Beirut Letter/articles/mustafa alouche

 

المستقبل 01-02-2008

جريمة التحريض
مصطفى علوش

"نعيب زماننا والعيب فينا
وما لزماننا عيب سوانا
(الإمام الشافعي)

"بئس شعب لا يمجد أبطاله وشهداءه لأنه عندها سيتوقف عن انتاجهم، بعد ان يتوقف عن تقديرهم، فالشهداء الأبطال هم روح الشعب، والشعب الذي لا ينتج الشهداء لا يمكن أن يكون له قائد ملهم مستعد للشهادة دفاعاً عن الأمة في أوقات المصاعب، ان مجد الأمة يبني علي وجود هذا القائد البطل وينهار في غيابه.
ولا يجب ان ننسى الشكر والعرفان للأمهات والنساء والأطفال الذين قدموا الأحبة والمعيلين للقضية وتحملوا أقدارهم بصبر وشجاعة. ان هذه التضحيات هي نذور مقدسة يقدمها أشرف الناس، ابناء أمتنا في سبيل مجدها".
كان هذا مقطع من خطاب إلى الأمة القاه "رودولف هيس"، "نائب الأمين العام" للحزب النازي في 25 شباط 1934 أمام مليون نازي تجمعوا ليقسموا يمين الولاء لأدولف هتلر. والملفت ان هذا المقطع يمكن اسقاطه في أي من خطابات الزعماء الملهمين، في أي مكان، وفي أي زمان، دون ان يلاحظ أحد الفرق، ولا ان يلتفت الى المفارقة، طالما أنه واحد من الآلاف، أو الملايين من البشر الذين لا أسماء لهم كأفراد، بل هم جماعة "جمهور الحزب".
في غمرة البحث عن "قناص" ما أو "موتور" ما ليلقى عليه وزر دماء الشهداء الذين خطفوا من شبابهم ومن عائلاتهم، وخطفت منهم أسماؤهم ليصبحوا "شهداء" بدل ان تكون لهم صفة عامل أو فلاح أو طبيب أو معلوماتي أو أب أو جد أو زوج أو أخ، لا يمكن لمن تنطحوا ليتخذوا صفة المدعي في هذه القضية ان يتنصلوا من مسؤوليتهم المباشرة عما حدث لهؤلاء الشبان.
فان كان ما دفع الشباب الى الاحتجاج هو تردي الوضع الاقتصادي، وهو واقع تعاني منه كل المناطق والفئات والمذاهب، فالأحرى كان السؤال عن دور استمرار لبنان كمنصة لاطلاق الصواريخ نيابة عن ديكتاتور مدني وآخر الهي في تردي الحالة الاقتصادية واستمرار هروب الاستثمارات وهجرة الطاقات.
والأحرى أيضاً سؤال من اتخذ القرار باختطاف الجنود الأعداء في 12 تموز 2006، مما أدى الى الكارثة الكبرى المعروفة، عن مدى الأذى الذي تسببه هذا القرار على الحالة الاقتصادية. والأحرى أيضاً سؤال من عطل دورة الحياة الطبيعية من احتلال لوسط العاصمة ومن مظاهرات عشوائية ومنظمة، وحرق الاطارات وقطع الطرقات وعن مدى تأثير ذلك على الاقتصاد.
والأحرى أيضاً سؤال خطباء المناسبات وغير المناسبات من فقيه وفكيه وسفيه، عن مدى وقع كلماتهم وتهديداتهم على أحوال الاقتصاد.
وللمحتجين على الهدر والفساد، وهم على حق، فما عليهم إلا ان يسألوا العشرات من المتربعين على عروش القيادات المعارضاتية ممن ابتلعوا الصناديق والوزارات والالتزامات والطرقات، وممن غيروا ملابسهم ومساكنهم وسياراتهم، ولو مرة: "من أين لكم هذا؟"!
