|
زاد منسوب «اليوتوبيا»
في المأثور الكتابي لكارل ماركس عنه في معشر من
جرى توصيفهم بالاشتراكيين
اليوتوبيين. تجسّدت ذروة اليوتوبيا في المنحى الذي
اتخذه مفهوم «البروليتاريا»
نفسه.
إذ يفترض بالبروليتاري الحديث، تبعاً للمأثور
الكلاسيكي الماركسي أن يكون
وارثاً لأنبل ما في الأخلاق الأريستوقراطية من
مغامرة وفروسية، ولأفضل ما في
الأخلاق البرجوازية من كدّ وحرص وتدبير.
البروليتاري الحديث هو كائن
أريستوقراطي من حيث الماهية، تنتجه الثورة
الصناعية بأعداد وفيرة. لكن البروليتاري
هو أيضاً «مواطن» بالدلالة البرجوازية للكلمة.
فكما أن لفظ «البروليتاري» كان
يطلق على المواطن الروماني الذي لا يملك الا ولده
(ماله ـ بنوه)، والذي يحتفظ
نظرياً بحق التصويت، فإن «البروليتاري» في المأثور
الكلاسيكي الماركسي هو المواطن
الذي لا يملك الا أن يبيع قوة عمله، والذي يمكنه
أن ينال، نظرياً، حق التصويت.
يقتضي لأجل ذلك تنبيهه أولاً الى أن حق التصويت
شكليّ ومجرّد، وكذلك مواطنيته هي
شكليّة ومجرّدة. ويقتضى بعد ذلك حثّه على التمسّك
بمكتسباته الشكلية بحيث العمل على
بث الحياة فيها، وأخذها عملياً على محمل الجد، ليس
فقط لالقائها كحجة سجالية أو
معنوية لافحام الخصم، وليس فقط لانتزاع المزيد من
الفتات المادي والمعنوي من هذا
الخصم، وانما، من أجل التأسيس لمسيرة يوتوبية
متجاوزة للتاريخ، تؤسّس لها أسطورياً
عملية التأليف البروليتاري بين النبل
الأريستوقراطي المغامر وبين التصميم البرجوازي
المحنّك، لأجل انتاج «نوع جديد» من البشر، أو
بمعنى ما، نقل البروليتاريا من طور
«الطبقة
الاجتماعية» النقيض التي تستجمع أفضل ما سبقها من
خصال الى طور «العرق
الكوني» الجديد، والكلي الجدّة.
بمثل هذا التصوّر اليوتوبي الخالص صار جائزاً
للفكر أن يتفلّت من تحفّظه الأزلي تجاه «العامّة»،
وهو تحفّظ كان قد شدّد عليه كل
الفلاسفة عبر التاريخ، بما في ذلك فلاسفة عصر
الأنوار الذين انشغلوا بالتوفيق بين
مقارعة الاستبداد وبين تفادي سطوة «العامّة».
بعكسهم سار كارل ماركس وصحبه. فبما
أنهم اكتشفوا كائنات أريستوقراطية تنتجها الآلة
الصناعية بأعداد وفيرة ومرشحة
للازدياد، بحسبهم، فإنهم ما عادوا يخافون
«العامّة» بنفس القدر. لم تعدّ «العامّة»
عامّة، صارت إما بروليتاريا وإما دهماء، وصار يمكن
تصنيف الدهماء في عداد الأعداء
الطبقيين للبروليتاريا.
على هذا الأساس فقط، صار ممكناً رفع الحجاب الحائل
بين
الفكر والعامة، وصار مسوّغاً لكارل ماركس أن يحتفي
بمثال البطل الأسطوري بروميثيوس
الذي سرق النار، خلسة، من الآلهة، ونقلها الى
الناس، فسامه زيوس أسوأ أنواع العذاب.
بيد أن ما سيكتشفه كارل ماركس شيئاً بعد شيء هو أن
التوسّع الرأسمالي ينتج
أنواعاً متشعبة ولا آخر لها من التخليط غير
المسبوق بين «البروليتاريا» و«الدهماء»،
وكانت كومونة باريس نفسها نشأت على خلفية تخليط
كهذا، وقد كان أحمد فارس الشدياق
أكثر نباهة عندما وصف القائمين بها بالـ«الصعاليك».
