|
لم تحضر «الفتنة» في
التاريخ إلا بنقاب اجتماعي، وبحشو تظلّمي ليس
يبرّره سياقها.
ليس معنى ذلك أن
«الجذور
الاجتماعية» كانت تغيب عن كل الفتن. لكن القصد من
التظلّم الاجتماعي، كما
كانت تبرزه الفتن، ما كان إلا تدمير المجتمع بحدّ
ذاته، وليس تعديل أو قلب موازين
القوى داخله، تمهيداً أو تدشيناً لمجتمع جديد.
بصورة عامة، كانت مصنّفات التراث
أكثر قدرة على تفكيك المزعم الاجتماعي للفتن، ولو
أنّها أسرت نفسها بثنائية «إما
الإجماع وإما الفتنة». أما المقاربات المعاصرة
للتراث فقد نكبت نفسها بمحاولة إبراز
«الوجه
الاجتماعي» المستل من كتاب الفتن. جنحت هذه
المقاربات إما الى إسقاط «نظرية
المؤامرة» على التراث، وردّ كل ما ينتهك «إجماع
الأمة» الى دسائس أجنبية، وإما الى
إسقاط «الصراع الطبقي» على هذا التراث، وكانت
الفضيحة الكبرى تلك التي قضت بتصنيف
القرامطة أسلافاً للاشتراكيين، أو في تصنيف
المذاهب الفقهية والفرق الكلامية بحسب
مقياس «اليمين واليسار».
وقد ترسّخت التقاليد الشعبوية والمكابرة في
الثقافة
العربية على هذا الأساس، ما جعلها الى حد كبير
ثقافة «في خدمة» الدهماء. لسان حال
هذه الثقافة يقول: اكتب ما يمكن أن تفهمه الدهماء،
اكتب ما تمليه الدهماء عليك، أما
إن لم تكن الدهماء مصدر وحيك وإلهامك، وإن لم تكن
الدهماء تلك القوة الخيرة
والثورية التي تناجيها، فإن ما تكتب محكوم عليه
بتعذّر الفهم وبطلان المعنى.
لسان حال الثقافة الشعبوية المكابرة يقول: اكتب
لتحصين الذات ضد الفتنة التي
يحاول أن يبثها «الأجنبي»، واكتب لإيضاح الأصالة
الاجتماعية للحركات التظلّمية
والنأي بها عن وصمة الفتنة.
لسان حال الثقافة الشعبوية المكابرة يقول: إذا ما
نسبت «مصدراً اجتماعياً» لأي تحرّك تقوم به
الدهماء هنا أو هناك فهذا يكفي لجعل هذا
التحرّك «شكلاً محوَّراً من الصراع الطبقي»، شكلاً
لا تنقصه غير المثابرة والبرمجة
والتنظيم والوعي.
هذا في حين عملت حركة التفكير الاجتماعي، كما نهضت
في حداثة
الغرب، على الكشف عن التناقضات الطبقية
والاجتماعية حيث هي مطموسة، أو تحفيزها
حيثما هي آخذة في التبرعم، مع إدارة الظهر تماماً
لكل الإسقاطات الطبقية
والاجتماعية على وقائع ليست تجوِّز ذلك.
بل إن الأمانة لحركة التفكير الاجتماعي
نفسها تقتضي المصارحة بأنه ليس مطلوباً رفع
«القضية الاجتماعية» في كل وقت، إذا
كانت الغاية من رفعها هو الترويج لعملية الخروج
على المجتمع، بدلاً من أن تكون
تحسين شروط العيش في هذا المجتمع.
فالأوفياء الحقيقيون لحركة التفكير الاجتماعي
هم أولئك الذين بإمكانهم القول، بكل صراحة صادمة
وصارمة، بأنه ليس الوقت الآن لفتح
ملف «القضية الاجتماعية»، وليس علينا من حرج، إن
كنا نواجه قضية أكبر، من مثل لزوم
«الدفاع
عن المجتمع» بوجه أولئك الذين يعملون على هدمه
بذريعة «القضايا
الاجتماعية».
ليس يكفي اتساع الفوارق الاجتماعية ولا اتساع
المعاناة الحياتية
لتجويز رفع «القضية الاجتماعية» كأولوية، إذا كان
المجتمع نفسه يواجه تهديداً
وجودياً، يتجاوز التهديد الذي يواجهه الكيان
الوطني بحد ذاته، أو الدولة منظوراً
لها من حيث هي دولة.
وهذا بالتحديد ما ينطبق على لبنان اليوم. فالمشكلة
في هذا
البلد صارت تتجاوز مضاعفات قيام «دولة داخل دولة»،
لترسي على إفرازات «المجتمع
الخارج على المجتمع».
يمكن لهذا «المجتمع الخارج على المجتمع» أن يلوّح
بما شاء
من يافطات وطنية
أو اجتماعية، لكن أن يدّعي أحد ما في مكان ما، بأن
هذه اليافطات
تمت بصلة الى حركة التفكير الاجتماعــي الحــديث،
فحـاشى وكلاّ.
وإذا كان بعض
اليساريين المنخرطين في الخط السيادي الاستقلالي
يهتمون بإعادة النضارة الى «القضية
الاجتماعية» فالأحرى بهم الاكتفاء بالنهل من
ينابيع حركة التفكير الاجتماعي
الحديثة، أما «القضية الاجتماعية» بحد ذاتها فليس
من الجائز رفعها الآن، ولا حتى
«القضية
الوطنية». القضية الوحيدة الممكنة هي الدفاع عن
المجتمع بوجه الانحطاط
الأمني والثقافي والأخلاقي الجاثم والآتي، والدفاع
عن قيم إنسانية كونية أولّها
احترام قدسية الموت كلحظة توحّد بين كل الفانين
على أي جبهة وقفوا والى أي ملة
انتموا، وثانيها الشغف بنعمة الحياة، الحياة
الدنيا، وحياة الفرد.
لا، ليس
الوقت للقضايا الاجتماعية. من أين لها أن ترفع بلا
نقابات حقيقية يمكن أن تحمل
المطالب، وبلا مؤسسات يمكنها أن تتداول هذه
المطالب؟
الأولوية الآن للدفاع عن
المجتمع بوجه القضية الاجتماعية.
|