وللمحتجين عن أحوال الكهرباء، وهم أيضاً على حق، فما عليهم إلا ان يسألوا من تربع على عرش وزارة الطاقة على مدى حكومات ما بعد الطائف، عن رأيهم في هذا الملف، وعما فعلوه لعلاجه، وعن كيفية علاجه في المستقبل، وان كانت عمليات قطع الطرقات سوف تساعد على وصل التيار المقطوع، وان كانوا ساهموا في اقناع احد بعدم التعليق على خطوط التوتر، وهي أيضاً لها شهداء، وان كانوا شجعوا على دفع الفواتير يوماً، أو حموا جابياً عاثر الحظ حاول تحصيلها في منطقة نفوذهم؟
ولكن ما لنا وكل هذا المنطق، فان الأمور قد تخطت وبأشواط واسعة مسائل المطالب المعيشية، لتحط في منطق واحد اسمه الانقسام الوطني ما بين مشروعين متناقضين على مختلف المستويات، وهما مشروعان يتخطيان أيضاً الاطار الطائفي والعشائري الى الرؤى السياسية والعقائدية والاقليمية والدولية.
لذلك، وبغض النظر عن عفوية التحركات أو عدمها، فان القوى التي يقودها "حزب الله"، نيابة عن رؤيا "ولاية الفقيه" الأممية، لا تألو جهداً في توجيه كل التحركات والهواجس والأحقاد والاحتقانات نحو مشروعها السياسي النهائي، والذي يتمثل مرحلياً باسقاط مشروع الدولة القائمة واحلال دولة حزب الله مكانها.
وبما ان هذا المشروع هو "الهي" المصدر حسب قناعة أصحابه، فان خسارة الآلاف من الأرواح في سبيل تحقيقه تعد مقبولة! وما تقبل خسارة أكثر من ألف من الشهداء في حرب صيف 2006 الا مثال على هذا التوجه الذي يعتبر تراكم أجساد الشهداء جسراً للعبور الى الأهداف السياسية.
لذلك، فان قيادة هذا الحزب الملهمة لم تتردد في تحشيد الجماهير، وجلهم من الشباب والمراهقين، على مدى سنة ونصف في محاولتها اسقاط الحكومة الحالية، وعندما فشلت في ذلك، توجهت الى محاولة اسقاط الدولة بأكملها من خلال الافقار المتعمد ومن خلال استهداف المؤسسات الواحدة تلو الأخرى، ويبدو الآن ان مؤسسة الجيش هي الهدف بعد ان تأكد عدم امكانية السيطرة عليها بشكل كامل.
ولكنني كمواطن لا بد لي أن أسأل قيادة الجيش عن كيفية تحول نهار الأحد الى حمام دم وعن مكامن الخطأ الذي جعل الأمور تنفلت من الحدود المنطقية لهكذا تحرك وذلك دفاعاً عن المؤسسة وحماية لها من استمرار الاستهداف. لذلك فاننا نصر على تحقيق شفاف ومقنع.
أما لناحية المسؤولية الأساسية، فانه من واجب أهل الشهداء أن يوجهوا الأسئلة الى القيادة التي لم تتوقف عن حقن ابنائهم بشحنات العدائية ضد الدولة والحكومة والمؤسسات وقوى الأكثرية لدرجة ربط الانتصار عليها بالنصر "الالهي" على العدو الاسرائيلي ودفعهم الى تخطي كل الحدود في العدائية التي لن تتمكن حتى "كاريزمية" السيد من احتوائها، هذا ان أراد أصلاً ذلك.
لقد لعبت "البروبغندا" النازية، ومن ضمنها خطابات هتلر الجماهيرية، دوراً بارزاً في جر ملايين الشباب الألماني الى حتفه، والسبيل الوحيد لتلافي هذه الكارثة اليوم هي بأن يدل أهل الشهداء وأهالي مشاريع الشهداء على المحرضين لوقفهم عند حدودهم وانقاذ حياة الأبناء! فهل يسمعون؟.


(*) نائب لبناني عضو كتلة "المستقبل

عودة الى افتتاحيات

عودة الى مراجعات الصحف