Beirut Letter/articles/yussef moawad

 

النهار 30-01-2008

البطريرك ودمشق

يوسف معوض

مات ولم يوقّع"، هكذا جاء مانشيت جريدة "النهار" غداة وفاة الرئيس حافظ الأسد. كانت هذه الممانعة وما زالت عنوان فخر للشعور القومي إلى أي جهة انتمينا. وبعد العمر الطويل سيقال في البطريرك صفير انه "مات ولم يحجّ"... إلى دمشق. فما سبب هذه العلاقة المتأزمة بين صرح بكركي وقصر المهاجرين؟ أهو مجرد موقف حذر أم ود مفقود أم عداء مستحكم لا يصرّح عن نفسه؟ لماذا لم يقم البطريرك بتحرك نحو عمق لبنان الطبيعي تاريخياً وجغرافياً؟ أهو حزب البعث الحاكم الذي يستخف برجال الدين أم ذكرى القصف المدفعي العشوائي على المناطق المسيحية أم الانحراف في تطبيق اتفاق الطائف أم الطريقة الجلفة التي كان يعامل بها زوار دمشق من اللبنانيين؟ وللتذكير فإن الرئيس سليمان فرنجية كان من قلائل الرسميين الذين تعاطوا مع الرئيس حافظ الأسد بندّية، أما الباقون فكان مصيرهم الانتظار حتى يسمح لهم بالمثول أمام القائد السوري أو سائر معاونيه من مدنيين أو عسكريين.
حزب البعث حزب وحدوي علماني ولبنان جزء من عالمه الطبيعي الممتد من الخليج إلى المحيط، علاوة على أن فصل الدين عن الدولة من صلب الايديولوجية القومية. فإياك يا لابس الجبة وويل لك يا صاحب العمامة أن تبحث في مصير لبنان وهو مطوّب لسوريا. لقد تجلى هذا الموقف السوري بوضوح عندما قام وزير خارجية الفاتيكان بزيارة الشام في أواخر الثمانينات يبحث في حل للقضية اللبنانية. عاد المونسنيور أدراجه مشمئزاً من تصرف عبد الحليم خدّام غير اللائق... أهذا ما دفع البطريرك صفير إلى الامتناع عن الإقدام على خطوة جريئة لو حصلت لتركت أثراً على كرامة الطائفة ورمزية الوطن؟ أبى البطريرك التوجه صوب المصنع كي لا تكون الزيارة سابقة، ولربما تذكر كيف سعى جمال باشا جهده لاستدراج سلفه البطريرك الحويك لزيارته في مقرّه في دمشق إبان الحرب العالمية الأولى. فكان ذاك الشيخ الهرم يرسل لقائد الجيش الرابع الموفدين ليشرحوا له ان البطريرك لا ينتقل إلى خارج جبل لبنان. ولم يجتمع الطرفان للمرة الأولى إلا في صوفر وما كان على القائد التركي إلا أن رد الزيارة في الديمان.
توفي باسل الأسد فانتقل لبنان بأسره إلى سوريا، ومن بين الوفود كان الدكتور سمير جعجع بالذات، إلا ان هذه المجاملة لم تنجّيه من شر ما كان يدبر له، لأن الحكم السوري كان قد قطع الأمل من تطويعه. فكان انفجار سيدة النجاة! أما البطريرك صفير فلقد بقي على تحفظه وأرسل وفداً من السادة المطارنة للقيام بواجب التعزية. مناسبة ثانية لم ينتهزها غبطته عندما زار الحبر الأعظم عاصمة الأمويين. لم ينتقل بطريرك إنطاكية وسائر المشرق إلى ضفاف بردى للترحيب بيوحنا بولس الثاني الذي رعى لبنان والطائفة المارونية باهتمام لا نظير له. أمّا الرسالة الأهم والأخطر التي وجّهت للنظام السوري فتمثّلت في بيان المطارنة الموارنة الأول عام 2000.
هل كتب على العلاقات بين الشام وبكركي أن تستمر على هذا الحد من سوء التفاهم؟ يوم تنصيب المطران صفير بطريركاً كانت سوريا ممثلة في الاحتفال بوفد رسمي من الصف الثاني، وعلى ما نذكر فإن الموفدين رفضوا مصافحة الرئيس الجميل الذي حضر بصفته رئيساً للدولة.
مجدداً ما بال بكركي ودمشق تتجاهلان بعضهما البعض؟ زار البطريرك ذات مرة الدولة الجزائرية مما دفع الرئيس حسين الحسيني إلى التعليق معاتباً، وهو الحريص على موقع الصرح، ان البطريرك زار الدنيا ولم يزر الشقيقة والجارة.

