|
كشفت العاصفة التي أثارها
التهجم على البطريرك الماروني الكاردينال مار
نصرالله بطرس صفير متزامنة بالمصادفة
او قصداً مع اقتراب وصول المبادرة العربية حيال
الأزمة الرئاسية من مرحلة تصفيتها
واطلاق رصاصة الرحمة عليها، اجتياح المفاهيم
الانقلابية المتحكمة بالصراع السياسي
الكبير لبعض الوسط السياسي والشعبي والحزبي
المسيحي على نحو بات معه لا يفرق بين
خصومة سياسية من حقه ان يعتبرها "هدفاً" ومرجعية
لا يدرك انه حين يستهدفها انما
يخطو بقوة نحو الانتحار الذاتي الطوعي.
لم يكن أسوأ ما كشفته العاصفة بروز خطاب
شخصاني متفلت من كل المألوف في مسّ شخص البطريرك
وموقع بكركي فحسب، على خطورة هذا
المؤشر في معاينة مكونات المشهد الماروني، بل لعل
الأسوأ ان يجري توظيف هذه الظاهرة
في محاولة لتحييد بكركي عن أخطر حقبة في تاريخ
لبنان والمسيحيين وإلزامها الانكفاء
تحت وطأة ترهيبها بتفاقم الانقسامات المسيحية
والتهويل بامكان تحميلها مسؤولية
اندلاع شرارة الفتنة في الشوارع المسيحية المحتقنة
حيال بعضها البعض.
والمفارقة
اللافتة في هذه الظاهرة انها لا تنطلق من مفاهيم
سياسية تتفشى في الوسط المسيحي
باحثة عن نقل الصراع المسيحي او اللبناني العام
الى مستوى مختلف ربما امكن معه
ايجاد مبررات لـ"ديموقراطية" مسيحية متفلتة من
المحرمات المألوفة، ولكنها تخالف
بحدة مخيفة كل المنطق الذي يثبت ان مواقع هذه
العاصفة غارقة في اسباغ قدرتها على
استقطاب خطاب طائفي حتى العظم في حين بات هدفها
الاول والاساسي بكركي بالذات.
وتبعاً لهذه الازدواجية الفاقعة سيكون من الوهم
الشديد تصور البطريرك صفير متراجعاً
لوهلة عن الخط التاريخي لبكركي او مسار مواقفه
التي التزمها عبر تراكم الازمات
والمحطات اللبنانية المصيرية منذ تبؤّئه السدة
البطريركية.
مسألة "حياد" بكركي
هذه التي يتراءى لمسيحيين انها "الوظيفة" او
"الدور" المطلوب للكنيسة المارونية هي
اشبه بعوارض المراهقة السياسية فضلاً عما تكشفه من
افتقار شديد الى الالمام
بالتاريخ اللبناني. ربما يصبح مشروعاً ومبرراً
الاتجاه الى هذا "الترف" حين تبدأ
المفاهيم العلمانية المنقرضة اليوم في لبنان
بالعودة الى الحياة، او على الاصح حين
يتم انتشال الجمهورية من غيبوبتها القاتلة قبل ان
تنتقل الى العالم الغيبي. اما ان
يجري تحييد بكركي ومعاجلتها على ايدي مسيحيين في
"نهاية" صراع بين الوجود وانعدامه،
والمصير وانعدامه، فهذا يعني شلّ الموقع الاخير
للاجهاز لاحقاً على سائر "المشتقات"
من دون تمييز عندها بين مسيحي وآخر تبعاً
للتصنيفات السياسية الحالية.
يستحيل
على بكركي ان تكون محايدة في مسألة الدفاع عن
الكيان اللبناني، ولذلك يستحيل
اتهامها بالانحياز الى قوى14 آذار لأن هذه القوى
ولدت بعد خمسة أعوام من النداء
التاريخي للمطارنة الموارنة عام 2000 ، ولا يتحمل
البطريرك صفير مسؤولية الخصومة بل
العداوة بين الغالبية والمعارضة لمجرد ان بكركي
يستحيل ان تكون متفرجة في مسائل
السيادة والاستقلال وكانت هي الأم والأصل في مسألة
مبدئية وجودية.
كذلك يستحيل
على بكركي ان تكون محايدة في مسألة الدفاع عن
النظام الديموقراطي، ولو استسلمت
لموجات الضغوط المتعاقبة عليها، من اقربين
وأبعدين، ومحليين وخارجيين، لَلَحِقَ
الفراغ ايضاً الموقع الكنسي الاول للموارنة بعد
الموقع الزمني السياسي الاول. فهل
هذا ما يراد له فعلاً ان يتحقق الآن؟
وكذلك يستحيل على بكركي ان تكون محايدة في
مسألة حقوق الانسان التي من ضمنها جوهراً حقوق
الاحتجاج والاعتراض، وبكركي تقدمت
مواقع الاعتراض في الشؤون الوطنية الكبرى ولا يغش
احد بصره ان المواقع السياسية على
اختلافها، موالية او معارضة الآن، تتحلى بالسلوك
الانساني المفرط والحساس الذي يتيح
لأي منها اعطاء دروس في حقوق الانسان.
هذا الحياد الموهوم الذي يجري تعميم
مفاهيمه يتصل بحال تأزم المواقع السياسية اولاً
واخيراً بعدما وصلت الى الطريق
المسدود بفعل انزلاق الصراع الكبير الى متاهة
الاستباحة العقيمة بالكامل لكل
العوامل الداخلية والخارجية التي تمعن في كشف عجز
القوى المحلية سوى عن الهروب الى
التصعيد. ولو كان في ايدي هذه القوى منهج مستقبل
واضح للقواعد الضائعة بين ثقافة
العداء والخوف على المستقبل، لكانت كلفت نفسها
للحظة ان تقرأ التاريخ بتمعن لتجنب
السقوط في هذا القعر.
|