء ارادته، ولقناعته
بأهداف 14 آذار السيادية
والاستقلالية وبضرورة قيام الدولة ومؤسساتها.
جمهور لا "يمشي على عماها" كما يقال،
جمهور يشارك، ويناقش، ويعترض. جمهور يفقه اللعبة
وتشعباتها الداخلية والاقليمية.
لذلك فهو يعيش فترة احباط ومصاب بخيبة أمل...
ناهيك عن آلية التواصل المفقودة بين
قوى 14 آذار وجمهورها، وغياب اي برنامج بحده
الأدنى. كما انها تبدو فاقدة للمبادرة
تكتفي بالتعاطي بردة الفعل، وليس الفعل، مع الفريق
المعطل.
فهل تتحول الذكرى
الثالثة لاغتيال رفيق الحريري الى مناسبة لاعادة
الحياة الى 14 آذار كي تعيد تنظيم
صفوفها، بدءا من انتخاب رئيس الجمهورية ولو
بأكثرية النصف زائدا واحدا؟!