|
لم ينضج حتى اليوم تعاطي الحركات السياسية
الاسلامية العربية. هذه الحركات ورثت العنف عن
السلف القومي اليساري بشكله الثوري
المراهق. وفيما العالم يتغير، تتخبط هذه الحركات
بين ثوابت عقيدتها والحاجة الى
الواقعية وفن الممكن في التعاطي السياسي.
في غزة، لم تنجح "حماس" في شيء بعد
فوزها في المجلس التشريعي وتشكيلها الحكومة.
القيادة في "حماس" لم تلاحظ ان دعم
المجتمع الدولي لها، وخاصة الاتحاد الاوروبي في ظل
الانحياز الاميركي الدائم
للاسرائيليين، ضرورة قصوى ففرطت به من اجل موقفها
المبدئي من وجود اسرائيل.
لا
تقرأ "حماس" التاريخ ولا تتعظ. في النمسا، وصل
اليميني المتطرف يورغ هايدر الى
الحكم في العام 2000 وسط "عقوبات" فرضها الاتحاد
الاوروبي على بلاده لتطرفه. ولم
يلبث الشعب النمسوي ان استدرك جسامة خطئه
الانتخابي الديموقراطي وتحمل مسؤولياته
فانهار هايدر وتنحى بعد اقل من عام. ولا يبدو ان
الشعب الفلسطيني سيحذو حذو
النمسويين.
"حماس"
تقرأ ما يحلو لها من التاريخ وتحاول، كمعظم
الحركات الاسلامية
الاخرى، اعادة احياء بعض ما جاء فيه فتقترح "هدنة"
على الاسرائيليين غالباً مدتها
عشر سنوات في استخفاف تام لعقول المجتمع الدولي،
وكأن دول العالم لا تعرف ان "حماس"
تخال نفسها امة الاسلام الفتية التي ابرمت ما عرف
بصلح الحديبية مع مشركي قريش
والذي ما لبث ان انهار بعد عامين وافضى الى فتح
المسلمين مكة.
كما من المفيد ان
تعرف "حماس" ايضا ان الغرب يتابع الهمس بين
انصارها عن صراع الاجيال مع
الاسرائيليين الذي قد يبدأ بهدنة اليوم كالتي
عقدها صلاح الدين مع الصليبيين وينتهي
بانهيار المملكة الصليبية تماما.
وبما ان فكرة "حماس" عن الديبلوماسية
والعلاقات الدولية تأتي من احداث تنتمي الى صدر
الاسلام والقرون الوسطى، فهي لم تجد
ما تقدمه في الحكم خارج الشبكات الريعية
الاجتماعية التي كانت قد انشأتها والتعبئة
الشعبوية وطبعاً النضال المسلح الذي انحصر بصاروخ
من هنا او من هناك بعد انسحاب
الاسرائيليين من قطاع غزة.
بعد ان فشلت "حماس" في اخذ المبادرة دوليا
باعترافها
باسرائيل وانهاء مقولة الاسرائيليين عن غياب
الشريك الفلسطيني المفاوض، سنحت لها
فرصة اخرى بوساطة عربية وفرها لها تشكيل حكومة
الوحدة الوطنية مع الرئيس محمود عباس
المقبول دوليا.
وبدلا
من ان تستفيد "حماس" من الثنائية بين الحكومة
المفاوضة
والمقاومة للاحتلال كما في لبنان قبل العام 2000،
قامت بتصفية وجود "فتح" في غزة
وانحصرت سياستها اثر ذلك بتنظيم قطاع يحتاج سكانه
الى معجزة ليستأنفوا حياتهم بأدنى
مقوماتها.
قصة "حزب الله" تشبه الى حد كبير قصة "حماس" مع
فارق وحيد انه بينما
تقول "حماس" ان هدفها ازالة اسرائيل باكملها
واستعادة فلسطين من النهر الى البحر،
ولو بجدول زمني تتخلله هدنة او اكثر، لا سقف معلنا
لمقاومة "حزب الله"
المسلحة.
"حزب
الله" تعامل بواقعية اكبر داخليا مع تمرسه في
السياسة اللبنانية
اكثر فاكثر. الا ان هذا الحزب ما زال قاصرا في
السياسة الدولية ومفهومه لها.
تراجع "حزب الله" عن "ثورته الاسلامية" في لبنان
وحصر اهتمامه بتحرير الارض
اللبنانية من الاحتلال الاسرائيلي. يوم تم ذلك في
العام 2000، كان الاجدى بالحزب ان
يعلن حل جناحه العسكري وتحوله حزبا سياسيا بالكامل
وانضمامه الى الدولة والى
المجتمع الدولي فكما قبل العالم بانضمام الرئيس
الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، ابي
الكفاح العربي المسلح، الى ثناياه، كان من الممكن
انضمام "حزب الله"
وقيادته.
