Beirut Letter/articles/maroun yazbek

 

النهار 23-01-2008

البطريركيـة المارونيـة: قيادة روحية وزمنية دائماً

مارون يوسف يزبك     

في التاسع عشر من شهر نوار عام 1945 عقد في بكركي مؤتمر برئاسة البطريرك عريضة حضره لفيف من بطاركة واساقفة الطوائف المسيحية واصدروا بيانا جاء فيه:
"
ان الغرض من اجتماعنا نحن رؤساء الطوائف المسيحية المجتمعين في الصرح البطريركي الماروني في بكركي يوم التاسع عشر من شهر ايار سنة 1945 تحت رئاسة مار انطون بطرس عريضة بطريرك انطاكية وسائر المشرق الكلي الطوبى، انما كان للبحث والتفاوض في مسائل عديدة يفرضها علينا واجبنا الرعائي والوطني ونتوخى من تحقيقها مصلحة وطننا اللبناني. وقد قر الراي على النقاط الآتية:
1-
تأييد استقلال لبنان وسيادته التامة.
2-
التعاون الصادق مع الدول المجاورة.
3-
حفظ العلائق الودية مع الدول الحليفة التي اعترفت باستقلال لبنان وسيادته راجين من دولة فرنسا وباقي الدول الحليفة تأييد استقلال لبنان.
4-
توطيد الالفة والسلام ما بين جميع الطوائف والعناصر اللبنانية.
5-
تأييد حكومتنا اللبنانية في كل الامور العائدة الى خير لبنان وازدهاره.
6-
عقد معاهدة مع دولة فرنسا تتفق مع مصالح لبنان ومصالح فرنسا.
وقد رجونا غبطة السيد البطريرك مار انطون بطرس عريضة الكلي الطوبى ان يتابع اهتمامه لتحقيق هذه الاماني".
ان العارفين بتاريخ لبنان المعاصر يقدرون فحوى هذه المقررات ويعرفون لماذا طلب الى البطريرك الماروني بالذات ان "يتابع اهتمامه لتحقيق هذه الاماني" وهي الاماني الوطنية الاستقلالية التي كان يطمئن اليها كل اللبنانيين.

انتقادات مؤتمر بكركي والرد عليها

ولأسباب لا مجال لذكرها هنا، ارتفعت بعض الاصوات تنكر على المجتمعين في بكركي حق ابداء الرأي في الشؤون الوطنية.
أثارت هذه المواقف حمية المؤرخ المرحوم الاب اغناطيوس طنوس الخوري، الراهب اللبناني. فكتب مقالا في مجلة "البشير" بتاريخ 3 حزيران 1945 ينتقد الذين ينكرون على البطريرك الماروني وسائر البطاركة ورؤساء الطوائف المسيحية حق الاجتماع والتداول في مصلحة البلاد "واناطوا هذا الحق بمرجع آخر يملك تمثيل الشعب".
وقد اكد الكاتب انه "اذا كان من تمثيل صادق لجميع عناصر الشعب اللبناني، منزه عن كل غرض وتزييف، واذا كان من تمثيل يقبل عليه الشعب اللبناني برمته وبمطلق اختياره وارادته، لا ضغط يكرهه ولا مال يغريه ولا دسائس تفسده وترهقه، انما هو تمثيل بطريرك لبنان لشعب لبنان. واذا كان من زعامة يقدسها شعب لبنان، ويجمع عليها حرا مختارا، فهي زعامة البطريرك اللبناني على الشعب اللبناني.
وهذه الاسماء: "عميد لبنان"، "البطريرك اللبناني"، "شيخ لبنان" ، "سيد لبنان"، "الجبل اللبناني"، وغيرها، الحافلة بها صحف لبنان وسائر البلدان، والمتدفقة بها افواه الخطباء في الظروف الحرجة والازمان الدهياء، هذه الاسماء يعرفها جميع عناصر لبنان لمسمى واحد فقط لا غير، هو البطريرك الماروني...
وما حلم كبير ولا زعيم حتى الآن، ان يزاحم صاحب هذه الاسماء والالقاب على واحد منها.
هذه الزعامة وهذا التمثيل لم يشترهما البطريرك الماروني شراء، ولا بذل لكسبهما مالا ولا سعيا، ولا عمد الى اية محاولة للحصول عليهما، بل ان الشعب اللبناني بأجمعه سار اليه، والقى بمقاليده بين يديه، من تلقاء نفسه وخلاء عن كل رشوة ومساومة، واكراه ومناورة.
هذه الزعامة لم تكن وليدة الساعة والمساعي، بل هي بنت الثقة والاخلاص والدهور والاجيال".
رحم الله الاب اغناطيوس وما اشبه اليوم بالامس.

