|
ودهر ناسه ناس صغار
وإن كانت لهم جثث ضخام
المتنبي
في كتاب متى موسى "الموارنة في التاريخ" يخلص
الباحث إلى أن الموارنة مجمعون على أن "المردة"
محاربون لجأ إليهم الأباطرة البيزنطيون في القرنين
السابع والثامن لمحاربة الجيوش الأموية التي غزت
لبنان، وأن الموارنة أنفسهم يتحدّرون من هؤلاء
المردة، وقد تشبث بهذا الادعاء المطران يوسف الدبس
(توفي 1907) في كتابه "الجامع المفصل في تاريخ
الموارنة المؤصل" الصادر في بيروت 1905. أما الأب
بطرس ضو فقد وجد في كتابه "التاريخ الديني
والسياسي والحضاري للموارنة" الصادر في بيروت
1970، أن الموارنة كانوا في الأساس حجر الزاوية في
النسك والقومية السريانية، وأنهم كانوا مركز
المسيحية وكنيسة أنطاكية في الشرق.
لست أدري إن كان من ورث ميليشيا المردة وحولها إلى
حزب لاحقاً قد قرأ في الأساس عن أصول تسمية حزبه،
هذا إن كان يقرأ أصلاً، وإن قرأ فليس أكيد أنه
يفهم. ولكن كل ما يمكن أن يستشف من كلماته المفككة
لغوياً ومنطقياً، وفورات صدقه الصبيانية، أن النزق
الواضح في تصرفاته ما هو إلا نتيجة للإفراط في
الدلال في تربيته، وهذا مفهوم إذا ما تذكرنا
القسوة التي واجهها من خلال الجريمة الوحشية التي
طالت عائلته.
ولكن، وإذا راجعنا تاريخ الحرب الأهلية في لبنان،
فإن لائحة من عانوا الظروف عينها قد تطول لتشمل
المئات من العائلات اللبنانية، ولكن الفرق هو أن
الغالبية العظمى لم تتحول إلى منطق الاستهتار
والبلطجة الذي يتحكم بتصرفات المذكور.
لقد اقتنع سليمان فرنجية بالوراثة والتبني منطق
تحالف الأقليات في مواجهة الأكثرية، وهذا ما دفعه
إلى الالتصاق بعائلة الأسد التي تحكم سوريا
بالمنطق عينه. كما أن الصفة الأخرى الجامعة مع هذه
العائلة هي أنها تقود بمنطق زعماء العصابات، وهذا
المجال هو ما يبرع به الطفل المدلل، وقد مارسه
بنجاح واضح في إدارة عصبته ومحازبيه.
وما منطق تسفيه القوانين والدساتير الذي دأب على
ممارسته أعوانه من خلال إطلالاتهم الإعلامية، إلا
مقدمة لتبرير المنطق "البلطجي" الذي اتبعه رئيسهم،
وسوف يتبعه في سبيل العودة إلى النفوذ الذي لا
يسمح به حجمه إلا من وجوده تحت رعاية عائلة الأسد،
وهذا الواقع ينطبق على العديد من الطفيليات
النافرة الأخرى التي أنبتتها سلطة الاحتلال على
مدى ثلاثة عقود.
على هذا الأساس، لم يعد مستغرباً تطاوله على
السلطة البطريركية التي تمكنت من تحويل الموارنة
من أقلية متنافرة مع محيطها إلى كيان وحدوي متفاعل
ورائد في محيطه، أعطى الثقافة والاقتصاد والسياسة
في لبنان بعداً عالمياً وعربياً استفادت منه كل
أطياف المجتمع اللبناني الطائفية.
وهذا مما يجعل قضية التهجم على البطريرك نصرالله
بطرس صفير أحد رواد هذا المسار المنفتح والذي في
عهده صدر النداء الرسولي ومقررات المجمع البطريركي
الثاني، قضية وطنية بامتياز لا يجب ان تنحصر
مواجهتها الحاسمة بموارنة لبنان، بل يجب أن تكون
معممة على كل أطياف لبنان، وهذا الكلام موجه أيضاً
إلى كل القيادات الدينية بعد تذكيرهم بالقول
الشهير "أكلت يوم أكل الثور الأسود".
ويبرز هذا الهجوم اليوم مترافقاً مع سلسلة من
التفجيرات الأمنية ومع إعادة تظهير شاكر العبسي
إلى الساحة كوحدة متكاملة تقودها مخابرات النظام
السوري في تعميم التوتير لمواجهة "الحشرة" التي
وضعته فيها المبادرة العربية.
كما أن إبراز دور سليمان فرنجية الآن قد يكون
لإعادة التذكير بأنه بديل جاهز ومأمون الجانب بعد
أن أحرقت ورقة العماد ميشال عون عملياً، وبعد
المحاولات المتكرّرة لإحراق ورقة العماد ميشال
سليمان سواء بالهجوم عليه والتشكيك به مباشرة أو
من خلال إفشال المبادرة العربية بشكل غير مباشر.
لقد تصرّف الكثير من السياسيين والمرجعيات الدينية
والشعبية مع زعيم المردة على أساس أغنية المرحوم
فيليمون وهبي عندما قال: "هيدا من بيت الفرفور، يا
عالم زنبو مغفور"، ولكن زمن الولدنة قد ولّى، ولا
يجب أن يسمح لمنطق زعماء العصابات أن يتلاعب بمصير
لبنان.
* نائب لبناني عضو كتلة "المستقبل
|