|
تجلو الأصواتُ التي تسلّلت من الشاشات الصغيرة إلى
مسامعنا الغموضَ الذي قد يشوب رصاص بيروت ودمها.
فقد سُمع، مثلاً، من يقول: «إما نحن وإما هم»،
مسمّياً الـ «نحن» والـ «هم» بمذهبيّة لا تترك
زيادة لمستزيد. كما سُمع الذي يلعن الجيش بأقسى
العبارات وأشدّها بذاءة...
وكلام من هذا القبيل يخرج من حناجر شابّة ويافعة
دلالاته بعيدة ومخاطره قريبة. لهذا يُستَهوَل
العمل الذي أقدم عليه مُطلقو الرصاص على
المتظاهرين كائنين من كانوا، مثلما يُستَهوَل نقص
الحساسيّة لدى بعض الـ14 آذاريّين الأكثر صقريّة
وميلاً الى التحريض، تماماً بقدر ما ينمّ السلوك
هذا، العنفيّ منه والكلاميّ، عن الدرجة التي بلغها
الفرز في لبنان بحيث أن فساد الملح لم يترك ما
يصلح للتمليح.
وهو طبعاً مما يلازم الحروب القطعيّة حيث تمتدّ
رقعة الاستقطاب وتكبر بينما يحول العنف الصريح
والدم المسكوب دون تدوير المعاني أو تمويهها
بالمجاملات.
ففضلاً عن التعبئة والتحريض اللذين اتّسمت بهما
السنوات الثلاث الماضية، وعن مداعبة الغرائز
والوحوش المقيمة فينا، المتمكّنة منّا، سجّلت
الأسابيع الماضية وجهةً لا يشكّ الناظر إليها في
طبيعتها الاستقطابيّة. فكما يحدث قبل الحروب
وإبّانها، تُفرز المواقع الوسيطة والوسطيّة
ويُنحّى الغموض لصالح الوضوح الباهر. في هذا
المعنى، انحلّ الإجماع اللفظيّ حول المبادرة
العربيّة وجهود عمرو موسى مما باتت المعارضة
تعتبره طرفاً منحازاً، مثلما انحلّ الإجماع
المماثل في لفظيّته حول ترشيح ميشال سليمان، قائد
الجيش، للرئاسة، فأُخضع لهجوم متفاوت النبرة من
المعارضين. وها هو إجماع لفظيّ آخر حول الجيش نفسه
ينحلّ. في المقابل، ظهر، في محيط المعارضين، مَن
يدفع البطريركيّة المارونيّة من موقع الحَكَم الى
موقع الخصم، ويتعامل معها بصفتها تلك. كذلك تململ
طرف في الخيمة العريضة للمعارضة، أي ميشال المرّ
والطاشناق، ساعياً للانتظام في خريطة سياسيّة أخرى
أكثر شبهاً به وبمصالحه وتطلّعاته.
وفي إطار فرز متنامٍ كهذا، يدور سؤال الأسئلة على
ميشال عون وتيّاره «الوطنيّ الحرّ». فقياساً على
معركة تبدأ في الشيّاح وعين الرمّانة، تماماً كما
كانت الحال في 1975، يتعذّر على عون البقاء في وسط
يزعم أحياناً أنه فيه وأنه ضمانته. فكيف إذا
ارتسمت المعركة، أو بداياتها على الأقلّ، بين طرف
أهليّ غير مسيحيّ وبين الجيش الذي خرج عون من
صفوفه ولا تكفّ البيئة العونيّة عن توكيد التماهي
معه؟
ويُذكر، من هذا القبيل، أن معارك مخيّم نهر البارد
في الشمال كانت أبانت الفارق بين عاطفتي الحليفين
«حزب الله» و «التيّار». فقد اعتمد الأوّل سياسة
تلعثم تدمج النعم باللا، وتوزّع «الخطوط الحمر»
هنا وهناك، فيما حمل الثاني رايات الجيش يلوّح بها
على طريقة «هلّي ع الريح...».
وإذ يتزايد التركيز على المؤسّسة العسكريّة،
مرفقاً بالاغتيالات الأخيرة التي استهدفت قادة
منها، يبدو منطقيّاً أن تتعاظم المسافة الفاصلة
بين حساسيّتي «تفاهم مار مخايل». فليس قليل
الرمزيّة، في حال من الأحوال، أن مار مخايل التي
جُعلت، بقدر من التزييف كبير، نُصباً للتفاهم ذاك،
هي التي أحالها الفرز والاستقطاب مكان التمرين
الأوّليّ على شرّ عظيم قد يسطع.
وتحوّل كهذا سوف يكون بمثابة خسارة سياسيّة ضخمة
يتكبّدها «حزب الله» قبل أن يبدأ معركته، خسارةٍ
لا يسع السلاح أن يعوّضها حتّى لو كان صواريخ.
لكن ذلك لا يعفي من الاستدراك بسؤال كبير: هل
السياسة مما يُعنى به حزب الصواريخ والمقاومة...
على رغم كلّ شيء بما في ذلك الضحايا المدنيّون؟ |