|
تتضاءل أكثر فأكثر
المساحة التي يمكن للقلم النقدي اللبناني، أن
يتواصل فيها مع أسئلة عمانوئيل كانط
الثلاثة، وهي الأسئلة البانية الهادية للنقد
بمعناه الحديث.
جعلت الأسئلة
الكانطية على التوالي: ماذا يمكنني أن أعرف، وماذا
يتوجّب عليّ أن أقوم به، وبماذا
يحق لي آن آمل. لكن في لبنان اليوم، باتت تتضاءل
المساحة التي يمكنها احتمال هذه
الأسئلة. وصارت المساحة مؤجرة لفرائض ثلاث، تقضي
أولاً بتأويل الغيب بطرق مختلفة
ومناجاة الظلمة كما لو أنها النور الأسفهيد، وتأمر
ثانياً بمحاكاة العسس والعيون مع
خلفية موسيقية مرهفة مقتبسة من باليه «بحيرة
البجع»، وتفتي ثالثاً بوجوب قراءة
الواقع اللبناني على أنه في حركة ثورة دائمة
للفقراء على الأغنياء.
تؤدي كل
واحدة من هذه الفرائض الثلاث الى تعطيل حركة الفكر
في الجسد اللبناني. وتتشارك
الفرائض الثلاث مجتمعة في تعطيل دورة الدم في
الجسد اللبناني ومواصلة نهشه وتقطيع
أوصاله، كما أنها تتقاطع مع كثرة الجحود بالفكرة
اللبنانية هذه الأيام، وتقوي من
هذا الجحود أجواء التنكر لبديهيات لازمة لقيام أي
دولة في العالم، وفي مطلع تلك
البديهيات، ضرورة احتكار الدولة للعنف الشرعي
المنظّم.
فما يقال للقلم النقدي
اللبناني إنه بمقدوره التفكير بكل شيء، والافصاح
شعراً أو نثراً عن كافة رغباته
وشهواته، الا ما تعلّق بتوجيب احتكار الدولة للعنف
الشرعي المنظم. لكن، والحال هذه،
ماذا يبقى للثقافة النقدية في حال تغييب مثل هذه
الموضوعة، ماذا يبقى كي يستأهل
المعرفة، وكي ينبني على أساسه الواجب المدني
والأخــلاقي، وكي تؤطر عملية الرجاء
تبعاً له.
فلا يمكن أن تنهض الثقافة النقدية بشكل سليم الا
على قاعدة تأطير
وتنظيم العنف وجعله في حدود الدولة لا غير. فان لم
يكن الأمر كذلك لصار العنف هو
سلاح القارئ على الكاتب، والتلميذ على المعلم،
والمريد على العارف. ليس الدفاع عن
مبدأ احتكار الدولة للعنف الشرعي المنظم قضية لا
تعني الثقافة النقدية، أو تعنيها
بشكل طيفي أو موارب. انما هي، الآن تحديداً، شرط
امكان الثقافة النقدية، جنباً الى
جنب مع شرط الدفاع عن المجتمع من حيث هو مجتمع.
فان لم يكن نقل العنف المنظم من
بعض المجتمع، لا الى كل المجتمع، وانما الى كل
الدولة، هو الشغل الشاغل للمثقف
النقدي في هذه الأوقات بالذات، فبماذا يمكن أن
يهتم المثقف النقدي؟
لقد صارت
المواجهة مفروضة من قبل أن تكون مكشوفة، ان في
السياسة أو في الثقافة. ومعيار
المواجهة على صعيد الثقافة هو أن يكون للثقافة دور
في اعادة احياء معنى السياسة في
بلد كلبنان. معيار المواجهة على صعيد الثقافة هو
أن العنف ليس سبيلاً يحتكم اليه في
الثقافة، لا العنف الفيزيائي ولا العنف الرمزي
الممهّد للعنف الفيزيائي، فان كان من
مشكلة بين أمر ثقافي وأمر غير ثقافي فعادة ما ينظر
في حلّها في القضاء، وعلى أساس
القوانين المرعية، وليس على أساس تكتيل قدرة من
العنف الرمزي وسوقه في هذا الاتجاه
أو ذاك، تأسيساً وتحريضاً للعنف الفيزيائي من أن
يتجدّد ويصيب من يصيب.
ويفتح
ذلك على المقلب الآخر من المشكلة: لن يكون بمقدار
لبنان أن يتابع مسيرة الاستقلال
السياسي لكيانه الوطني من دون أن تنطلق مسيرة
استقلاله الثقافي عن كل ما من شأنه أن
يمثّل جحوداً بالفكرة اللبنانية بحد ذاتها،
وبأساطيرها المؤسسة المطلوب تأطيرها
واحياؤها بدلاً من التلهي بنسفها أو تسفيهها، ومن
دون أن تنطلق مسيرة الاستقلال
الثقافي عن كل ما من شأنه أن يجعل العنف الرمزي أو
الفيزيائي هو بمثابة الحكم في
داخل المعترك الثقافي، أو في ما بين البعد الثقافي
وأي بعد آخر للوجود البشري.
أما ان كانت دار لقمان ستظلّ على حالها، والأسئلة
الكانطية ستصادر بشكل تام
ومطبق، فعندها لن تعود أمامنا سوى فريضة الايمان
بالملكوت السماوي وبسيرة القديسين.
تحجب عنا الأسئلة النقدية فنهرع الى الايمان،
فتكون النتيجة أنه يستكثر علينا
التفاخر بالانتساب الروحي الى أمثال يوحنا فم
الذهب، بل نتهم بابتغاء تطويب يعقوب
الكبوشي كما لو كانت هذه تهمة. فماذا لو عرف مطلق
هذه التهمة لائحة كل الذين نحلم
بتطويبهم؟!
|