Beirut Letter/articles/georges nassif

 

النهار 06-02-2008

الى العماد ميشال سليمان
إنْ سقطت سقطنا

جورج ناصيف

حضرة العماد ميشال سليمان،
لا اعرفك شخصاً، ولم يسبق لي ان وجدتك رمزاً لوحدة البلاد في يوم من الايام. لكن سلوكك منذ أَجزتَ انتفاضة 14 آذار وما سبقها من تظاهر في 8 آذار، مرورا بالدم الطهور الذي سكبه الجنود تحت قيادتك في وجه العدو الاسرائيلي، ثم في وجه الارهابيين، أحلّك لديّ حلولا كريما، لأنك نزعت عن الجيش ثلاث صور بغيضة لازمته منذ أمد بعيد:
-
صورة الجيش الشليل، المطأطئ الرأس امام العدو الاسرائيلي.
-
صورة الجيش الذي لم يتعمد بالنار، ولا أبلى قتالا.
-
صورة الجيش المنحاز، طورا بعد طور، الى أحد الفرقاء السياسيين او الطائفيين، فهو حيناً من الدهر، جيش المسيحيين، وحينا آخر الجيش المؤتمر من دمشق.
بسنوات قليلة، أعدت تقديم الصورة المشتهاة عن الجيش، جيش الجميع،  جيش الكرامة الوطنية، وجيش الانصات الى نبض الناس.
ثم طرحتك الأكثرية مرشحاً توافقيا لرئاسة البلاد، وذهبت الاقلية الى الموافقة بعد لأي وتلعثم واندهاش وبعض تشكيك تصاعد لاحقا.
في الاشهر الأخيرة، إزددت يقيناً انك الرئيس الصالح لأنك علوت على الشقاق السياسي الداخلي، ولزمت الثوابت الوطنية الكبرى: معاداة اسرائيل، تقديم الولاء للوطن كلا على الولاء لفريق، الحرص على علاقة طيبة مع دمشق من غير حصرية معها او مجافاة لسائر العرب والعالم.
لكن ما بدا صائباً وحكيماً في عينيّ وعيون جموع اللبنانيين، لم يكن كذلك في عيون البعض، ممن يريدك صورة عن سلفك في قيادة الجيش، فيما انت صورة عن نفسك، لا اكثر ولا اقل. لذلك يصليك هذا البعض نارا.
لا ادعوك، سيدي العماد، الا ان تبقى ما انت: هادئاً، متوازناً، حازماً، مشدوداً الى الوطن كله، طائفة طائفة ورقعة رقعة.
سيوغر البعض صدرك على من يعيقون وصولك الى الرئاسة. لست من هؤلاء. فبقاؤك متعالياً على الانقسامات خير لنا، نحن الاستقلاليين، من تحولك فريقا، الان بذلك فقط يبقى لبنان.
أعرف ان ما ينتظرك شاق في بلد الشقاق. اعرف انك تسير على حبل رفيع لو انقطع لهويت. ان سقطت سقطنا. وتحلّل لبنان.
من دون جيشك الموحد، سيفترس كواسر الطوائف بعضهم بعضاً، ويفترسوننا، لن يبقى منزل آمن على رؤوس اصحابه. من دون جيشك ستغدو الشوارع متاريس وخنادق.
إبقَ قائدا للجيش، لا مرشحاُ محتملاً للرئاسة. خاطب الجميع من شرفة جيشك الواحد، لا باعتبارك تحتاج الى مرضاة احد.
دع السياسيين يهرعون اليك، ساعة تغلق الابواب. فبعد طول السفر، سيعودون اليك الا اذا كانت وجهتهم صوب لبنان آخر.
سيدي،
انت اليوم، وفي غد آتٍ رئيسنا ونحن شعبك.
لسبعة ايام متتالية، طوّق القراء الاحباء عنقي بشلال من الرسائل الالكترونية والاتصالات والرسائل الهاتفية، لمناصرة ما تضمنته الرسالة التي وجهتها الى قيادة "حزب الله" مما جعلني انحني امامه شكرانا واحساساً بالعجز أمام حب مجاني يمنحك اياه الناس، انت غير المستحق. وأبهجتني كثيرا تلك الرسائل الناقدة التي شاءت على قلتها، ان تدفع الحجة بالحجة في حوار رصين. جوهر موقفها ان الاستقامة الاخلاقية تملي عليّ الا "اقصر نقدي على اداء "حزب الله"، وأتعامى عن مثالب القوى السياسية المناهضة.
لهذه الاصوات الناقدة بلا تشنج او ابتذال، اقول: كاتب هذه السطور هو من كتب: "لنفصل بين الاخطاء المتراكمة لقوى 14  آذار وهي تستدعي نقدا لا يرحم بادر اليه بعض قادتها، ولحظة التأسيس الاولى كلحظة وطنية جامعة اعاد فيها اللبنانيون اكتشاف ما يوحدهم". (14 آذار 2007)
وهو من كتب: اننا لا نريد انفسنا ورقة في استراتيجية اميركية لمواجهة الثنائي السوري – الايراني. استراتيجية اسقطت الكذبة الديموقراطية وراحت تعمّم الفوضى لتوليد شرق اوسط "جديد" لن يكون جديده سوى المزيد من الدموع والحروب والتفتيت والدويلات المذهبية" (4 تموز 2007)
وهو من دعا  الاكثرية الى تسوية تاريخية مع سوريا كاتبا: "ينبغي على الاكثرية الاستقلالية التي بسطت يدها من اجل تسوية تاريخية لبنانية شجاعة ان تصوغ تسوية تاريخية لبنانية سورية تكون بديلا من الاستغراق في المزيد والمزيد من استدعاء مظلة دولية، والمزيد المزيد من القطيعة السورية – اللبنانية" (4 تموز 2007).
ولكن، ولكن، هل يتعين على الكاتب، في كل مقال، ان يكرر ثوابته الفكرية والسياسية التي التزمها لعشرات السنين، (منذ ان باشرت الكتابة عام 1975)؟ وهل ان كل منتقد لـ"حزب الله" هو نصير بالضرورة لتيار "المستقبل"؟ هل كل نقيصة يسجلها على "التيار الوطني الحر" يجب ان يرفقها بهجاء لـ"القوات اللبنانية" كيلا يحسب انه من دعاتها؟
أليس في مستطاعك، في هذا البلد الموبوء، ان تكون حرا، ولا يافطة على جبينك، بشرا سويا حين تهجو وحين تمدح؟
صفوة القول اننا نبصر بعينين اثنتين. نلتزم اهداف حركة 14 آذار، حركة الشهداء، في السيادة والحرية والاستقلال، من دون ان نبرىء كثيرين من قادتها من مفاسد اياديهم، امس او اليوم.
ولكن، دعونا نسأل: هل يمارس اصدقاؤنا الكتبة من 8 آذار ما نمارسه نحن، فينتقدون زعماءهم ساعة يتوجب ذلك. ويمتدحون خصومهم ساعة يصيبون؟ هل يخلعون معاوية ام يطالبنا البعض بأن نخلع علياً فقط؟

عودة الى افتتاحيات

عودة الى مراجعات الصحف