وللتذكير، حتى واشنطن كررت في اوائل 2005 انها
ترحب بـ "حزب الله" حزبا
سياسيا ان تخلى عن سلاحه. الا ان العقائدية
"النضالية" والعسكرية للحزب، ربما
متأثرا بتراث معظم محازبيه وانصاره اليساريين، طغت
على حنكته السياسية خلال اكثر من
فرصة سنحت له لتحويل تضحياته الى تراث وطني لبناني
ورصيد سياسي له.
برفضها
التخلي عن السلاح بعد التحرير، اخذت مقاومة "حزب
الله" في لبنان معاني ووظائف لا
تعطى عادة لحركات المقاومة حول العالم فصار "حزب
الله" تارة يشن هجمات عسكرية
محدودة في منطقة مزارع شبعا وطورا يخطف اسرائيليين
لمبادلة اسرى لبنانيين وعرب في
السجون الاسرائيلية. وهؤلاء، على اهمية حريتهم،
ليسوا الوحيدين في سجون المنطقة
ولكننا نرى حمّية "حزب الله" تظهر بالحديث عنهم
دون غيرهم من المساجين
"الاقليميين".
وفي آخر ابتكار لمعنى المقاومة، شن "حزب الله"
عملية في صيف 2006
قال اولا انها لمبادلة اسرى (او اسير) لبنانيين في
السجون الاسرائيلية ثم قال انها
كانت استباقية مبنية على معلومات بان اسرائيل كانت
تستعد لشن حرب على لبنان. هذه
الرواية ان صحت، تجعل من "حزب الله" اول حركة
مقاومة في العالم تشن حربا
استباقية.
في ايام، تتبنى قيادة "حزب الله" سيناريوات
الممانعة في المنطقة ويقول
مسؤولو الحزب ان هدفهم هو هزيمة "المشروع الاميركي
في المنطقة" فيعلنون بكثير من
التحدي للعالم "موت" قرار مجلس الامن 1559 القائل
بضرورة نزع سلاح المجموعات
اللبنانية وغير اللبنانية المسلحة كافة.
وفي ايام اخرى، يبدي هذا الحزب قلقه من
"تسييس"
المحكمة ذات الطابع الدولي لمحاكمة قتلة الرئيس
الاسبق للحكومة رفيق
الحريري ويعتبر ان الهدف الغير المعلن للمحكمة قد
يكون النيل من سلاحه ومن
الممانعة. كيف يتحدى "حزب الله" قرارات صادرة عن
مجلس الامن ويخاف في الوقت نفسه من
مشروع محكمة دولية لم يصدر قرارها الظني بعد؟ وان
كان العالم باكمله لن يقوى على
نزع سلاح "حزب الله"، بحسب تعبير قيادييه، فلمَ
الخوف من تسييس المحكمة وربط موضوع
السلاح بها؟
هكذا يبحث "حزب الله" عن وظيفة لمقاومته ويحول
نفسه من حزب لم يشارك
في الحكومات المتعاقبة يوما منذ تأسيسه حتى العام
2005 الى حزب يتنازع والآخرين على
مقعد وزاري او اثنين، ويحول نفسه من حزب يدافع عن
الامة الى آخر يبحث عن "الشراكة"
للشيعة في السلطة في لبنان، وهو مفهوم ساقط اصلا
اذ ان "حزب الله" ودويلته ومربعاته
الامنية التي لا يشاركه فيها احد وحروبه ومفاوضاته
منفردا مع اسرائيل هي ما يجب
مشاركته قبل الشراكة في حكومة اضعف منه بكثير.
في تجربتَي "حركة حماس"
الفلسطينية و"حزب الله" اللبناني، هناك اختلاط بين
مفاهيم العقيدة والعمل العام ادى
الى اخطاء فادحة في السياسة المحلية والدولية.
في السياسة المحلية، تتخلى هذه
الاحزاب عن عقيدتها او عن بعض منها لتقترب من
الواقعية المجتمعية وتشارك في السلطة
مع الحفاظ على دويلاتها.
في السياسة الدولية، تبتعد هذه الاحزاب عن المحافل
العالمية. تطالب ببعض القرارات الدولية التي
تناسبها وتتحدى التي لا تروق لها. ولكن
في العموم، لا تجربة تذكر لهذه الاحزاب دوليا كما
انها بحاجة للدولة لتتمثل من
خلالها عالميا.
وبينما يعوز كل من التنظيمين الواقعية والخبرة
الدولية، يقوم
حلفاؤهما الاقليميون بلعب دور الوصي عليهما.
وبينما يضحي التنظيمان بالغالي والنفيس
من اجل اسقاط "المشروع الاميركي" في المنطقة، يعقد
حلفاؤهما الاقليميون الاجتماعات
والمفاوضات بالنيابة عنهما مع
قوى العالم كافة من ممثلي واشنطن الى ممثلي
الاتحاد
الاوروبي ولكن ليس بالضرورة لما فيه مصلحة
التنظيمين.
(صحافي
لبناني مقيم
في واشنطن) |