|
فخ جديد يُنصب وخيبة
اخرى تتهيأ فمع تطلع اللبنانيين الى مخرج من
ازماتهم السياسية، برز هذه المرة اجماع
على قائد الجيش اللبناني ليكون الرئيس "المنقذ".
واستطاعت بذور هذا الاجماع ان تحصد
التأييد العربي والدولي لخيار التوافق على الرئيس
الذي سرعان ما هتفت له الجماهير
مستبشرة وناثرة رايات الترحيب به مخلصا.
فاللبنانيون سئموا حال الاحتضار التدريجي،
وتعبوا من تحمل تكاليف الاختلاف على السلطة
الباهظة الذي دمر مختلف جوانب حياتهم.
كثير من الناس لم يعودوا قادرين على الصبر كما
اعتادوا، ويعاودهم الآن شعور افتقدوه
هو شعور الانتماء الى وطن حقيقي. ان لهم الحق
كاملا في الحياة وفي الحلم. حقهم ان
يحلموا وان يتحقق حلمهم، فمطلبهم ليس تعجيزيا، بل
هو بالغ التواضع، جل ما يصبون
اليه هو ان يُنقذ بلدهم من الوقوع في هاوية الحرب
والدمار مرة اخرى، وان تعود
حياتهم الى طبيعتها، ليتمكنوا من العيش الهنيء في
بلدهم مع اولادهم. اكثير على
اللبنانيين هذا الامل؟ أمل يغتال كل يوم لكنه يعود
الى الحياة فيُغتال مجددا. فاذا
اغتيل الامل الحالي فهل يعاود الحياة؟
وفي رحلة الامل المتجددة يتعلقون بعناوين،
واحيانا بشعارات، وفي هذه المرحلة العنوان هو رئيس
الجمهورية. وحق لهم؛ فالرئيس،
كونه ممثل السلطة ورأسها، رمز اساسي للاستقرار
والامان والحماية ووضوح الرؤية
والتوجيه والوفرة، ولن يضعف هذه الرمزية حجم
صلاحياته او الجدل حولها.
وبافتقار
لبنان المضامين التي يرمز اليها الرئيس، تشتد
الحاجة اليه ويعظم التعويل عليه.
فالمرحلة بالغة الحرج؛ الافرقاء السياسيون منقسمون
انقساما حادا، والحوار انقطع،
ولغة التخاطب في ما بينهم خلعت استار الهدوء
وتسلحت بالالفاظ النابية والاتهامات
الجريئة الى حد التهور، والنبرات المرتفعة اقرب
الى الصراخ، حتى حركات الوجوه
والايدي والاصابع صارت تشبه الوعيد والتهديد، إن
لم نقل الشتائم، وكل واحد تمترس في
مواقفه وعباراته وخطاباته وشوارعه ومنطقته وطائفته
وجمهوره وحلفائه في الداخل
والخارج. والجو لبدته غيوم القلق التي ألجأت
اللبنانيين للبحث عن "أب" يستظلون فيئه
ويتمسكون بطرف ثوبه، ولا سيما المسيحيين الذين
افتقدوا "أباهم" منذ زمن واشتاقوا
رجوعه اليهم.
وعلى قدر الآلام تأتي الآمال، والامل فسحة فسيحة،
وواحة رحبة، لا
يستطيع احد ان يحصرها او يحظرها. ولكن ثمة اخطارا
تكمن في مراتع الآمال، ومن ادهاها
ان يتوهم اللبنانيون ان الامور ستتحسن فور وصول
الرئيس الى قصره، فالاغتيالات
والانفجارات ستتوقف، والامن سيستتب، والاقتصاد
سيتعافى، ويعود اللبنانيون الى
"سابق"
لحمتهم، ليتمكنوا اذذاك من استدراك الفرص التي
فوتوها، ويلحقوا ركب التنمية
والمشاريع التي تعود على الوطن بالخير والوفرة
وتعيد اليه ابناءه ليمنحوه ألق
الحياة، بعدما اصابه قلق الموت.
