|
"وما الحرب إلا ما عرفتم وذقتمُ
وما هو عنها بالحديث المرجّم"
زهير بن أبي سلمى
في أوائل القرن الخامس عشر، أسس الملك سيغيسموند
الهنغاري أخوية "التنين" السرية لنصرة المسيحية
وحماية الامبراطورية الهنغارية من هجمات الأتراك.
وقد ورث "فلاد الثالث"، حاكم ولاية "ولاشيا" التي
أصبحت الآن جزءاً من رومانيا، عضوية هذه الأخوية
عن أبيه لشجاعته في مواجهة هجمات الأتراك
المتكررة.
تضاربت المعلومات عن فلاد، ولكن معظم المراجع تجمع
على أن شهرة هذا الحاكم كانت من وحشيته في اخضاع
رعيته وفي مواجهته لاعدائه. ويروى انه كان يأمر
بتقطيع أجساد ضحاياه ويعرضها على اوتاد في وسط
المدينة لتكون عبرة لمن اعتبر.
ومع ذلك، فقد كان يتمتع بدعم الكنيسة وذلك لدوره
المميز في حماية الايمان المسيحي من الأتراك، لقب
فلاد بدراكولا، وهي إما نسبة إلى أخوية التنين "Dragon"
او نسبة إلى الشيطان ومعناه بلغة المنطقة "دراكو".
لقد أوحت قصة فلاد للكاتب "برام ستوكر" بقصة
الكونت دراكولا المشهورة.
كان من الواجب على منظمي مهرجان السيد حسن نصرالله
الأخير أن يضعوا التحذير التالي على مداخل الملعب
حيث حصل التجمع: "على الاطفال دون سن الثامنة عشرة
والحوامل ذوي القلوي الضعيفة او من لا يتحملون
المناظر المرعبة ألا يدخلوا، لأن عرض اليوم يشتمل
على مشاهد أجزاء بشرية مقطعة". لو حصل ذلك لكان
التجمع خسر أكثر من ثلثي كثافته لأن معظم جمهور
السيد هو من الأطفال والمراهقين الذين يعدهم
ليكونوا وقوداً لمشروعه الكارثي.
ولكن، وبغض النظر عن الرسالة التي كان نصرالله
يريد توجيهها من خلال العرض التنكيلي بجثث
الاعداء، ولا أظن انه مستمد من أصول الدين الحنيف،
فان كان يريد ان يستدرج العدو إلى مبادرة حسن نية
جديدة، فما كان عليه الا ان يلجأ إلى قنواته
المخابراتية المعهودة، ليمرر صفقة قد تتضمن تبادل
الأشلاء بتاجر السلاح السوري الأسير في اسبانيا،
أو بالموقوفين في بوينس ايريس في قضية تفجير
الكنيس اليهودي، أو ربما بضابط آخر من الحرس
الثوري الايراني موقوف في ملف ما، في مكان ما من
العالم.
ولكن الواضح من خلال هذا الاعلان الفضائحي هو انه
يريد ان يستدرج العدو الاسرائيلي، في فورة من
الغضب، ليشن حرباً جديدة على لبنان، يكون ضحيتها
الأولى القرار 1701 والقوى الدولية في الجنوب،
والأهم ضرب الجيش اللبناني اما في قوته واما في
هيبته، ليعود "حزب الله" اللاعب الوحيد في الأرض،
ويعود لبنان ساحة مفتوحة لنزوات القيادة الايرانية
ولرسائل بشار الأسد الدموية.
أما لناحية قوله بأنه سوف يتمكن من تغيير المعادلة
الاقليمية اذا شنت اسرائيل حرباً جديدة، فاذا كان
يقصد انه قادر على هزيمة اسرائيل بشكل حاسم يعيد
حقوق العرب المغتصبة، ويرجع القدس ويدفع المحتلين
إلى البحر، فما الذي يمنعه من المبادرة بذلك دون
انتظار العدو للمبادرة؟. ولكن الواقع هو ان تغيير
المعادلة الاقليمية بالنسبة الى نصر الله يعتمد
على تغيير الواقع القائم اثر القرار 1701 وتغيير
المعادلة السياسية الداخلية التي فرضتها انتخابات
2005 النيابية.