المآثر البطريركية دفاعا عن الوطن

في المقال نفسه يسرد الكاتب بعض الاحداث التاريخية التي تثبت زعامة البطريرك الماروني اللبناني وتمثيله الشعبي الاجماعي.
فالدور الاول مثله البطريرك الاول القديس يوحنا مارون يلتفّ حوله ابناؤه المردة، "اصحاب لبنان الاوائل ومنشؤو كيانه واستقلاله تحت راية البطريرك وزعامته يستئمّون شخصيته ويستنيمون لقيادته". حتى جعلوا لبنان دولة مستقلة، عصية على الامويين في الشرق وعلى الروم في الغرب.
وبعد ان اندحر الصليبيون وأتت جحافل المماليك تكتسح لبنان وتنكل باللبنانيين ولاسيما بسكانه الشيعة والعلويين والموارنة، صمد لها البطريرك دانيال الحدشيتي، فجمع اللبنانيين وتولى قيادتهم بذاته، فخلص لبنان من مخالب المماليك.
وفي القرن التاسع عشر، لما اندفعت نيران الفتنة في دوراتها الثلاث، وقد اشعلتها اياد اجنبية، رامية الى ملاشاة النصرانية في لبنان وفي هذا الشرق، "فهب البطريرك يوسف حبشي هبة الرئبال يجابه الحال ويرأب الصدع"، وأخذ يوفد من ديوانه نائبه المطران طوبيا عون، يعالج الامور ويفاوض القناصل والباشاوات ويطالب بالحقوق والمسلوبات، يشد ازره قناصل فرنسا في بيروت وسفراؤها لدى الآستانة، حتى تكللت مساعيه بالنجاح. وانتهى المطاف بأن قضي على المؤامرة المدبّرة للقضاء على المسيحيين، وتمتع لبنان بعدئذ بنعيم امين.
ولما وضعت الحرب العالمية الأولى أوزارها عام 1819، قام شعب لبنان بجميع طوائفه، المسلمون في مقدمة المسيحيين، يسلمون مقاليدهم الى البطريرك الياس الحويك، واوفدوه عنهم الى مؤتمر فرساي فحقق مطالبهم، وأسس للدولة اللبنانية في حدودها الحالية.

