|
إعتمد مجلس جامعة الدول العربية على المستوى
الوزاري بياناً يتضمن خطة عمل عربية متكاملة
لتسوية الأزمة السياسية في لبنان (السبت والأحد 5
و6/1/2008). وتتضمن الخطة خمسة بنود خلاصتها:
إنتخاب فوري للعماد ميشال سليمان رئيساً للجمهورية
وتشكيل حكومة وحدة وطنية جديدة طبقاً للدستور
والعمل على إنجاز قانون جديد للانتخابات النيابية
وتكليف الأمين العام للجامعة متابعة هذا البيان،
وعقد اجتماع للمجلس في 27/1/2008 لتقويم الجهود
والإيضاحات بهذا الشأن. ولقد زار الأمين العام
السيد عمرو موسى لبنان واجتمع بمختلف المعنيين
وعاد وزار دمشق في إطار المهمة ذاتها التي كلّفه
بها مجلس الجامعة ولكنه لم ينجح في مهمته فعاد الى
القاهرة ليقدم تقريراً لمجلس الجامعة الذي سيعقد
اجتماعه المقبل في 27 يناير الجاري. ولعل المفارقة
الكبرى في المبادرة العربية هذه تمسّك قوى
المعارضة في لبنان بما تسميه "قراءة لغوية" لنصّ
المبادرة تختلف عن قراءة السيد موسى لها وخاصة في
بندها الثاني المتعلق بتأليف الحكومة.
فالسيد محمد رعد رئيس كتلة نواب حزب الله دعا
السيد عمرو موسى لتعلّم العربية قائلاً "من لا
يعرف اللغة العربية عليه أن يتعلّمها ثم يأتي الى
لبنان لأن في لبنان من هو أفقه في اللغة العربية
ويجيدها باتقان كامل". العماد ميشال عون قال من
جانبه "نحن نحسن قراءة اللغة العربية جيداً. أما
إذا أصبحت هناك لغتان عربيّتان فهذا شأن آخر...
وإننا نرفض التفسير المعطى (من موسى) ولو حظي
بتغطية كل العرب". وفي خلاصة قراءة المعارضة للبند
الثاني كما أوضحه الرئيس بري، أنه يساوي بين
الموالاة والمعارضة في عدم الترجيح في الحكومة
لكليهما وفي عدم إمكانية إسقاط الحكومة لكليهما
أيضاً. وبالتالي يتم التعبير عن مبدأ "لا غالب ولا
مغلوب" بأرقام (10+10+10) لكل من المعارضة
والموالاة ورئيس الجمهورية في تركيبة الحكومة
الجديدة!
فأين هذه القراءة من فقه اللغة العربية؟
وهل الهدف المضمر "إسقاط حكومة لبنان" فقط... أم
المطلوب إسقاط النظام العربي كما تجسّده وترمز
إليه الجامعة العربية؟
أول عمل يقوم به اللغوي والسياسي المثقف هو دراسة
النص. والمؤسف أننا في العودة الى ما صدر عن
اجتماع مجلس الجامعة في 5 و6/1/2008 وقعنا على
أربعة نصوص مختلفة بين صحف النهار (6/1/2008)
والحياة (7/1/2008) والسفير (8/1/2008) ولدى مرجع
رسمي لبناني:
* الاختلاف الأول المهم هو حول ما إذا كنا إزاء
قرار لمجلس الجامعة العربية أم مجرّد بيان أم
مبادرة أم خطة!
* والاختلاف الثاني المهم أيضاً والمتعلق بالأول
يتناول جوهر التكليف الممنوح للأمين العام
للجامعة: هل هو التنفيذ، أم إجراء الاتصالات، أم
المساعدة، أم بذل الجهود للتوافق فقط!
* ويبدو من خلال متابعة التواريخ أنه مع الوقت كان
يتم تجريد النص عما يسمى "عصبه السياسي" بحيث لا
يكون هناك قرار ولا طابع تنفيذي ويعود مجلس
الجامعة مجرّد مجتهد جديد بين مجتهدين قدامى وكثر
يتولى مهمة تدوير الزوايا والسعي للتوفيق بين ما
ليس متوافقاً! أي يعود ليدخل في الدوّامة القائمة
في لبنان بين الموالاة والمعارضة! على أن تبقى له
مصداقية التفسير لأنه هو ممثل مجلس الجامعة
والمكلّف الرسمي من قبله والمعبّر عن نظرته ورأيه
في النص.
