Beirut Letter/articles/georges nassif

 

النهار 09-01-2008

فلسطين تكلم لبنان
جورج ناصيف

في الذكرى الثالثة والاربعين لانطلاقة الثورة الفلسطينية المعاصرة وتجسيدها رصاصة "فتح" الاولى، اصدرت الممثلية الرسمية لمنظمة التحرير الفلسطينية في لبنان (وشاغل موقعها قيادي عتيق في "فتح"، شديد التوازن والحكمة فلسطينيا، وشديد الانجذاب الى خصائص التجربة اللبنانية، وهو عباس زكي) وثيقة سياسية عامة خصصت جزءها الاخير، والاهم بالنسبة الينا، لصياغة رؤية فلسطينية "للبنان الوطن والشعب".
الوثيقة، الدقيقة سياسيا، والمكتوبة بحب كبير للبنان تخاطب بلا تأتأة او غموض، عموم اللبنانيين، الى اي طائفة او تيار سياسي او منطقة انتموا، لتطرح موقفا فلسطينيا من لبنان، والوجود الفلسطيني على ارضه، هو الاكثر اختمارا وتبصرا واستفادة من التجربة المديدة في لبنان، باشراقاتها وسقطاتها ومباذلها، بحيث يصح القول اننا امام حصيلة مراجعة صادرة عن اعلى سلطة فلسطينية:
"1 –
نعتذر عن اي ضرر ألحقناه بلبنان، بوعي او من غير وعي.
2 –
ان الوجود الفلسطيني في لبنان، بحجمه البشري والسياسي والعسكري، قد أثقل كثيرا على هذا البلد الشقيق.
3 –
بعد قيام السلطة الوطنية الفلسطينية على ارضها بموجب اتفاقات اوسلو 1993 اكد الجانب الفلسطيني عمليا انه ما عاد يفكر، لا اختيارا ولا اضطرارا، في اي مشروع سياسي او امني في لبنان او انطلاقا منه.
-
اننا ندعو انفسنا واخوتنا اللبنانيين بلا استثناء الى تجاوز الماضي باخطائه وخطاياه، والانفتاح الصادق على مصالحة في العمق تليق باصالة شعبينا.
-
اننا نعلن التزامنا الكامل سيادة لبنان واستقلاله في ظل الشرعية اللبنانية بجميع مكوناتها، من دون اي تدخل في شؤونه الداخلية.
-
نعلن تمسكنا بحقنا في العودة الى وطننا فلسطين، رافضين بحزم وثبات جميع اشكال التوطين والتهجير.
-
نعلن ان السلاح الفلسطيني في لبنان ينبغي ان يخضع لسيادة الدولة اللبنانية وقوانينها، وفقا لمقتضيات الامن الوطني اللبناني.
-
نعلن تمسكنا بحقنا في مواصلة النضال السلمي الديموقراطي على جميع المستويات، وضمن القوانين اللبنانية المرعية الاجراء".
ان اعلانا بهذا القدر من الوضوح والشجاعة، يتضمن عددا من التأكيدات الضمنية التي يتعين جلاؤها:
1 –
ان السلاح الفلسطيني في لبنان ليس معروضا لتأجيره لاحد: لا لسوريا التي تريد توظيف هذا السلاح في معاركها لتحسين شروطها التفاوضية، ولا لأي طرف مذهبي في اطار العراك الداخلي اللبناني على السلطة. سلاح التنظيمات الفلسطينية الموالية لسوريا ليس فلسطينيا واستخداماته ليست فلسطينية. وسلاح التشكيلات السنية الاصولية ليس فلسطينيا بدوره.
-
ان التهويل بالتوطين لم يعد يقنع احدا، ولا صلة له بالمشروع الفلسطيني الذي تقوده منظمة التحرير. ان استدعاء "فزاعة" التوطين هو استدعاء يدخل في اطار المماحكات اللبنانية الداخلية.
-
ان ثمة ضرورة للفصل بين الملفات السياسية والقانونية العائدة الى فلسطين ولبنان، وملف الحاجات الفلسطينية الضاغطة في المخيمات والتي لا يصح إرجاؤها ساعة واحدة...
...
الى عدد من التحديات الاسئلة:
اولا – هل يمكن فصل موقف ممثلية فلسطين في لبنان عن عموم العلاقة الشائكة والملتبسة بين السلطة الوطنية الفلسطينية والسلطة السورية، وتاليا بين الفصائل الفلسطينية المنضوية في اطار منظمة التحرير، والفصائل المتحالفة مع دمشق، وبينها وبين حلفاء دمشق اللبنانيين؟
-
هل يمكن هذه الرؤية الفلسطينية الشجاعة ان تجد لنفسها ترجمة ميدانية، مع حكم لبناني لا يستلهم منطلقات السيادة والحرية والاستقلال؟ بلغة اخرى: أليس شرط استواء العلاقات الفلسطينية – اللبنانية على قاعدة الاحترام وعدم التدخل المتبادل في الشؤون الداخلية، ان تستوي هذه العلاقات بين لبنان ودمشق؟ هل ان سلطة لبنانية مستتبعة لدمشق، على غرار التي كانت قائمة، يمكن ان تنسج علاقة صحية مع فلسطينيي لبنان؟
-
ما هو مقدار قدرة فصائل منظمة التحرير على ضبط الوضع داخل المخيمات، وإلزامها هذه الرؤية لجميع المكونات الفلسطينية؟
-
هل ستقوم الحكومة اللبنانية المقبلة على صياغة رؤية لبنانية سليمة وصحية للعلاقات اللبنانية – الفلسطينية عموما، والعلاقات مع فلسطينيي لبنان خصوصا، تجيب على هذه
الرؤية الناضجة؟

•••

فلسطين لم تعد في لبنان مسألة سياسية او عسكرية او امنية او ديموغرافية. عادت مسألة حق سليب انقطع الى الدفاع عنه مسيحيون نهضويون منذ بداية القرن الماضي (نجيب عازوري، جبران تويني الجد) ومسألة شعب نبيل يكابد شظف العيش ومرارته، ولا يخفض رأسه لاحتلال عدو او احتواء "شقيق".
انها فلسطين تكلم لبنان، بأحلى لسان
.

عودة الى افتتاحيات

عودة الى مراجعات الصحف