Beirut Letter/articles/wissam saadeh

 

السفير 21-01-2008

في الانشقاق «القيصري» عن الطائفة المارونية
وسام سعادة

غريب أمر المسيحيين المعارضين، للحكومة بالأمس، وللكنيسة اليوم. يقصدون الكاهن للتحكيم في ما بينهم، حتى اذا لم يرق أمر التحكيم لهم همّ البعض منهم بالحجر على الكاهن أو قرعت الطبول لخلعه بحجة «علمانية»، حيث لا حق له ككاهن بالتدخل في السياسة. هنا يظهر «الغلو العلماني» كأعلى مراحل «الغلو الطائفي».
فالحجة العلمانية تأتي في معرض توتر ما كان القصد منه التخفيف من ثقل البنى والقنوات الطائفية، وانما كان قصده المعلن والأوحد ينطلق من الهوية الطائفية ويؤسس عليها «تحالفاً للأقليات».
مشكلة المعارضين المسيحيين أن الهويات الطائفية هجينة وغير صافية في بلد كلبنان. لأجل ذلك أرادوها هويات طائفية صافية لا تشوبها شائبة، يمكن على أساس عقد التحالفات وفض التحالفات، مع جماعات محدّدة بشكل نهائي.
كانت النتيجة أنّ هؤلاء المعارضين المسيحيين للحكومة، ولما آثروا اصطناع هوية طائفية صافية وخالصة، اصطدموا، وبعنف لفظي بالغ، مع الاطار الوحيد المحدّد للهوية الطائفية، أي الإطار الكنسي. صار شرط الهوية الطائفية الصافية أن تجري التضحية بالكاهن، بعد أن جرى تضييع الرئاسة والحيلولة دون ملء الفراغ.
باسم هذه الهوية الطائفية النقية والزاجرة بـ«حقوق المسيحيين» ليل نهار، يراد ابطال تعريف الجماعة الطائفية، كملّة على رأسها بطريرك، لاعادة صوغها وتعريفها كشعب مسيحي على رأسه قيصر في مواجهة البطريرك، وعلى قاعدة اسناد عنفه اللفظي بهالة العنف العسكري للحركات الجهادية.
على هذا الأساس تنصهر الحجة «العلمانية» المطالبة بمنع الكاهن عن التدخل في السياسة بالحجة «الطائفية» التي تبثّ الرّعب بحجة أن الجماعة على شفير الوقوع أسيرة للجزية والخراج وما تفرّع من أحكام تفرض على أهل الذمّة. ان «حقوق المسيحيين» في خطر، وربّما منعوا من ركوب السيارات أو ارتياد المطاعم والمقاهي أو اداء واجباتهم الدينية. ومع ذلك فإن «حقوق المسيحيين» هاته لا تستقيم الا على طريقة أجاكس في الأسطورة اليونانية: لمّا طالب بأسلحة أخيل ولم تعط لجيشه، كانت النتيجة أن «فشّ خلقه» وأباد جيشه، بإبادته قطعان الماشية الضرورية لاطعام هذا الجيش. اليوم أيضاً ثمّة من يفضّل «فش خلقه» بعد امتناع وصوله للرئاسة بجعل الرئاسة ممتنعة لأي أحد غيره، وبعد ذلك تراه يهمّ بمحاصرة الكرسي البطريركي بوابل من العنف اللفظي، وبتهديد بنقل مقرّ «الاعتصام الدائم» الى جوار الصرح البطريركي.
كما أجاكس في الأسطورة اليونانية كذلك أمر المعارضة المسيحية، يؤدي بها الرّعب الذي تبثّه بحجة أن المسيحيين في خطر، الى تضييع الرئاسة، ومحاصرة الدور الحيوي للمؤسستين الكنسية والعسكرية، أي للضمانتين السماوية والأرضية للوجود المسيحي، وكل ذلك تحت شعار «حقوق المسيحيين».
لقد بقي هذا الدور للمؤسستين الكنسية والعسكرية حيوياً للغاية في الأعوام الثلاثة الماضية. صحيح أن بكركي لم تتمكن من تحقيق الحد المطلوب من الوحدة المسيحية ـ المسيحية، الا أنّها حالت دون التناحر المسيحي ـ المسيحي. وصحيح أن الجيش اللبناني لم يكن بمقدوره تأمين شروط الوحدة الوطنية الا أنه حال دون التناحر الأهلي بين الاستقلاليين والممانعين.
هذا مع التنبيه الى أنّ المؤسستين الكنسية والعسكرية قد تأخرتا الى حد كبير في فهم طبيعة التحديات الكيانية والأهلية التي تجتازها الفكرة اللبنانية بعد الانسحاب السوري. ففي ما عنى المؤسسة الكنسية تحديداً، ما كان الاصغاء لنظرية «تحالف الأقليات» مطلوباً، ولا كانت المبادرة الى فرط لقاء قرنة شهوان لها أثر ايجابي، وما كانت الحماية المعطاة للرئيس لحّود هي أفضل تدبير. وفي ما عنى المؤسسة العسكرية كذلك الأمر، كانت اللحظة المتمثلة بانسحاب جيش أجنبي عن أرض لبنان هي من النوع التاريخي الذي يستدعي تقويماً، في اتجاهات عدّة، للعقيدة القتالية ولدور المؤسسة، بحيث الجمع بين تحمّل أعباء ما بعد الانسحاب الأحادي الاسرائيلي من جنوب لبنان وبين ردع «ظلم ذوي القربى» معنوياً ومادياً.
في نهاية الأمر، جاءت مرحلة «الفراغ الدستوري» لتفرض نفسها بشكل مباشر على المؤسستين الكنسية والعسكرية. حرصت المؤسستان على «الاعتدال» وابتعدتا عن «الانحياز»، فكانت النتيجة أن جرى التعريض باعتدالهما، وبصفتيهما كمؤسستين ضامنتين للوجود المسيحي في لبنان، وهو أمر لا يرد عليه الا باعادة صياغة المشروع الاستقلالي اللبناني لجعله مثلّث الأضلاع بين حركة سياسية سيادية وبين مؤسستين كنسية وعسكرية. ويكون تقريب هذه الفكرة الى الواقع بطرح سؤالين، الأوّل عن حقوق الجيش، والثاني عن حقوق الكنيسة.

عودة الى افتتاحيات

عودة الى مراجعات الصحف