السوريون أيضاً

لم تقتصر هذه المآثر على الوطن اللبناني. فلطالما استنجدت الشقيقة الكبرى سوريا ببكركي في أيام عصيبة، لاسيما في عهد البطريرك عريضة حيث جاء زعماؤها البطريركية المارونية يحكّمونها في أمورهم.
ففي عام 1935 امت بكركي وفود سورية تستوسط البطريرك لحل أزماتها مع المنتدب الفرنسي، وقد اعلنته ممثلا لها بعد أن رفعت صوره في شوارع دمشق. وعلى إثر اجتماع ضم كبار الزعماء السوريين طيّر هؤلاء برقية الى البطريرك وقعها باسمهم زكي بك سكر، جاء فيها: "زعماء دمشق وممثلو أحيائها المجتمعون اليوم، كلفوني ان أرفع الى غبطتكم شكر دمشق على موقفكم الطيب ورفعكم الصوت إحتجاجاً على السياسة الضارة، وإعلانكم تأييد دمشق في الدفاع عن حقوق البلاد ومصالحها".
وكذلك في 1936 يوم نكب الطوفان سوريا، سارع عريضة الى نجدة المنكوبين وأرسل اليهم آلاف اكياس الطحين. ومن شدة حزنه خلع ثوبه الأرجواني وارتدى ثوباً أسود وجوارب سوداء حزناً على الحالة السوداء. فتغنى الخطباء باسم البطريرك في الجامع الأموي وتليت من على المنابر رسالة غبطته الى المنكوبين، على ألوف المصلين.
وبالعودة الى لبنان، لا بد ان نذكر في هذا المجال ما حصل في آخر عام 1941 حين أصر الجنرال كاترو، مندوب فرنسا الحرة، على تعطيل الدستور وإبقاء الحكم في يد الفرنسيين. فقد جاء في مذكرات الشيخ بشارة الخوري "حقائق لبنانية" التي أصدرها عام 1961 بمعاونة يوسف ابرهيم يزبك: "رأى اللبنانيون في هذا الانتقاص تنكراً لأمانيهم وهبّ الدستوريون ومعهم نفر كبير من المواطنين يطالبون بإعادة الدستور والحقوق السياسية التي اهلها بانتخابات حرة ثم اشتدت معارضتهم للوضع الشاذ وتنادى كثيرون الى الأمر على اختلاف طوائفهم، وجسّ البعض نبض البطريرك الماروني فلقوا لديه كل استعداد حسن لتأييد المطالب اللبنانية. فألفنا وفداً كبيرا من ذوي الرأي والوجاهة الى بكركي حيث عقدنا مؤتمراً وطنياً يوم عيد الميلاد (25 كانون الاول 1941)، وألقى غبطته خطاباً رائعاً وضع فيه أسس المطالب القومية"...
في ذلك اليوم أقبلت على بكركي وفود اللبنانيين مؤلفة من جميع الأنحاء والمذاهب وعلى رأسهم الشيخ بشارة الخوري (لم يكن قد صار رئيساً للجمهورية بعد) والأميران مجيد ارسلان وخالد شهاب وكاظم بك الخليل والشيخ فريد الخازن وغيرهم وغيرهم... وفدوا يجددون لغبطة البطريرك عريضة مبايعة الزعامة اللبنانية العليا والتمثيل الشعبي هاتفين بحياته وواضعين بين يديه أمانيهم ومطالبهم.

بطريرك العرب

وإن ننس لا ننس المواقف الحكيمة والبطلة للمثلث الرحمات البطريرك بولس المعوشي يوم وقف بكل شجاعة يدافع عن وحدة لبنان وعروبته زمن التغيرات الكبرى التي عصفت بالعالم العربي أواسط القرن المنصرم فأجمع القادة العرب والزعماء اللبنانيون على مبايعته "بطريركاً للعرب".
وكيف لنا ان ننسى مواقفه المدافعة عن الحرية والديموقراطية في وطننا يوم كانت الآلاف المؤلفة تؤم الصرح مستنجدة بسيد بكركي ليحول دون ان يصبح لبنان في مصاف الانظمة الديكتاتورية التي هيمنت في الستينات على العالم الثالث. فساعد بوطنيته وصلابته لبنان على المحافظة على طابعه المميز بوحدة أبنائه ونظامه الديموقراطي وانفتاحه على الآخرين.
وبما أننا في مجال التاريخ ولا نتعاطى السياسة الآنية، فلن نتكلم عن سيدنا نصرالله صفير بطريركنا الحالي. حسبنا القول ان التاريخ سينصفه ويجعله في مصاف كبار البطاركة.
يعلق الأب اغناطيوس طنوس الخوري على بعض من هذه المحطات التاريخية التي أوردناها، (وتذكر انه كان يكتب عام 1945 منتقداً الذين أنكروا على البطاركة والأساقفة حقهم بعقد مؤتمر في بكركي دفاعاً عن استقلال الوطن وسيادته)، فيقول: "أفيدونا كيف صح ان يكون البطريرك الماروني "عميد لبنان" وحق له ان يتكلم باسم لبنان، وتقرير مصيره عند مفترق الطرق، ويتولى قيادته عند إدلهلام المخاطر والخطوب، ويفصل في شؤونه الفصل الاخير، منذ الف وثلاثمئة سنة، وشعب لبنان راض وواثق بعميده الأعلى وأبيه الأكبر؟ كيف صح ذلك قبل اليوم، ولا يصح الآن؟ أو هل نزع هذا الحق وهذه السلطة الشعبية من البطريرك؟ ومن الذي نزعها؟ ومتى نزعها؟ ولماذا نزعها؟".
رحم الله الأب اغناطيوس. وما أشبه اليوم بالأمس.  
(
استاذ جامعي)

عودة الى افتتاحيات

عودة الى مراجعات الصحف