|
فقد لبنان بمقتل
سمير قصير صحافيّاً
وأكاديميّاً ومؤرّخاً وكاتباً. أما أنا ففقدت، فضلاً
عن ذلك كلّه، صديقاً.
لكن سمير المتعدد الأبعاد كان أيضاً مناضلاً متفائلاً،
بل شديد التفاؤل. وهي سمة تغدو اليوم أندر فأندر في
لبنان.
ما من شكّ في أن يساريّته كانت أحد مصادر تفاؤله
بمستقبل أفضل، وأحد مصادر استعداده للنضال في سبيل هدف
كهذا. غير أن يساريّته تلك تعرّضت مع انتقاله من باريس
الى بيروت لتغيّر أساسيّ: فهي لم تعد من طينة تلك
المواقف المجرّدة التي كثيراً ما نراها في تظاهرات
المدن الأوروبيّة تعاطفاً مع قضايا محقّة وتنديداً
بالسياسات الأميركيّة والاسرائيليّة، بل صارت، أوّلاً
وأساساً، موقفاً يتّصل ببلد بعينه، ويستمدّ مادّته من
قضايا محدّدة لشعب محدّد.
هناك، في لبنان، اكتشف سمير قصير بالملموس كيف ان ما
كان يسمّيه «النظام الأمنيّ السوريّ - اللبناني» هو
الذي يقف حجر عثرة في وجه تقدّم الشعبين اللبنانيّ
والسوريّ. وقد لمس هذه الحقيقة بتجربته الشخصيّة ذاتها
حين أُوقف برنامج تلفزيونيّ كان يعدّه، وحين طارده على
مدى أسابيع رجال أحد الأجهزة الأمنيّة، وحين صودر جواز
سفره، وحين كان يتلقّى تهديدات بسبب مقالاته الشجاعة.
وأودّ أن أذكّركم هنا بأن أحد التفسيرات التي ظهرت
لمقتل سمير هو أنه سمّى الرئيس السوريّ بشّار الأسد في
مقالة نقديّة حادّة، والرئيس هذا ينبغي ألاّ يُسمّى
إلا في سياق من المديح والتمجيد.
وعلى رغم ذلك ظلّ سمير متفائلاً، علماً بأن الصراعات
بين الأخوة، كما نسمّيها في اللغة السياسيّة العربيّة،
سبب لتشاؤم مؤكّد. وجاء يوم 14 آذار (مارس) الذي تبدّى
لنا جميعاً انه استثناء كبير على التاريخ اللبنانيّ
الحديث، ليعزّز تفاؤله وتفاؤل كثيرين غيره ممن كانوا
لا يرون في اللبنانيّين الاّ طوائف متناحرة. لكنْ،
لسوء حظّنا وسوء حظّ سمير خصوصاً، سريعاً ما أطلّت
برأسها السياسات الطائفيّة التي ما إن عاودت البروز
حتى ظهر المناخ الملائم لاغتياله بالطريقة الوحشيّة
التي اغتيل فيها.
لقد راهن على وطنيّة ديموقراطيّة لبنانيّة تبيّن انها
لم تصبح بعدُ قادرة على حمايته. فهو قضى ضحيّة النظام
العسكريّ شبه التوتاليتاريّ في سورية المتحالف مع
ثقافة لبنانيّة لم ترتفع بعد الى المستوى الوطنيّ.
والخوف المشروع، بعد أن فقدنا سمير على يد هذا
التحالف، أن نفقد، على يد التحالف نفسه، أصدقاء كثيرين
له تجمع بينهم الاستقامة الشخصيّة والشجاعة وقدر بعيد
من التفاؤل.
* ترجمة لمداخلة ألقيت في المركز الثقافيّ الفرنسيّ في
لندن، بمناسبة صدور الطبعة الانكليزيّة من كتاب سمير
قصير «أن تكون عربيّاً». |