Beirut Letter/articles/mustafa alouche

 

المستقبل 30-01-2008

الأمين العام.. الحكيم
مصطفى علوش

"أنا ماركسي، يساري الثقافة، التراث الإسلامي جزء أصيل من بنيتي الفكرية والنفسية، معني بالإسلام بقدر أي حركة سياسية إسلامية، كما أن القومية العربية مكوّن أصيل من مكوّناتي"
"إنني في حال انسجام مع قوميتي العربية ومسيحيتي وثقافتي الإسلامية وماركسيتي التقدمية"
(جورج حبش)

لا بد لمن يقرأ هذا التقييم الذاتي لـ"الحكيم" إلا أن يقدر عمق المعاناة التي كابدها في حياته محاولاً الجمع في شخصه متناقضات عقائدية كانت، ولا تزال، السبب لصراع لا هوادة فيه يبدأ بالأفكار، ولا ينتهي لا بالدم ولا بالدمار.
ولد جورج حبش في اللد، في فلسطين المحتلة سنة 1926 وسط عائلة ميسورة الحال، مسيحية أورثوذوكسية، وكمعظم مسيحيي فلسطين، ملتزمة بمشرقية عربية واجهت حملات التتريك في أواخر سنوات الخلافة العثمانية. لقد التزم مسيحيو لبنان وسوريا وفلسطين بالقومية العربية، لا بل اخترعوها في أواخر القرن التاسع عشر، كمحاولة صادقة لإيجاد القواسم المشتركة مع محيطهم المسلم، ومشاركته آماله ومعالجته لآلامه على قاعدة ومبادئ واحدة، في وقت كان دين الفرد هو معيار التعكسر الوحيد.
أكمل جورج حبش دراسته في يافا والقدس حيث تخرج من مدرسة العائلة المقدسة، عاد بعدها ليمتهن التدريس في يافا لسنتين وهو في السادسة عشرة من العمر. كان الغضب والشعور بالظلم يعم أبناء فلسطين العرب من الانتداب البريطاني ومن تسهيله للاستيطان اليهودي الذي بدأ ينتظم عسكرياً في مجموعات كالهاغاناه وشتيرن والارغون وغيرها، كان يقودها غلاة التعصّب القومي الصهيوني أمثال جابوتنسكي وبيغن وشامير.
انتقل بعدها الى بيروت، ودخل كلية الطب في الجامعة الأميركية سنة 1944 وتخرج طبيباً للأطفال سنة 1951، وهناك ترافق مع أحد أهم رفاقه، الطبيب الآخر وديع حداد، والذي قاد فرع "المجال الخارجي" في "الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين" لاحقاً، في شبه انفصال عن التنظيم الأم، بعد أن تخصص في العمل السري وقامت مجموعاته باغتيالات وخطف طائرات، كانت من أهم علائم أواخر الستينات والسبعينات والثمانينات من القرن الماضي.
بعد التقسيم والنكبة، أدار مع "إدمون فيلاوي" منتدى "العروة الوثقى" ذا التوجه الثقافي العروبي، ولكنه أسس لاحقاً مجموعة سرية لاغتيال "العملاء" في أوائل الخمسينات وبدأ العمل على إنشاء حركة "القوميين العرب" مستلهمة من أفكار "قسطنطين زريق" و"ساطع الحصري" تحت شعار ثلاثي "وحدة، تحرر، ثأر"، تركز عملها في الأردن ولبنان.
مع أن الحركة أعلنت سنة 1951، ولكنها أخذت اندفاعة كبرى من انقلاب "الضباط الأحرار" في مصر سنة 1952، وأصبحت لاحقاً شخصية الزعيم "جمال عبدالناصر" الملهم الأول للحركة، خصوصاً بعد إعلان الوحدة المصرية ـ السورية سنة 1958.
في الفترة ما بين 1958 و1967، تراكمت في ذهن جورج حبش تجربة عملية وفكرية، وحصد سلسلة من أحكام الإعدام والسجن بحقه بين الأردن وسوريا.
لقد قضى أكثر من سنة ونصف في آخر هذه الفترة في السجون السورية، وتم إنقاذه من خلال عملية سرية مشهورة قادها وديع حداد، تضمّنت مسيرة أيام عبر الحدود السورية ـ اللبنانية.
وقد خرج "الحكيم" ملتزماً بالفكر الماركسي اللينيني، ولم يجد اشكالاً في تزويج هذا الفكر الى القومية العربية؟ أسس بعدها، مع رفاقه أبو علي مصطفى ووديع حداد وغسان كنفاني وأبو ماهر اليماني وصلاح صلاح وغيفارا غزة وآخرين "الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين" التي اعتمدت الفكر الشيوعي كمنهج سياسي، والكفاح المسلح كوسيلة وحيدة لتحرير فلسطين.
وقد أعيقت انطلاقة الجبهة الشعبية منذ اليوم الأول من خلال خلق ما سمّي "الجبهة الشعبية ـ القيادة العامة" والتي رأسها أحمد جبريل، أحد ضباط الجيش السوري الفلسطينيين، وأصبحت تابعة للنظام السوري، ومن بعدها قاد نايف حواتمه انشقاقاً آخر، على خلفية سياسية لينشئ "الجبهة الديموقراطية لتحرير فلسطين" سنة 1969.
رسمت الجبهة الشعبية تحت قيادة "الحكيم" برنامجاً سياسياً حدّدت فيه التزامها خط ما كان يسمى بالمعسكر التقدمي، وبمعاداة الإمبريالية العالمية، مع أن قائدها راجع في وقت لاحق هذه السياسة واقتنع بأن الأولوية هي في التركيز على تحرير فلسطين وترك مسألة الإمبريالية الى مراحل لاحقة.
أما في بند التعسكر بين الدول العربية، فاعتبر أن الدول التقدمية والتي ضمّت في ذلك الوقت مجموعة الدول التي خضعت لانقلابات عسكرية، أتت بقيادات من العسكر رفعت شعارات عروبية واشتراكية، في موقع الدول الصديقة، وتم التغاضي بشكل كامل عن ممارسات القمع والترهيب والديكتاتورية التي مورست ضد الشعوب من هذه الأنظمة.
وقد عانت الجبهة الشعبية، على الرغم من مؤتمراتها المتعددة من جمود عقائدي وسياسي حكمته الجغرافيا في شكل أساسي، ولا شك أن ذلك ساهم في وقوع الكوادر في حيرة عقائدية، خصوصاً بعد انهيار المنظومة الاشتراكية في أواخر الثمانينات، ودخول دول ما كان يسمى بالتقدمية الواحدة تلو الأخرى في تسويات مع العدو الصهيوني، وظهور بعضها الآخر بمظهر المتاجر بشكل سافر بالقضية الفلسطينية.
خسر جورج حبش رفاقه الواحد تلو الآخر وبقي هو ليتصارع مع التناقضات في قناعاته وأهوائه السياسية والعقائدية، ومع تناقض المثاليات مع الوقائع. في سابقة لزعيم تاريخي، استقال "الحكيم" طوعاً سنة 2000 من الأمانة العامة لـ"الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين" وبوفاته يطوي صفحة من تاريخ القضية الفلسطينية رسمها هو ورفاقه بالصبر والدم والدموع. ولا بد أن "الحكيم" قضى آخر أيامه وهو يردد قول بولس الرسول "أنا منقسم على ذاتي".
الى روح "الحكيم" ألف تحية.


(*) نائب لبناني عضو كتلة "المستقبل

عودة الى افتتاحيات

عودة الى مراجعات الصحف