عقدة ميسلون

هل ما زالت علاقة بكركي بدمشق محكومة بعقدة ميسلون؟ هل ما زلنا نعيش رواسب اتفاقية سايكس بيكو ومرارة تقسيم بلاد الشام إلى كيانات مستقلة؟ معركة ميسلون خاضتها الجيوش الفرنسية، فدحرت قوات الملك فيصل ودخلت الشام، وأمنت بالتالي الظروف لقيام دولة لبنان الكبير التي كانت تطالب بها البطريركية. هل ما زالت صورة الشهيد يوسف العظمة ومن بعده ذكرى الثوار المقاومين في الغوطة ماثلة في الأذهان حتى وقتنا الراهن؟ سوريا حكومة وشعباً لم تستوعب ربما فكرة "اللواء المتمرد" كما كان يدعى لبنان في الأوساط الوحدوية! فمن الصعب معالجة جراح اللاّوعي الجماعي وهي تملي بشكل لا شعوري المواقف وردود الفعل. إنما من الخطأ الاعتقاد أن هذه المعركة الفاصلة خاضها الفرنسيون نيابة عن دولة لبنان الناشيء أو عن البطريركية المارونية، مع الإقرار بأهمية الدور الذي لعبه انتصار الجنرال غورو في قلب ميزان القوى وخلق الأمر الواقع اللبناني.
ما برحت سوريا تعتبر ان لبنان هو اللواء السليخ في حين تعتبر بكركي أنها هي المؤتمنة على استقلال الـ 10452 كيلومتراً مربعاً (هي وبعض دوائر الخارجية الفرنسية). إنما العلاقة كانت مدى القرن الماضي محكومة بتحول الأحداث أكثر مما كانت مطبوعة بمرارة الانفصام. فكلما وقف الصرح في وجه الاستعمار كانت سوريا ترد التحية بأجمل. جماهير دمشق الساخطة تصرخ "الشيخ تاج (تاج الدين الحسني) عدو الله والبطريرك (عريضة) حبيب الله"، لأن بكركي وقفت بوجه الانتداب الفرنسي. ومن بعد فلقد نشأت علاقة وطيدة ولفترة بين عبد الناصر والجمهورية العربية المتحدة التي ضمت الإقليم السوري من جهة والبطريرك بولس المعوشي من جهة أخرى.

سعاة الخير

كم توكّل في زمن الإحباط المسيحي بعض أبناء الطائفة بإصلاح ذات البين. فحاولوا إقناع البطريرك بأهمية زيارة الرئيس حافظ الأسد، وكانوا يعدونه باستقبال ذي "طنّة ورنّة". وكان جوابه: أزور الشام إذا كان من جدوى! كانت تغدق عليه الوعود ومنها أن تضع الزيارة حداً للعلاقة الملتبسة طالما أن الرئيس الأسد اعترف، خلافاً لمن سبقوه، باستقلال لبنان وبسيادته. فيكون من نتائج اللقاء أن تتوضح الأمور، "فيقوطب" بالتالي غبطته على الرئاسات الأولى والثانية والثالثة وتقوم علاقة مميزة بين زعامة بلاد الشام المدنية والعسكرية وزعامة جبل لبنان الروحية. كثيرون من أبناء الطائفة ومنهم من السياديين الجدد néo-souverainistes تطوعوا بتوكيل أو بدون توكيل شامي أو عنجري لحمل غبطته على القيام بخطوة كانت أمرّ عليه من العلقم. إلا أن غبطته أبى!
فمن أين لرأس طائفة أنهكتها النزاعات الداخلية والهجرات والتهجير، من أين له هذا الثقل وهذه القدرة على قولة لا؟ قد يزعم بعض غلاة الموارنة أن بطريركيتهم كانت على مدى الأجيال على هذا الموقع الممانع انطلاقاً من البطريرك يوحنا مارون في التاريخ السحيق إلى البطريرك دانيال الحدشيتي في زمن المماليك. هذه الحقب أقل ما يقال فيها إنها غامضة، وبالواقع لم تعط البطريركية المارونية هذا المجد وهذا المقام إلا مع سقوط نظام المقاطعجية ومع دخول لبنان في لعبة الأمم في ظل التدخل الغربي.

السلطة الدمثة

من خصائص الطائفة المارونية أنها لم تنقسم، ولمرة واحدة، مثل سائر الكنائس المسيحية الشرقية بين كاثوليكية وأرثوذكسية. في هذا المجال حافظ أبناء مارون على وحدتهم. كان كمال الصليبي يردّد في محاضراته في الجامعة الأميركية أن الدين يوحّد الموارنة والسياسة تفرقهم. وكانت أقسى الفتن تلك التي تنتاب الطائفة من الداخل وكثيراً ما كانت لهذه النزاعات أسباب أو امتدادات إقليمية وخارجية. وعلى سبيل المثال كان في القرون الوسطى قسم من الموارنة مع الصليبيين وقسم آخر ضدّهم، ناهيك عما شهدته الطائفة من نزاعات مستحكمة بين البطريرك  والزعماء السياسيين كمقدّمي بشري أو مشايخ آل الخازن.
هذا قديماً. أما حديثاً فلنتذكر الخلاف الذي نشب بين الرئيس شمعون والبطريرك المعوشي على خلفية سياسية ربما، إلا أن النزاع كان يطرح سؤالاً تعذر الجواب عليه: لمن الصدارة على هذه اليابسة، أللبناني الأول (رئيس الجمهورية) أم للماروني الأول (البطريرك)؟
إلا انه خلافاً للبطريرك المعوشي الذي لمْ يتوانَ عن المواجهة فإن البطريرك صفير من دعاة السلطة الدمثة  soft power، وهو القائل: "نقابل ما نعاني بتفهم واستيعاب والوطن وطننا والناس جميعاً إخواننا". والذي يطفئ النار ليس أقلّ بأساً ممّنْ يضرمها.
(
محام وأستاذ جامعي)

عودة الى افتتاحيات

عودة الى مراجعات الصحف