|
يبدو
انه لم يعد هناك من حدود لخطاب العنجهية والوقاحة
الذي يشعر صاحبه ان له الحق
المطلق، وربما الالهي، باطلاق التهم يمينا وشمالا
وتخوين كل من يخالفه الرأي، وكيل
الشتائم والتجريح وغيرها من مفردات الخروج عن أدب
التخاطب، والادعاء بامتلاك
الحقيقة. بالاضافة الى المثابرة في السعي المستمر
عن "عدو" داخلي يتم التصويب عليه
من أجل اضفاء نوع من "المصداقية" على طروحاته
ومواقفه وشد عصب جماعته
ومناصريه!
وهذا ينطبق هذه الأيام على سلوك بعض من يعتبروا
أنفسهم في موقع المعارضة، متناسين انهم يقيمون
دويلة وسلطة قائمة بذاتها وأمن ذاتي في المناطق
التي يسيطرون عليها ويمنعون على المؤسسات الأمنية
الشرعية من التواجد فيها. ولهذه الأسباب يمارسون
ما يمارسونه ويحاولون فرض خطابهم وحقيقتهم على
الآخرين، وكل من وما يخرج عن هذا الاطار يصبح
خائنا وعميلا. تماما كالخطاب التي انتهجته وتنتهجه
أنظمة القمع العربية، وما تطلقه من شعارات زائفة
باسم فلسطين وشعبها وتدعو الى "النضال" و"الصمود
والتصدي" وما اليها من أساليب التعمية والغلو
اللفظي في الخطاب...
فبعد مرور أكثر من اسبوع على أحداث- فتنة "الأحد
الأسود"، وما توصل اليه التحقيق الجدي والدقيق
الذي سارعت الى اجرائه قيادة الجيش في تحديد
المسؤوليات، يصر مسؤولون من "حزب الله" على اعتبار
أن ما حصل هو "مؤامرة على جمهور المقاومة"، ويوجه
بعضهم (محمود قماطي وحسين الحاج حسن) أصابع
الاتهام الى الجيش، وتحديدا الى بعض الضباط ("هناك
مشكلة مع ضباط في الجيش")، في محاولة لتصنيف بعضهم
وخلق شرخ داخل القيادة العسكرية وزعزعة وحدة الجيش
وتماسكه، بعد ان تم شل وتعطيل المؤسسات الدستورية،
من الفراغ في رئاسة الجمهورية الى اغلاق مجلس
النواب ثم عرقلة عمل الحكومة بالانسحاب منها ...
ماذا يعني "جمهور المقاومة" وكيف يمكن الربط بين
الاثنين؟ ألم يؤكد مسؤولون من هؤلاء الذين يسمون
أنفسهم معارضة ان التحرك كان مطلبيا وعفويا، ولم
يكن لأي طرف منهم علاقة مباشرة به؟ أم انهم
يعتبرون ان هناك "مناطق محرمة" يصبح مجرد دخول
الجيش اليها او حتى الوقوف على تخومها تعديا
وتحديا لسلطتهم؟ ثم من قال ان كل من يسكن او يقيم
في الضاحية الجنوبية هو من "جمهور حزب الله"؟ أم
أنهم يريدون فرض سلطتهم وخطابهم وأمنهم وإمرتهم
على كل من يسكن هذه المنطقة، وصولا الى اعتبار ان
كل شيعي هو بالضرورة من جمهورهم؟
وكذلك، كيف يمكن اعتبار أحداث الأحد الدامية
والأليمة بمثابة تعد على "جمهور المقاومة"؟ الا
اذا إعتبرنا (أو إعتبرتم!) ان المقاومة هي من نظم
هذا "التحرك العفوي"؟ فهل ان المقاومة تقوم باحراق
الدواليب والتعدي على املاك الناس وكرامتهم؟ طبعا
كلا!
ولكن... كيف تفسرون وجود مسؤولين من "حركة أمل"
وعناصر من "انضباط حزب الله" على الأرض منذ بدء
التحرك؟ وغيرها كثير من الأسئلة.
