Beirut Letter/articles/wissam saadeh

 

السفير 26-01-2008

هرون يهرون هيرويين
وسام سعادة

يعدنا القاتل بأنه سينزع النقاب ويكشف عن وجهه. سيقول لنا بالفم الملآن ها أنا ذا. قتلت من قتلت. هل أنتم أغبياء لاتهامي. قتلت من قتلت. هل أنتم أغبياء لافتضاحي. قد آن أوان الكشف. وهاكم بالاختصار المفيد: قتلت من قتلت دفاعاً عن مبادئ ليس من بعدها مبادئ.
تسألوني ما المبادئ؟ أقول لكم: اني قتلت وأقتل دفاعاً عن وجهي، قتلت من قتلت للكشف عن وجهي. مع كل جريمة أهمّ بكشف وجهي أكثر فأكثر. فكل جريمة هي لحظة من لحظات التجلّي، لحظة للظفر على ثنائية الحياة والموت. لا الحياة أقيم لها وزناً ولا الموت أعرف له وقاراً. لا النثر أنثره ولا الشعر أشعر بي. ليس هناك الا وجهي، أنا القاتل، وهذا وجهي، يتزيّن بقافلة من توابيت، وأمهات ثكالى.
كل قربان قدّمته، يقول القاتل، كان مرهماً يقوي أعصاب الوجه وينفجر عيوني. كل نظرة وجهتها من خلف الحجاب كانت شظية في عين القاصي والداني. أكل الأكباد وفلذاتها مهنتي، لأن كل عبوة أمرت بوضعها أو بتفجيرها نزلت عليّ من فوق السحاب.
يعدنا القاتل بأنه سينزع النقاب. يعدنا بحقيقته التي تغتال كل حقيقة. حقيقة لا يقلقها تصلّب الرواية التي تسعى لافتضاحها في الأصل. تريدون الحقيقة، وتعدّونها بالأيام؟ حسناً سأعطيكم الحقيقة لكن بعذابات الأيام وظلمات الليالي، بشلال فوار من البكاء والدم. تريدون الحقيقة؟ هذه عين الحقيقة تحرقكم الواحد بعد الآخر. وأنتم من أنتم الا توابيت تنتظر.
يعدنا القاتل ويهمّ بنزع النقاب شيئاً بعد شيء. ليس يخاف أن ينصرف أنصاره من حوله. أنصاره أكثر سخطاً منه ونقمة على الأوضاع وتحرّقاً لمرأى وجهه. هم أكثر منه رغبة في البطش والثورة، أكثر منه جمعاً بين الشرّ والعدل. أنصاره يطالبون بالقتل، وبشعر يفي القتل حق قدره. أنصاره يطالبونه بايقاع موسيقي ينظم عملية قتله.
أنصاره ما عاد يهمّهم أن ينفوا عنه صفة القاتل. كلّ همّهم أن ينفوا عن القتيل، لا ليس فقط صفة الشهيد، بل أيضاً صفة القتيل. فشهداء الاستقلال هم عندهم لا يموتون، بل ينفقون، ويسرح ويمرح الشامتون بهم، والمهلّلون بالجهر والعلن لكتيبة القتلة.
أنصار القاتل يتذمّرون. يطالبونه بالمزيد. يتهمونه بانعدام الشراهة. يتهمونه بأنه لا يعي عظم أفعاله. يريدون له أن يقتل من أجل تحرير المستعمرات، أن يقتل دفاعاً عن الدراسات ما بعد الكولونيالية، أن يقتل ضد الاستشراق ولحرق مكتبات المستشرقين، أن يقتل من أجل نهاية الرأسمالية الاحتكارية، أن يقتل كرمى لعيون الشعوب، يطالبونه بأن يقتل يوحنا فم الذهب، يطالبونه بأن يقتل موسى ابن ميمون، يطالبونه بأن يقتل ارنست رينان، يطالبونه بأن يعيد قتل سمير قصير ثم يبعثه ثم يميته، يطالبونه بأن يفجّر نفسه في ضريح رفيق الحريري.
مع ذلك تبقى جوقة التحريض منتفخة بما لذ وطاب لها من انتلجنسيا الدهماء. شاعر الدهماء كتب محرّضاً عشية القتل. أتحفنا بقصيدة مقفاة على وزن «أراجيل». فلننتظر غداً منه قصيدة على وزن «هيرويين». هرون، يهرون، هيرويين، كل ما نفطره أو نتعشــاه منه ومن أمثاله في البلد هيرويين، هيرويين على هيرويين
.

عودة الى افتتاحيات

عودة الى مراجعات الصحف