|
"ولجسمي قصة أخرى... وفي الحلم نريد الياسمين...
عندما وزعنا العالم قبل سنتين... كانت الجدران
تستعصي على الفهم... وكان الاسبرين... يرجع الشباك
والزيتون والحلم الى أصحابه... وكان الحنين...
لعبة تلهيك عن فهم السنين"
محمود درويش
في مذكرات تيودور هرزل، بعيد مؤتمر بازل سنة 1896،
قال "قد ينعتني الناس بالحالم إذا قلت أنني اليوم
أرسيت الأسس للدولة اليهودية". والواقع هو أن
الحركة الصهيونية، منذ بداية إنشائها، أقنعت
إنكلترا بجدوى قيام كيان يهودي متحالف معها، يقسم
العالم العربي على أساس رؤيا وضعها، وحاول أن
ينفذها نابليون قبل مئة عام. ولعل من أبرز
الدلالات على الربط الاستراتيجي بين أهداف الحركة
الصهيونية وأهداف بريطانيا ما ذكرته صحيفة مانشستر
غارديان سنة 1916: "إذا انتهت هذه الحرب (العالمية
الأولى) بالقضاء على الإمبراطورية التركية في بلاد
ما بين النهرين، وأدّت الحاجة الى تأمين جبهة
دفاعية في مصر الى تأسيس دولة يهودية في فلسطين
فسيكون القدر قد دار دورة كاملة".
ولم يكن العامل العسكري هو العامل الوحيد ولكن
اللجنة الملكية البريطانية لهجرة الغرباء كانت
حينها بحاجة الى توجيه العدد الكبير من اليهود
الهاربين من المجازر والاضطهاد في أوروبا الشرقية
وروسيا. لذلك فقد دعت هرزل للشهادة أمامها،
واستنتجت مما قاله بوجوب توجيه المهاجرين الجدد
الى وطن جديد، وكان أحد المواقع المقترحة هي
أوغندا. هذا الواقع هو ما دفع هرزل الى التصريح
بأن المجتمعات الأكثر "لاسامية" هي من ستكون
الداعم الأكبر لإقامة الكيان اليهودي وذلك للتخلص
من وجود اليهود ضمن مجتمعاتها.
وبعد أخذ ورد حول موقع هذا الكيان وجه اللورد آرثر
جيمس بلفور، وزير الخارجية البريطاني الى اللورد
ليونيل دي روتشيلد، أحد كبار وجهاء اليهود في
إنكلترا هذا نصها:
وزارة الخارجية 2/11/1917
يسرني جداً أن أبلغكم بالنيابة عن حكومة جلالته،
التصريح التالي الذي ينطوي على العطف على أماني
اليهود والصهيونية، وقد عرض على الوزارة وأقرته:
"إن حكومة صاحبة الجلالة تنظر بعين العطف الى
تأسيس وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين، وستبذل
غاية جهدها لتسهيل تحقيق هذه الغاية، على أن يفهم
جلياً أنه لن يؤتى بعمل من شأنه أن ينتقص من
الحقوق المدنية والدينية التي تتمتع بها الطوائف
غير اليهودية المقيمة الآن في فلسطين، ولا الحقوق
أو الوضع السياسي الذي يتمتع به اليهود في البلدان
الأخرى، وسأكون ممتناً إذا ما أحطتم الاتحاد
الصهيوني علماً بهذا التصريح".
لماذا هذا الكلام الآن؟
لأن واقع تتابع الأحداث، والطغيان الإعلامي
والعسكري الذي مورس على منطقتنا، تمكن من إبدال
وقائع الأمور فسمّيت القضية "المشكلة الفلسطينية"
في حين أن التوصيف الدقيق هو "مشكلة وجود دولة
إسرائيل على أرض فلسطين". ومع الوقت، أصبحت القضية
الفلسطينية مسألة معزولة عن التاريخ وعن
الجغرافيا، وأصبحت بالنسبة للعالم في البداية قضية
شعب من دون وطن، ومن ثم تحولت الى معضلة شعب
إرهابي متعصب هدفه تدمير دولة مسالمة اسمها
إسرائيل.
لذلك، فلا يمكن طرح الواقع الفلسطيني وتعقيداته في
لبنان من دون إعادة ربطه مع أصول القضية وتحليل
محطاتها.
لم يبع الشعب الفلسطيني أرضه لليهود، وإن حصل ذلك
في حالات معزولة، فلم يكن لهذا العنصر أي تأثير
يذكر على واقع النكبة سنة 1947. لقد هجر الشعب
الفلسطيني بالقوة وتحت وطأة الإرهاب والمجازر بعد
أن قاوم هذا الواقع منذ انطلاقة ثورة عزالدين
القسام سنة 1931.