أما في "السياسة"، ورغم نفي أكثر من مسؤول ربط
ترشيح قائد الجيش ميشال سليمان بنتائج التحقيق،
فقد انبرت بعض الأبواق السورية الى استباط توصيف
جديد لسليمان معتبرين انه بات "مرشح شبه توافقي"،
اي انه لم يعد توافقيا. فيما "تؤكد" سوريا انها ما
زالت تدعم سليمان وتربطها به "علاقة قديمة"!
فمذا يعني هذا الكلام؟ وبناء على ماذا؟ أليس لأنها
تعتبر ان الجيش وقائده هم من خطط او تورط في
الاعتداء على "جمهور المقاومة"؟ أم ان هناك من نصب
فخا للجيش (طرف ثالث أو طابور خامس؟!) بقصد توريطه
وحرق بالتالي ترشيح سليمان؟ وسواء كان هذا أو ذاك،
يجب الاعتراف ان الجيش لسوء الحظ وقع في هذا الفخ
وجاء رده المشروع ربما مبالغا ومتسرعا. فاتخذت
الاجراءات وتم توقيف بعض الصباط والعسكريين على
ذمة التحقيق.
الا ان هناك من يطالب ب"اعدام" المرتكبين!
وفي موازاة ذلك، تكشف بعض صحافة هذا الفريق عن
نواياه الفعلية فتصعد من حملتها على سليمان مروجة
"استعداده للتنحي"، أي بمعنى آخر هي تدعوه للتنحي.
وتتبعها بتسريب كلام عن احتمال "اقالة" (وليس
استقالة!) رئيس الاركان و أو نائبه. فيما تلاقيها
صحيفة أخرى، زميلة لها، في الحملة من موقع آخر
معنونة في صحفتها الأولى ان "التحقيق يطلق سراح
عمرو موسى..."، أي انه تم ربط مهمة موسى بنتائج
التحقيق كما تم ربط ترشيح سليمان.
وبما ان "المعارضة" قررت ان "تبني على التحقيق
مقتضاه"، فماذا عسانا ننتظر؟ علما ان رئيس المجلس
نبيه بري (ورئيس "حركة أمل") بدا مرتاحا وأشاد
بجدية التحقيق وبأهميته وقال ان "العبرة في
الخواتيم"، وتبعه في ذلك علي حسن خليل. الا ان
زمام القرار يبدو في يد "حزب الله".
فالى أين؟ وهل بدأ العد العكسي لافشال الوساطة
العربية بعد ان تم تشويه (فقط تشويه؟) صورة سليمان
كمرشح توافقي؟
النار الذي اطلق على موسى كان في اليومين الأخيرين
من العيار الثقيل، ودائما من قبل "حزب الله": من
منحاز، الى مردد لمواقف سعد الحريري ووليد جنبلاط
وسمير جعجع (كلام الحاج حسن على "ال. بي.سي" أمس)،
الى متبني تفسير الأكثرية. فيما التفسير "المنطقي"
و"الطبيعي" في رأي الحاج حسن، هو صيغة "المثالثة
العشرية" أو "الثلث المعطل" للطرفين... فلماذا
يأتي موسى اذا؟
لا بد من الاعتراف ان قوى التعطيل، وفي مقدمها
"حزب الله"، قد نجحت في الامساك بزمام المبادرة
وتنفيذ خطتها في الاطباق على البلد، عبر "عملية
القضم" والانقضاض التدريجي والمنظم على المؤسسسات
الواحدة بعد الأخرى... فها قد مر أكثر من شهرين
على خلو سدة الرئاسة، والناس شبه تعودت على الفراغ
و"نسيت" ان هناك مجلسا نيبيا مقفلا و...
تحت عنوان "رجاء جديد للبنان"، شخص البطريرك
نصرالله صفير في رسالة الصوم الوضع بدقة متناهية:
"هماك من التحق سياسيا بغير لبنان وقدم لهم مطية
يتوسلونها لتحقيق رغبات هذا وذاك من البلدان، على
ان يبوءهم البلد الذي تطوعوا لخدمته المركز الذي
يتوقون الى ملئه في بلده". ولكننا نخشى ان يكون
الهدف هو هدم البلد ومؤسساته؟!
أما الأكثرية فماذا عساها فاعلة؟ والى متى تستمر
في الخضوع للابتزاز وتقديم التنازل تلو الآخر؟
|