الواقع الثاني هو ان الامين العام لـ"حزب الله"
أراد الاستفادة من تفجّر المشاعر الكربلائية
ودمجها بأخبار الأشلاء المقطعة وفي الوقت نفسه
تجديد هجومه على الحكومة والأكثرية، ان يحضر
جمهوره إلى حالة يمكن تحليل اهدار الدماء فيها من
خلال ربطها بمسائل الخير والشر ومسائل الظلم
التاريخي وتداعياتها في الموروث الثقافي الجماعي
لجمهوره.
أما الواقع الثالث فهو ان نصر الله توقع مسبقاً
فشل امكانية وضع انقلابه القادم تحت شعارات مطلبية
وذلك لمعرفة الجميع بدوره ودور حزبه في تعطيل
الحياة الاقتصادية وضرب مصالح الفئات الأكثر ضعفاً
في خبزها اليوم، وقد اثبتت التجارب السابقة هزل
قدرات هذا الحزب على الحشد تحت الشعارات المطلبية
وهذا ما أثبتته السيناريوات الفاشلة السابقة.
لذلك فانه اختار وضع العناوين السياسية كشعار
لمحاولاته القادمة حتى يتمكن من اكتساب مصداقية
أكبر. والجدير ذكره هو ان جمهور الحزب، والمربوط
مباشرة بدورة الحياة الاقتصادية الخاصة بدولة "حزب
الله"، لا يتأثر عادة، ولا يؤثر بالحراك المطلبي
العمالي.
أما الواقع الرابع، الذي اصبح استراتيجية ثابتة
لدى "حزب الله" فهو سياسة التوتير الدائم الذي
يؤدي إلى تردي الحالة الاقتصادية إلى حد الانهيار،
وهذا ما يفكك ارتباط المواطن بالدولة، وفي الوقت
نفسه يساهم في هجرة رؤوس الأموال، وتطفيش النخب
على مختلف المستويات. ان هذا الوضع في حال استمر
سوف يترك لبنان لقمة سائغة في فم الولي الفقيه.
لقد قال الأمين العام لـ"حزب الله" في آخر مقابلة
له إن حال لبنان لا تزال افضل من حال فلسطين
والعراق وباكستان، ويبدو انه ومن خلال رؤياه سوف
يسعى الى جعل لبنان، أو جزء منه، نسخة عن غزة.
لماذا هذا الكلام؟ لأنه على اللبنانيين عامة، واهل
جنوبه خاصة ان يعلنوا انهم يرفضون اقحامهم في
مغامرة جديدة قد تطيح أرواح آلاف جديدة من خيرة
ابنائهم، وتحول البيوت الى ركام ممزوجة بأشلاء
الشهداء.
حواشي: "لبنان الآن يشبه ايران عام 1977، ولو
نراقب ونعمل بدقة وصبر، فانه ان شاء الله سيجيء
إلى احضاننا، وبسبب موقع لبنان وهو قلب المنطقة،
وأحد أهم المراكز العالمية، فإنه عندما يأتي لبنان
إلى أحضان الجمهورية الاسلامية، فسوف يتبعه
الباقون".
حجة الاسلام فخر روحاني
سفير ايران في لبنان سابقاً
صحيفة "اطلاعات" الايرانية 1984
"يجب ان نعمل على انضاج الحالة الجهادية، فعندما
يكون في لبنان مليون جائع، فان مهمتنا لا تكون في
تأمين الخبز، بل بتوفير الحالة الجهادية حتى تحمل
الأمة السيف في وجه كل القيادات السياسية".
السيد حسن نصرالله
جريدة "النهار" 27/1/1986
* نائب لبناني عضو كتلة "المستقبل
|