ومن الانصاف التنبيه الى ان مثل هذا التوهم
الساذج ليس حكرا على شعب بعينه، فالدراسات
التاريخية للمجتمعات تظهر ان افكار
الشعوب والمنظومات تشبه في براءتها وبساطتها تفكير
الاطفال، ولكن الخطير في هذا
الحلم ان يكون حجم المبالغة فيه مفرطا بحيث يُجافي
المنطق ويبتعد عن الواقعية، وان
هؤلاء الحالمين الذين استرسلوا وراء آمالهم فلم
يحسنوا قراءة الحالة الراهنة ولا
تشخيصها بشكل صحيح، هم في الحقيقة يعدّون انفسهم
لخيبة امل جديدة، تكون في كل مرة
اقسى من سابقاتها. فعلى اللبنانيين جميعا ان
يدركوا ان حجم التعقيدات في قضيتهم
اكبر من ان يمكن لشخص واحد ان يحلها او ينهض
بالبلد وحده ولو كان رئيسا وعمادا.
والاخطر في هذا التصور ما يضمره الوعي الجماعي
فيه، فالابحاث الاكاديمية تشير الى
ان هذه الآمال العراض المعلقة على شخص واحد، او
فريق ما، ليست اكثر من آلية تهرب
يبتكرها المجتمع او المنظومة لتجنب العمل
work avoidance
وهم يشبّهون المنظومة
بالماء التي تبحث عن اسهل الطرق. وتسبق هذه الآلية
نمط من التصرف حيث تتبرأ
المنظومة اولا من اي مسؤولية في ما آلت اليه
الامور وتبحث عن شماعة تعلق عليها
الاخطاء، وتحملها المسؤولية كاملة، واكثر ما يريح
المنظومة نظرية المؤامرة او القاء
اللائمة على العدو الخارجي. وفي حال لم تف هذه
النظرية بالغرض، يبدأ البحث عن اشخاص
في موقع المسؤولية، يُحمّلون الاخطاء وينعتون
بالتقصير والخيانة والتفريط، ويكونون
كبش المحرقة لترتاح المنظومة من الشعور بالذنب او
التقصير وبهذا تتجنب العمل الصعب
المطلوب لمواجهة الحقيقة المرة للذات.
والواقع ان نظريات المؤامرة التي تلقى
رواجا في احاديث الناس وكذلك فرضيات اتهام الزعماء
والمسؤولين وشتمهم، لا تستطيع
اطلاقا ان تبرئ افراد المجتمع او ان تعفيهم من
مسؤوليتهم مما حصل سابقا او مما
سيحصل لاحقا، فهذه الامور لم تكن لتحصل لو لم يسمح
اللبنانيون في حصولها، او
يشاركوا فيها. فمعظم الاحداث جذورها داخلية ولو
كان بعضها انعكاس لمشاكل الخارج،
وهي حدثت بايدي اللبنانيين انفسهم، وباندفاعهم هم،
والزعماء يمثلون جمهورهم بشكل
دقيق، بكل هواجسه ورغباته، فكما تكونون يولى
عليكم، وهذا الجمهور يبارك، بصمته او
فعله، سائر خيارات الزعماء ويدعمهم فيها، رغم
تذمره السطحي والمسرحي بين الحين
والآخر، وكثيرا ما يطالبهم بخيارات اشرس واشد. ومن
الضروري الاشارة الى ان الزعماء
في بعض الاحيان يؤدون دورا ايجابيا في كبح تطرف
الجمهور، ويروّضون تطلعاته في اطر
اضيق مما يطلب وضمن منطق المعقولية وبعد النظر.