ولكن هذا الشعب كان يواجه مشروعاً دولياً وقواةً
مسلحة ومنظمة وصل عددها الى 60 ألفاً ففاقت
المنظمات الصهيونية في عددها وعديدها قدرات كل
الجيوش العربية التي شاركت في جيش الإنقاذ. لقد
كان نكسة 1948 نتيجة حتمية لاختلال موازين القوى
وفقدان العزيمة وفقدان الإرادة لدى الحكومات
العربية، وفقدان الحيلة لأهل فلسطين.
وهذا ما أدى الى لجوء قسري لنحو مئة ألف فلسطيني
تبعتها موجة أخرى إثر هزيمة 1967.
لقد صدر بعدها القرار الدولي 194 الذي نص على حفظ
حق العودة، ولكن هذا القرار بقيَ حبراً على ورق في
غياب الإرادة الدولية، وفي واقع تواطؤ محلي من
أنظمة محرجة من عجزها، وغارقة في مشاكل داخلية لا
حصر لها.
ورغم كل العوائق، فإن مقاومة الاحتلال انطلقت
باكراً، وإن كانت مبعثرة، وذات طابع فردي أحياناً.
ولكن الانطلاقة المنظمة كانت سنة 1957 في الكويت،
وبتحريك مباشر من أبو عمار ورفاقه.
لقد لاقت هذه الظاهرة، ومنذ بداياتها الأولى،
الكثير من الإعاقات من قِبَل الأنظمة العربية،
وبالأخص التي كانت تسمي نفسها بالقومية والتقدمية.
في هذا الوقت، كانت الجماهير العربية مأخوذة
بأوهام "المارد العربي" الذي يعد العدّة لزحف جبار
يقوده أحد أشباه الأنبياء، جامعاً الأمة تحت راية
واحدة من المحيط الى الخليج، فيدفع الصهاينة
بجبروت الملايين الى البحر.
ولكن هزيمة 1967، ضربت وهم الخلاص عن طريق قيادات
الأنظمة الآتية من العسكر، وراحت الجماهير تبحث عن
نبي جديد. لذلك، فقد شكّلت الأشهر التي تلت هزيمة
1967 فرصة كبرى لمختلف القوى الفلسطينية للانطلاق
في عملها السياسي والتنظيمي والعسكري، خصوصاً بعد
أن تحرّرت موقتاً وجزئياً من الضوابط التي فرضتها
عليها الأنظمة العربية، الراغبة كل منها في وضعها
تحت وصايتها.
وكان من الطبيعي أيضاً أن تحاول هذه التنظيمات زرع
قواعدها وكوادرها، ومراكز انطلاقها في البلدان
التي لها حدود جغرافية مع فلسطين لضرورات الكفاح
المسلّح، وهذا ما حصر الخيارات في أربعة بلدان
عربية.
في المحصلة، فقد كانت إمكانية الانطلاق بأنشطة حرة
للعمل الفدائي شبه معدومة في مصر وسوريا وذلك
لطبيعة النظامين المزايدة والقابضة في نفس الوقت
على كل الأنشطة على أرضها. وقد انتهت معظم محاولات
انطلاق الثورة الفلسطينية من هذين البلدين الى
اعتقالات أو اغتيالات أو تخوين لأصحاب المبادرات.
وقد أنشئت ألوية عسكرية نظامية للفلسطينيين تحت
اسم جيش التحرير، تابعة بشكل كامل لقيادة هذه
الدول. أما تجربة الأردن، ومع الخاصية الفلسطينية
الديموغرافية فيه، فقد انتهت الى مأساة أيلول
1970، وأدت الى هجرة قيادات منظمة التحرير الى
لبنان كملاذ أخير.
طبعاً، لم تبدأ قصة لبنان مع العمل الفدائي في سنة
1970، فقد أجبر هذا البلد الرازح تحت انقسامات
بنيوية حادة في تركيبته السكانية تتمحور حول الرؤى
الوطنية الأساسية. ابتداء بالانتماء القومي
والتوجه الثقافي ولا تنتهي حتى بمسألة الحدود
الوطنية الجغرافية.
لذلك، فإن الوجود الفلسطيني بحجمه السياسي والبشري
والعسكري الثقيل، تفاعل بشكل سلبي مع الواقع
اللبناني على مختلف المستويات.
ومع أن الكثيرين من اللبنانيين انخرطوا في العمل
الفدائي انطلاقاً من قناعات سياسية قومية، فإن
قسماً من اللبنانيين اعتبروا هذا الوجود وسيلة
لإصلاح موازين القوى مع الفئات الأخرى ووسيلة
للاستقواء السياسي والطائفي عليها، ومقدمة لنقض
التسوية التي بنيت عليها الشراكة الوطنية الأولى
سنة 1943.
وفي الوقت نفسه، فقد استخدم الفريق الآخر هذا
العنصر كوسيلة لرفض مطالب المشاركة وإصلاح النظام.
وكانت الأنظمة العربية في تلك الفترة واقعة تحت
صدمة فقدان ماء الوجه وفقدان الهيبة وفقدان وسائل
استدراك نتائج الكارثة، فكان أحد المخارج هو إجبار
الدولة اللبنانية على توقيع اتفاق القاهرة سنة
1969، والتي أدت عملياً الى تخلّي الدولة عن
سيادتها على كامل أراضيها.