أول ما برز هو التوكيد في النص على موضوع
"التوقيت". لذلك ترد لفظة "فوري" في البنود
الثلاثة: فورية انتخاب رئيس الجمهورية. ثم فورية
الاتفاق على تشكيل حكومة وحدة وطنية (وهو تعبير من
الزمن السوري لأن اتفاق الطائف تحدث خمس مرات عن
حكومات الوفاق الوطني وليس عن حكومات الوحدة
الوطنية وهناك فرق بين التعبيرين لا مجال للدخول
فيه الآن) ومن بعدها فورية العمل لصوغ قانون
انتخابي جديد بعد انتخاب رئيس الجمهورية أولاً
وبعد تشكيل الحكومة ثانياً! هذه "الفورية" فقدت
مفعولها ومعناها وقوّتها وفعاليتها كونها تعبّر عن
استعجال الجهات العربية لتدارك الوضع في لبنان
ولكنها في الوقت عينه تتخلى تباعاً عن كل الأسلحة
المعنوية والسياسية التي تملكها لتقارب نزاعاً
إيديولوجياً/ سياسياً/ وطنياً/ استراتيجياً/
ومذهبياً/ وإقليمياً في لبنان بأسلوب المساعدة
والمسايرة وترطيب الخواطر، وليس بأسلوب القرار
والتبليغ والتنفيذ... وفي مطلق الأحوال فهي لن
تعمد الى الإقرار بعرقلة الخطة... ولا الإشارة الى
الجهة التي قامت بهذه العرقلة! فتبقى كالعادة في
واقع العموميات مع أنها تعرف الكثير من التفاصيل
والنوايا والمواقف... والعوائق!
إن تكرار لفظة "الفور": فوراً وفورياً تفرض العودة
الى المعنى الحسّي للكلمة وهي آتية من فوران
القِدرْ الذي تنبغي معالجته بسرعة من دون تأخير.
فيكون معنى الفور: "الحالة التي تأتي أول الوقت
بلا تأخر "فالفور من كل شيء هو أوله" (محيط
المحيط) والقول: فوراً ومن فوره: أي من ساعته
(لسان العرب). وهكذا نكون، بشكل تدريجي طبيعي
ومنطقي أمام ثلاث حالات يجري تنفيذها تباعاً من
دون تأخير:
* الفور الأول، وأول الشيء المطلوب بالمطلق هو
انتخاب رئيس الجمهورية وتم التوافق على العماد
ميشال سليمان.
* والفور الثاني وأول الشيء المطلوب بعد انتخاب
رئيس الجمهورية هو تشكيل الحكومة.
* والفور الثالث، وأول الشيء المطلوب بعد تشكيل
الحكومة هو الشروع في صوغ قانون جديد للانتخابات.
هذه الأمور الثلاثة تشكل ما أسماه البيان "خطة
متكاملة". ولفظة متكاملة تعكس المعنى أعلاه بدقة
إذ أن تكامل الشيء يعني لغوياً أنه كمل تدريجياً
وليس دفعة واحدة وهو ما يناقض رأي المعارضة
وتفسيرها للبيان. فحالات الفوران الثلاث أعلاه لا
يمكن أن تحصل دفعة واحدة لا من حيث الزمان ولا من
حيث المكان ولا من حيث الفعل ولا من حيث الدستور،
وإنما هي تخضع موضوعياً وعلمياً لتسلسل منطقي لا
مجال لنقضه لا بفعل الايديولوجيا، ولا بفعل
البروبغندا التي تتسلح بها المعارضة!
يبقى الموضوع الأكثر إثارة للجدل وهو موضوع تشكيل
الحكومة والصيغة المقترحة لها في بيان مجلس
الجامعة. وفي هذا المجال اللغوي/ السياسي، لم يكن
طرح قادة المعارضة موفقاً فتمسكوا بتفسيرهم للبند
الثاني من البيان على أنه يساوي بين الأكثرية
والأقلية بحيث "لا يتيح التشكيل ترجيح قرار أو
إسقاطه بواسطة أي طرف ويكون لرئيس الجمهورية كفة
الترجيح". مما يعني في نظرهم جعل الحصص في الوزارة
على قاعدة (10+10+10) في تشكيلة من ثلاثين وزيراً
في حين شرح الأمين العام تفسيره لهذا البند بما
يعني: عدم إعطاء الأكثرية النيابية القدرة على
الترجيح داخل مجلس الوزراء وبالتالي الحصول على
الأكثرية والتحكم بالقرار، وعدم إعطاء الأقلية
النيابية (المعارضة) القدرة على استخدام الفيتو
داخل مجلس الوزراء وبالتالي تعطيل القرار (بحسب
الدستور) من خلال حصولها على ما يزيد عن ثلث أعضاء
المجلس. ويكون لرئيس الجمهورية كفة الترجيح بما
يعني: إن أصوات الأكثرية مع أصوات رئيس الجمهورية
تؤمن ثلثي مجلس الوزراء (13+7=20) صوتاً، وان
أصوات الأقلية (المعارضة) مع أصوات رئيس الجمهورية
تؤمن الثلثين أيضاً في مجلس الوزراء (10+7=17).
وهكذا يكون رئيس الجمهورية مرجحاً في الحالتين. من
هنا تفسير الأمين العام عمرو موسى، الذي وافقت
عليه الأكثرية، ورفضته المعارضة، في أن يكون تأليف
مجلس الوزراء على أساس: 13 للأكثرية +10 للمعارضة
+7 لرئيس الجمهورية. (يتبع)
|