وهذا التحلل من المسؤولية
الفردية والجماعية يُفضي في نهاية الامر الى اعفاء
المنظومة من القيام باي دور في
تصحيح احوالها وانقاذ الوطن فتكتفي بالنظر الى ما
تفعله الطبقة السياسية او
انتظاره. وها هي المنظومة الآن تعد العدة لاختيار
ضحية جديدة تحمّلها مسؤولية اصلاح
تراكم عقود من اخطاء المجتمع عبر الإغراء بالمناصب
والالقاب، (فخامة الرئيس،
المنقذ، البطل، المخلص، القائد...).
من هنا تأتي ضرورة ان يرفض الرئيس الجديد
لقب العماد "المنقذ"، ويسعى ليكون سليمان
"الحكيم"، والحكيم يدرك جيدا انه يستحيل
على شخص واحد ان يقوم بمفرده بعملية الانقاذ، وانه
لنجاح هذه العملية يجب ان تتضافر
جهود كل المنظومة، وان يشترك الجميع كل من موقعه
ومن خلال الالتزام بمسؤولياته
ودوره. واي خطاب خارج هذه الرؤية هو خطاب تغريري
خداع، والتاريخ البعيد والقريب
يشهد ان الاشخاص الذين تطوعوا للشأن العام وقرروا
انقاذ المجتمع "ببطولة"، واجهوا
الفشل وشتمهم في النهاية الاشخاص انفسهم الذين
هتفوا لهم في البداية، الا القليل
النادر من الذين كانت لهم مقاربة قيادية ناضجة
اشركوا من خلالها جميع افراد المجتمع
في مشروع الانقاذ ووضعوهم فعلا امام مسؤولياتهم،
ومع ذلك لم يسلم منهم الا اقل
القليل، واوضح برهان على ذلك ان نعرف كيف انتهت
حياة الكثير من الانبياء
والمصلحين.
وعليه، فان اي انسان يتسلم المسؤولية الرئاسية في
لبنان يجب ان يتجه
منذ اليوم الاول ليوضح للجميع انهم مشتركون اساسا
معه في المسؤولية، وشركاء في
النجاح والاخفاق على حد سواء، فان شاؤوا فليعملوا
ليتحسن حالهم، وإن شاؤوا
فليتقاعسوا ويلعنوا دهرهم ومن شاؤوا، ويتحملوا هم
وابناؤهم من بعدهم ما كسبته
ايديهم، لينشد اولادهم مع المعري: "هذا ما جناه
ابي علي".
وانطلاقا من الادب
القيادي، اقترح في ضوء ما قدمت ان تكون اول كلمات
الرئيس الجديد في ما يسمى "خطاب
القسم" قريبة من روحية النص الآتي:
"ايها
اللبنانيون، لقد ولد للبنان اليوم امل
جديد. وها هي امامكم فرصة غالية لتثبتوا للعالم
انكم ووطنكم تستحقون الحياة. اريد
اولا ان اخبركم بصراحتي التي اتمنى ان تعتادوا
عليها، ما يقول عنكم الآخرون، وكيف
يقيمون حظوظكم في النجاح. انهم يقولون انكم
متخلفون، ولا يغير في هذا كونكم انيقين،
ويقولون انكم مجموعات طائفية ومذهبية منقسمة
ومتقاتلة، حجزت نفسها في غياهب واعباء
قضايا التاريخ الحزينة، بينما يتسارع العالم من
حولها نحو المستقبل والتطور ليلاقي
غدا سعيدا.
ويقولون ايضا انهم قد ملوا قصصكم وإن اي مجهود
يبذل لمساعدتكم معنويا
كان ام ماديا هو اهدار وهباء، فانتم قد اثبتم
مرارا انكم لا تستطيعون ان تسيروا
اموركم ولا ان تستقلوا في شأنكم، وفي حين يضحي عدد
من الشعوب في العالم بالكثير
للحصول على وطن، تتفننون انتم بتدمير وطنكم الذي
يصفه الكثيرون بانه جنان الارض.
