|
تحتفل الملّة المارونية
بعيد شفيعها في ظروف مقلقة ولا اعتيادية. صحيح أن
ذكرى الناسك الزاهد مارون ظلّت
تقطع دروباً وعرة وأحياناً مهلكة قبل أن تصل
الينا. وصحيح أن الملّة المارونية ليست
مهدّدة اليوم بشكل مباشر لا بالاقتلاع من أرضها
ولا بالمجاعة الجماعية ولا بالخضوع
لاحكام أهل الذمّة أو ايفاء الجزية والخراج. وصحيح
أن الموارنة يشربون ويأكلون
وينامون ولا يشذّون في ذلك كثيراً عن بقية من
يساكنهم هذه الأرض.
الا أن
المشكلة تكمن هنا. ليست الملّة على ما يرام، لأنها
أثبتت في الأشهر الماضية أنه
يمكن لأبنائها أن يشربوا ويأكلوا ويناموا فيما
كرسي الرئاسة شاغر، والانتخابات
الرئاسية معطلة أو مؤجلة وليست تلتفت الى معاني
الخطاب الماروني المزمن الذي يجعل
من الكرسي البطريركي ضمانة حيوية لا غنى عنها
بالنسبة الى وجود ابناء الملة ومعاشهم
ودورهم في هذه المنطقة من العالم.
تطرح المشكلة نفسها على الشكل التالي: علام
يطالب الموارنة بالرئاسة ما داموا على حالهم بعد
شغور منصبها، ليس من يهمّ في شرب
مائهم أو منازعتهم مأكلهم أو تعكير نومهم؟!
أو تطرح المشكلة نفسها على هذا
الشكل أيضاً: لم تعد المفاتيح السيادية ضرورية
لتعريف الطائفة المارونية. ونعني
بالمفاتيح السيادية للطائفة، فضلاً عن رئاسة
الجمهورية، كلاً من الكرسي البطريركي
وقيادة الجيش. اذ يتعرّض هذا الثالوث المركز
للسيادة الرمزية المارونية على أعمال
التفريغ والتعطيل والحصار. مع ذلك فإن الموارنة
يشربون ويأكلون وينامون، ولا يكاد
يحسم الجدل حول هوية الطرف الغالب شعبياً في
إطارهم.
ليس ما يجبر الموارنة على
التزام الوديان والمغاور. ليس ما يجبرهم على تخلية
البلاد إلى المهاجر. ليس صحيحاً
أن كل ما يعانون منه يختصر بالنزيف الديموغرافي.
والديموغرافيا المارونية ما زالت
وازنة، وعادة ما يبالغ في حصر عددها أو التقليل
منه. لكن المهم أنه في كل الحالات،
يشرب الموارنة ويأكلون وينامون. وقد يصح القول
بأنهم لا يشربون كفاية ولا يأكلون
أكثر من سواهم ولا ينامون ملء جفونهم، لكنهم، في
المحصلة العامة يشربون ويأكلون
وينامون، حتى بعد أن ضاعت الرئاسة، وحتى بعد ان
جرى التعريض بالكنيسة، وحتى بعد أن
جرى التعريض بمؤسسة الجيش.
ليس ثمة ما يهدّد وجود الموارنة من حيث هو وجود
النفس الهضمية، لكن ثمة ما يهدّد وجودهم من حيث هم
موارنة.
الخطر الراهن هو أن
الموارنة في طريقهم إلى أن يصبحوا غير موارنة.
وإذا شئنا الاستعارة التاريخية
الدينية لقلنا بأن الخطر الراهن هو أن ينتقل
الموارنة من المارونية السياسية إلى
النسطورية السياسية.
إن الإغراء «النسطوري» يطرح نفسه مجدداً، بين
الموارنة.
قامت البدعة النسطورية على افتراض بناء حياة
مسيحية حقيقية وأصيلة، لكن على أساس
ادارة الظهر للعالم المسيحي. أما الوجود التاريخي
الماروني فقد انبنى تماماً في خط
معاكس للفكرة النسطورية. قامت المارونية على أساس
مضاد للنسطورية. اخترقتها منذ
البدء قناعة راسخة بأن الانتماء الى المسيحية يعني
الانتماء الى العالم الداخلي
السرّي لكل فرد منا، والانتماء الى العالم المسيحي
الذي يؤلف في ما بيننا. بعكس
النسطورية، لم تدفع مظالم قيصر المارونية لأن
تنقاد وراء كسرى. وحتى بعد أن جلا
قيصر عن هذه الأرض الآرامية والسورية، ظلّت
المارونية تتطلّع الى قيصر.
قد يمرّ
وقت طويل قبل أن يكتب تاريخ
نقدي كامل لهذه الملّة التي حملت اسم القديس
مارون. لكن
أي تاريخ نقدي كامل يمكنه أن يكتب لن يكون بمقدوره
التقاط خيط واصل فاصل بين مختلف
الحقب والمراحل التي اجتازتها المارونية من دون
التأسيس على هذا الافتراق الحاسم
بين خيارين عرفهما الوجود المسيحي في هذه المنطقة:
الخيار النسطوري، والخيار
الماروني. الخيار النسطوري هو خيار الاحتماء وراء
كسرى. والخيار الماروني هو خيار
إحياء التطلّع إلى قيصر مهما كانت مظالم قيصر،
ومهما كانت قلّة اكتراثه بمسيحيي
الشرق عموماً، وبالموارنة تحديداً.
ولأن المارونية قامت في الأساس بالضد من
النسطورية، وعلى قاعدة الجمع بين التراث النسكي
الزهدي وبين الغرف من المرجعية
الأنطاكية لمار يوحنا فم الذهب، لجهة التأكيد على
الدور الإكليركي في صقل حياة
الجماعة، ولأن المارونية فتنت، تاريخاً أو أسطورة،
بصورة المسيحي الذي يمتشق السيف،
حتى ولو ابتعد عنه العالم المسيحي، فإن الصراع مع
النسطورية كان دائماً يتجدّد في
داخل الطائفة المارونية. بل ان تحوّل المارونية من
جماعة تجد تعريفها في كنيستها
إلى طائفة بالمعنى الحديث المرتبط بقيام الدولة
اللبنانية إنما انعكس نسطرة جزئية
لحال الطائفة ككل، وصار الصراع مع النسطورية كمثل
صراع المارونية مع نفسها، لأجل
ترويض هذه النفس أو حمايتها.
وهذه هي حال اليوم، فيما الطائفة تحتفل بعيد
شفيعها، من دون أن يكون بمقدورها أن تتعرف على
وجهها تماماً في وجهه الأيقوني، ذلك
لأن النسطورية السياسية بلغت منها مذهباً، وصارت
تفتي بأنه يمكن للموارنة أن يشربوا
ويأكلوا ويناموا حتى من دون رئاسة، ومن دون كنيسة،
ومن دون عسكر.
|