دخلت الماركسية الكلاسيكية
عندها في رهان: لم لا، يمكننا الاستعانة
بالدّهماء، وكلما كانت البروليتاريا ضعيفة
يجوز لها الاستعانة بالدهماء أكثر. تزامن ذلك مع
اكتشاف هذه الماركسية الكلاسيكية
لضمانة تقنية وأسطورية في آن، للوقاية من الدهماء
وتسويغ الاستعانة بها: اذ لا ضير
من الاستعانة بالدّهماء ما دامت البروليتاريا
مؤطّرة في حزب سياسي يقتفي أثر
بروميثيوس (اهداء النار للبشر)، كما أثر هيراكليوس
الذي أنقذ بروميثيوس في
الأسطورة.
يمكن الاستعانة بالدّهماء لأن الحزب السياسي
الطليعي المجرّب يقي
البروليتاريا من الدّهماء. والبروليتاريا بأمس
الحاجة الى حزب سياسي في مرحلة انتاج
التوسّع الرأسمالي لأنواع غير مسبوقة ولا حصر لها
من التخليط بين «البروليتاريا»
و«الدهماء».
اتخذ هذا الرهان أبعاداً خطيرة في اللينينية،
فبعكس أعمال لينين
المبكرة التي تتقاطع مع الماركسي الليبرالي ستروفه
في مواجهة الشعبوية، قامت
اللينينية على افتراض الجمع بين البروليتاريا
والدهماء في حزب واحد (النظرية
اللينينية في التنظيم)، ومن ثم على افتراض
الاستعانة بالاستبداد الآسيوي على
الامبريالية الأوروبية (النظرية اللينينية في
الامبريالية).
وقد جاء مؤتمر باكو
لشعوب الشرق ليمثل غاية هذا المذهب: ليس بعيداً من
المكان الخرافي الذي صُلب فيه
بروميثيوس على صخرة في القوقاز، انعقدت احتفالية
زائفة في العاصمة الأذربيجانية،
وجرى صلب فكرة «البروليتاريا» نفسها، أي فكرة
الكائن الأريستوقراطي الذي تنتجه
الآلة الصناعية بأعداد وفيرة. كانت نقلة نوعية في
اتجاه مضاد للأنوار والعقل
والحرية: بدل استعانة البروليتاريا بالاستبداد
الآسيوي لمواجهة الامبريالية
الأوروبية، صار من الأسهل أن يستعين الاستبداد
الآسيوي بالماركسية، كأفيون لقمع
الشعوب بحجة مواجهة الامبريالية الأوروبية.
بالتوازي، نشأت الفاشية في الغرب.
قامت فلسفياً بإدانة بروميثيوس الساذج والمضجر،
لصالح خصوبة الإله ديونيزوس وشهوته
الراعدة، ولصالح رفض الحياة السهلة والمحدودة
الأفق. بالتأسيس على ذلك فقد أنكرت
الفاشية أن يكون البروليتاري هو الكائن
الأريستوقراطي الذي تنتجه الحداثة بأعداد
وفيرة. ولما بحثت الفاشية عن كائن أريستوقراطي
بديل لم تجد غير الدهماء. الدهماء هي
أريستوقراطية الحداثة وفقاً للمعيار الفاشي. وإذا
كانت اللينينية تقيم خلطاً بين
البروليتاريا والدهماء في الحزب الواحد نفسه، فقد
أناطت الفاشية بالدهماء نفسها
قيادة البروليتاريا وتنظيمها في حزب سياسي.
اللافت أنه، وبعد أن دار التاريخ
دورته، وقهرت الفاشية، ثم تحلّلت اللينينية، أننا
نكبنا بتعشيق جديد بين المأثور
الفاشي والمأثور اللينيني. ينبجس هذا التعشيق من
رحم خلطة الأهاجي المساقة سواء
بسواء ضد الامبريالية والاستشراق وضد السوق
والاستهلاك. غاية هذا التعشيق القول بأن
الدهماء ترث البروليتاريا. البروليتاريا طبقة
عارضة. فالدهماء طاقة أبدية حاضرة
أبداً على مرّ التاريخ، طاقة لا تحصر ولا تتوب، لا
تنهزم ولا تقرّ بهزيمة، والجديد
أن زمن «ما بعد الحداثة» صار يوسع مدارك الدهماء
لجهة اتقان حرفة القراءة والكتابة،
بل صارت الدهماء تصدر الكتب وتحاضر في الجامعات
وتحرّض على القتل وتفتي وتحرّم في
فنون كتابة الشعر وتقيم بقبحها وثقل ظلّها نظرية
في الجمال والكمال، وتستبيح الفكر
ساحة للشتيمة، وتغنياً بالجريمة.
|