واعلموا انهم عندما ينعتونكم بهذا كله لا يفرقون
بينكم اطلاقا، فحتى لو اعتبرتم
انفسكم متميزين عن بعضكم البعض فان العالم يراكم
لبنانيين متشابهين.
لقد كان
قدرنا في هذه الحياة ان نعيش سويا، وهذا امر علينا
ان نعيه تماما وان نقبله قناعة
ابدية. ان مصيرنا واحد، فنحن جسد واحد وروح واحدة،
ولو تنوعت خصوصياتنا، وقد كتب
لنا ان كل ما قد يصيبنا فانه سيصيبنا سويا. فان
غرقت سفينتنا هلكنا في الموت معا.
وإن صعدنا بالقيامة فسنحيا معا. اما ان نحيا معا
واما ان نفشل معا.
ادعوكم اليوم
ليقود كل واحد منكم مسيرة قيامتنا معا لنثبت
للجميع ان توقعاتهم ورهاناتهم على
فشلنا خاسرة واننا قادرون ان نحيا سويا، بل اننا
لا يمكن ان يستغني بعضنا عن بعض او
عن وطننا.
ايها اللبنانيون. ان شعاري بسيط: اذا لم ننجح نحن
في بناء وطن للحياة،
فعلينا الا نلوم اسلافنا، وان لا يلوم بعضنا بعضا،
وان لا نلوم الآخرين، وان نتوقف
عن لوم الاعداء الذين يفعلون ما يجدر بنا ان نفعله
نحن، وهو ان نضع مصلحة بلدنا قبل
كل شيء، وعلينا الا نلوم حتى المتآمرين لان
الاحتراز هو واجبنا نحن.
ان مسؤولية
اعادة انطلاقة بلدنا نحو التقدم والحياة المستقرة
والهانئة والمبدعة والرغيدة
والكريمة، هي مسؤوليتنا نحن اولا واخيرا. انها
مسؤوليتي كما هي مسؤولية الجميع بدون
استثناء وعلى كل فرد منا ان يقوم بانقاذ وطننا كل
حسب طاقته وقدراته، ومن خلال
موقعه ودوره، فالافراد والمجموعات والمجتمع المدني
وقطاعات المال والاعمال والإعلام
والاحزاب والنخب والطبقة السياسية والرسمية
والمؤسسات الروحية والتربوية
والاقتصادية كلها مدعوة اليوم لواجب الانقاذ. ان
مساهماتنا مشتركين بلا استثناء هي
التي سوف تحدد ما اذا كنا سننجح او سنفشل.
ودعوني اؤكد لكم اننا اذا لم ننجح في
العمل سويا لخير بلدنا فسوف نجد انفسنا نتفرج على
العالم من حولنا يتسابق في تطوير
حياته، بينما نضيع نحن في التقاتل والاضمحلال.
ايها اللبنانيون، اجدني اليوم
احمل الى جانب رسالتي اليكم، رسالة اخرى للعالم،
اقول له فيها: نحن لسنا متخلفين
او عبثيين او هامشيين، نحن شعب يعشق الحياة
والمعرفة والابداع والجمال والفرح
والكرامة، وسنثبت للجميع اننا نستحق شرف الانتماء
لبعضنا ولهذه الارض
الطيبة.
اعدكم باني سأقوم بواجبي بكل ما اوتيت من حزم وعزم
وثبات واخلاص، ولكني
اطلب منكم كلكم ان تقوموا انتم ايضا بواجبكم بجد
وامانة والتزام لنبني وطنا نحبه
لكي يبادلنا الحب ويهتم لامرنا، وطنا يفخر به
اولادنا واحفادنا والعالم اجمع... وطن
للرحمة وللانسان. عشتم وعاش لبنان".
مايكل كولي
(رئيس
سابق لـ"رويترز"
الشرق الأوسط ومتخصص في القيادة الاستراتيجية من
جامعتي هارفرد وبرنستون
الأميركيتين |