وبهذه الطريقة، وضع مصير الشعب اللبناني والشعب
الفلسطيني فيه أمام مسار كارثي على مختلف الأصعد.
وقد استدرج اللبنانيون الفلسطينيين، وتجاوبت
قيادتهم، فأصبحوا جزءاً من أتون الحرب الأهلية
والتي لم تتوقف حتى بعد خروجهم سنة 1982، ولكن هذا
الوجود أدى الى خلق ظروف أساسية لاستمرارها.
لقد كانت الانتفاضة الأولى سنة 1987 والمعروفة
بثورة الحجارة، وهي الإضاءة الأساسية التي نوّرت
مسار العودة، ورغم كل ما قيل وأشيع عن اتفاقية
أوسلو، فقد كانت مفاعيلها أكبر وأهم من كل الغوغاء
والفوضى العسكرية والسياسية والشعاراتية التي حكمت
المسار الفلسطيني على مدى أربعة عقود.
لقد أدت الانتفاضة الغير المسلحة الى إنتاج هذا
الاتفاق، وأدى هذا الاتفاق الى بداية إرساء دولة
فلسطينية على أرض فلسطين سوف يكون للمستقبل رسم
معالمها، ولكنها أصبحت حقيقة ثابتة لشعب كان في
السابق غير موجود على الخارطة الدولية.
لذلك، فإنه على اللبنانيين، ومن مختلف توجهاتهم،
أن ينظروا بعين الترحيب والرضى الى إعلان فلسطين
في لبنان والنظر الى الماضي بمنطق الموضوعية
والتعالي، على أساس أن الشعبين اللبناني
والفلسطيني كانا شريكين في التضحية في قضية واحدة.
وعلى هذا الأساس، فعلينا البناء على هذه الروحية
للمستقبل مع الدولة الفلسطينية، واعتبار المواطنين
الفلسطينيين رعايا لهذه الدولة في وجود قسري وموقت
في لبنان يرعاه القرار 194. لذلك فإنه لا يجب
التعامل معهم على أساس مشكلة يجب التخلّص منها أو
رميها على عاتق الآخرين، بل يجب العمل على دعمهم
للمطالبة بحق العودة بمختلف الوسائل.
لذلك، واستناداً الى ما تقدم نعلن ما يلي:
أولاً: إن لبنان لن يتزحزح عن التزامه بحق العودة
والتأييد للشعب الفلسطيني.
ثانياً: نرحب بتأكيد الإخوة الفلسطينيين الالتزام
بسيادة لبنان واستقلاله في ظل الشرعية اللبنانية
في جميع مكوّناتها التشريعية والتنفيذية
والقضائية، من دون أي تدخل في شؤونه الداخلية،
ونعتبره مقدمة للمساهمة في السلم الأهلي وعاملاً
مساعداً على تنظيم الوجود الفلسطيني في لبنان.
ثالثاً: نرحب أيضاً بما جاء بالنسبة لإخضاع السلاح
الفلسطيني في لبنان لسيادة الدولة اللبنانية،
ونعتبره مقدمة لإلغاء الجزر الأمنية التي أدت الى
كوارث على الشعبين، وليست كارثة أهلنا في مخيم نهر
البارد إلا مظهراً من مظاهرها، والتي أدت الى
خسارة شهداء الجيش اللبناني وإلى استثارة محيط
المخيم بشكل عنصري أحياناً.
رابعاً: يجب أن نؤكد أن حصول الإخوة الفلسطينيين
على حقوقهم الإنسانية الأساسية بالعمل والانتقال
والتملّك المحدود عملاً بالقوانين الخاصة بالموضوع
لا يؤدي الى التوطين، بل على العكس فإنه يعطي
للشعب الفلسطيني القدرة الأمثل على التعبير
والمطالبة بحقه، ونوافق أيضاً على أن لا تكون
مسألة السلاح مقايضة بهذه الحقوق. كما أننا نعتبر
أن تحسين الظروف المعيشية للإخوة سوف يساعد في
إزالة أو حصر أحد أهم عوامل التوتير التي أدت الى
كوارث على المجتمع اللبناني بشكل عام.
إن هذا الإعلان يجب أن يكون مقدمة لعمل دستوري في
الحكومة اللبنانية المقبلة لتشريع القوانين
الملائمة لتحقيق هذه الأهداف، مترافقة مع حملة
لدعم هذه التوجهات ضمن مؤسسات المجتمع المدني
والنقابات.
إن وجود الإخوة الفلسطينيين في لبنان هو وجود قسري
وموقت، والوسيلة الوحيدة لتقصير هذه المعاناة هي
دعمهم للمطالبة بحقهم الأساسي في العودة.
(*) نائب لبناني عضو كتلة "المستقبل"
|